التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين » ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

مسألة: الجزء الثاني عشر
وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، أبو بكر ، ويقال له : أبو خبيب ، القرشي الأسدي ، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ، ذات النطاقين ، هاجرت به - وهي حامل به متم - فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة ، وقيل : إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة . قاله الواقدي ، ومصعب بن الزبير وغيرهما ، والأول أصح ; لما رواه أحمد ، عن أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أسماء ، أنها حملت بعبد الله بمكة ، قالت : فخرجت به ، وأنا متم ، فأتيت المدينة ، فنزلت فولدته ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره ، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه ، فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : ثم حنكه ، ثم دعا له وبرك عليه ، وكان أول مولود ولد في الإسلام .

وهو صحابي جليل ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ، وروى عن [ ص: 187 ] أبيه وعمر وعثمان وغيرهم ، وعنه جماعة من التابعين ، وشهد الجمل مع أبيه وهو صغير ، وحضر خطبة عمر بالجابية ، ورواها عنه بطولها ، ثبت ذلك من غير وجه .

وقدم دمشق لغزو القسطنطينية ، ثم قدمها مرة أخرى ، وبويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية ، ولما مات يزيد غلب على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان وسائر بلاد الشام إلا دمشق ، وتمت البيعة له سنة أربع وستين ، وكان الناس بخير في زمانه .

وثبت من غير وجه ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أسماء ، أنها خرجت بعبد الله من مكة مهاجرة وهي حبلى به ، فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة ، فأتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه ، وسماه عبد الله ، ودعا له ، وفرح المسلمون به ; لأنه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين ; فلا يولد لهم في المدينة ، فلما ولد ابن الزبير كبر المسلمون ، وقد سمع عبد الله بن عمر جيش الشام حين كبروا عند قتله ، فقال : أما والله للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله . وأذن الصديق في أذنيه حين ولد رضي الله عنهما .

[ ص: 188 ] ومن قال : إن الصديق طاف به حول الكعبة ، وهو في خرقة فهو واهم ، والله أعلم ، وإنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود .

وقال مصعب الزبيري : كان عارضا عبد الله خفيفين ، وما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة .

وقال الزبير بن بكار : حدثني علي بن صالح ، عن عامر بن صالح ، عن سالم بن عبد الله بن عروة ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم في غلمة ترعرعوا ; منهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير ، وعمر بن أبي سلمة ، فقيل : يا رسول الله ، لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ، ويكون لهم ذكر . فأتي بهم إليه ، فكأنهم تكعكعوا ، واقتحم عبد الله بن الزبير ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنه ابن أبيه وبايعه .

وقد روي من غير وجه أن عبد الله بن الزبير شرب من دم النبي صلى الله عليه وسلم ; كان [ ص: 189 ] النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم في طست ، فأعطاه عبد الله بن الزبير ليريقه فشربه ، فقال له : لا تمسك النار إلا تحلة القسم ، وويل لك من الناس ، وويل للناس منك وفي رواية أنه قال له : يا عبد الله ، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه ، فلما رجع قال : ما صنعت بالدم ؟ قال : عمدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه . قال : فلعلك شربته ؟ قال : نعم . فقال : لا تمسك النار إلا تحلة القسم ، ويل للناس منك ، وويل لك من الناس فكانت تلك القوة التي به من ذلك الدم .

وقال محمد بن سعد : أنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا الحارث بن عبيد ، ثنا أبو عمران الجوني ، أن نوفا البكالي كان يقول : إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء . وقال حماد بن زيد ، عن ثابت البناني قال : كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك .

وقال الأعمش ، عن يحيى بن وثاب : كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره ، تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط . وقال غيره : كان ابن الزبير يقوم [ ص: 190 ] ليله حتى يصبح ، ويركع ليله حتى يصبح ، ويسجد ليله حتى يصبح . وقال بعضهم : ركع ابن الزبير يوما فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه . وقال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راتب . وفي رواية : ثابت . وقال أحمد : تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج ، وابن جريج من عطاء ، وعطاء من ابن الزبير ، وابن الزبير من الصديق ، و الصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن ابن المنكدر قال : لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة تصفقها الريح ، والمنجنيق يقع هاهنا وهاهنا . قال سفيان : كأنه لا يبالي . وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرافة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه ، فما زال عن مقامه ، ولا عرف ذلك في صوته . فقال عمر بن عبد العزيز لا إله إلا الله ، جاد ما وصفت .

وقال عمر بن عبد العزيز يوما [ ص: 191 ] لابن أبي مليكة : صف لنا عبد الله بن الزبير . فقال : والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ، ولا لحما على عصب ، ولا عصبا على عظم مثله ، ولا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه ، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره ، فوالله ما جشع ولا قطع لها قراءته ، ولا ركع دون ما كان يركع ، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها ، ولقد كان يركع فيكاد يقع الرخم على ظهره ، ويسجد فكأنه ثوب مطروح .

وقال أبو القاسم البغوي ، عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن منصور بن زاذان قال : أخبرني من رأى ابن الزبير يشرب في صلاته ، وكان ابن الزبير من المصلين . وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال : كان قارئا لكتاب الله ، متبعا لسنة رسول الله ، قانتا لله ، صائما في الهواجر من مخافة الله ، ابن حواري رسول الله ، وأمه بنت الصديق ، وخالته عائشة حبيبة حبيب الله ، زوجة رسول الله ، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله .

وروي أن ابن الزبير كان يوما يصلي فسقطت حية من السقف تطوقت على بطن ابنه هاشم ، فصرخ النسوة ، وانزعج أهل المنزل ، واجتمعوا على قتل تلك [ ص: 192 ] الحية ، فقتلوها وسلم الولد ; فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت ، ولا درى بما جرى لابنه حتى سلم .

وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن الضحاك الحزامي ، وعبد الملك بن عبد العزيز ، ومن لا أحصي كثرة من أصحابنا ، أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعا ; يصوم يوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى ، ويصوم بالمدينة ولا يفطر إلا في مكة ، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا في المدينة ، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة ، وسمن ، وصبر . وفي رواية أخرى : فأما اللبن فيعصمه ، وأما السمن فيقطع عنه العطش ، وأما الصبر فيفتق الأمعاء . وقال ابن معين ، عن روح ، عن حبيب بن الشهيد ، عن ابن أبي مليكة قال : كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ، ويصبح في اليوم الثامن وهو أليثنا . وروي مثله من غير وجه ، وقال بعضهم : لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه . وقال خالد بن أبي عمران : كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام ، ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره . وقال ليث عن [ ص: 193 ] مجاهد : لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة رضي الله عنه . ولقد جاء سيل مرة فطبق البيت ، فجعل ابن الزبير يطوف سباحة . وقال بعضهم : كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث : في العبادة ، والشجاعة ، والفصاحة ، وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الإسلام مع معاوية وابنه ، وسعيد بن العاص وابنه ، وقال عبد الواحد بن أيمن : رأيت على ابن الزبير رداء يمانيا عدنيا يصلي فيه ، وكان صيتا ; إذا خطب يجاوبه الجبلان أبو قبيس ، وزرود .

وكان آدم نحيفا ، ليس بالطويل ، وكان بين عينيه أثر السجود ، كثير العبادة ، مجتهدا ، شهما ، فصيحا ، صواما قواما ، شديد البأس ، ذا أنفة ، له نفس شريفة وهمة عالية ، وكان خفيف اللحية ، ليس في وجهه من الشعر إلا قليلا ، وكانت له جمة ، وكان له لحية صفراء .

وقد ذكرنا أنه شهد مع عبد الله بن أبي سرح قتال البربر ; وكانوا في عشرين ومائة ألف ، والمسلمون عشرين ألفا ، فأحاطوا بهم من كل جانب ، [ ص: 194 ] فما زال عبد الله بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسا ، وسار نحو ملك البربر ، وهو منفرد وراء الجيش ، وجواريه يظللنه بريش النعام ، فساق حتى انتهى إليه ، والناس يظنون أنه ذاهب في رسالة إليه ، فلما فهمه الملك ولى مدبرا ، فلحقه عبد الله بن الزبير فقتله ، واحتز رأسه ، وجعله فوق رمحه ، وكبر وكبر المسلمون ، وحملوا على البربر فهزموهم بين أيديهم ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وغنموا مغانم كثيرة جدا ، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع عبد الله بن الزبير ، فقص على عثمان الخبر ، وكيف جرى ، فقال له عثمان : أتستطيع أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر ؟ قال : نعم . فصعد ابن الزبير فوق المنبر ، فخطب الناس ، وذكر لهم كيفية ما جرى . قال عبد الله : فالتفت فإذا أبي الزبير في جملة من حضر ، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج علي في الكلام من هيبته في قلبي ، فزبرني بعينه ، وأشار إلي ليحصبني ، فمضيت في الخطبة كما كنت ، فلما نزلت قال : والله لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني .

وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على راحلة له ، فنزل يبول ، فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية ، فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها ، فركب ابن الزبير راحلته ومضى ، قال : فناداه : والله يابن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة [ ص: 195 ] لخبلتك . قال : ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شيء ؟ ! وقد روي لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة . وروى عبد الله بن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : أقبل عبد الله بن الزبير من العمرة في ركب من قريش ، فلما كانوا عند التناضب أبصروا رجلا عند شجرة ، فتقدمهم ابن الزبير ، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ، ورد ردا ضعيفا ، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل ، فقال له ابن الزبير : تنح عن الظل . فانحاز متكارها ، قال ابن الزبير : فجلست ، وأخذت بيده ، وقلت : من أنت ؟ فقال : رجل من الجن . فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته ، وقلت : أنت رجل من الجن وتبدو لي هكذا ؟ وإذ ليس له سفلة ، وانكسر ونهرته ، وقلت : إلي تتبدى وأنت من أهل الأرض ، فذهب هاربا ، وجاء أصحابي ، فقالوا : أين الرجل الذي كان عندك ؟ فقلت : إنه كان من الجن فهرب . قال : فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته ، فأخذت كل رجل منهم ، فشددته على راحلته ، حتى أتيت بهم أمج وما يعقلون .

وقال سفيان بن عيينة : قال ابن الزبير : دخلت المسجد ذات ليلة ، فإذا نسوة يطفن بالبيت ، فأعجبنني ، فلما قضين طوافهن خرجن ، فخرجت في إثرهن ; لأعلم أين منزلهن ، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ، ثم انحدرن حتى أتين [ ص: 196 ] فجا فدخلن في خربة ، فدخلت في إثرهن ، فإذا مشيخة جلوس فقالوا : ما جاء بك يابن الزبير ؟ فقلت لهم : من أنتم ؟ قالوا : الجن ، وتلك النسوة نساؤنا ، فما تشتهي يابن الزبير ؟ فقلت : أشتهي رطبا ، وما بمكة يومئذ من رطبة ، فأتوني برطب فأكلت ، ثم قالوا : احمل ما بقي معك ، فجئت به المنزل ، فوضعته في سفط ، ووضعت السفط في صندوق ، ثم وضعت رأسي لأنام ، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت ، فقال بعضهم لبعض : أين وضعه ؟ قالوا : في الصندوق . ففتحوه ، فإذا هو في السفط داخله ، فهموا بفتحه ، فقال بعضهم : إنه ذكر اسم الله عليه ، فأخذوا السفط بما فيه ، فذهبوا به ، قال : فلم آسف على شيء أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت .

وقد كان عبد الله بن الزبير ممن حاجف عن عثمان يوم الدار ، وجرح يومئذ بضع عشرة جراحة ، وكان على الرجالة يوم الجمل ، وجرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضا ، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير ، فلم يتمكن الأشتر من القيام عنه ، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي ، ويقول :


اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي

فأرسلها مثلا ، ثم تفرقا ، ولم يقدر عليه الأشتر ، وقد قيل : إنه جرح يومئذ [ ص: 197 ] بضعا وأربعين جراحة ، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق ، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم ، وسجدت لله شكرا ، وقد كانت تحبه حبا شديدا ; لأنه ابن أختها ، وكان عزيزا عليها ، وقد روي عن عروة أنه قال : لم تكن عائشة تحب أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مثل حبها عبد الله بن الزبير . وقال : وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لأحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير .

وقال الزبير بن بكار : حدثني أخي هارون بن أبي بكر ، عن يحيى بن إبراهيم ، عن سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة ، عن أبيه ، عن عمه عبد الله بن عروة قال : أقحمت السنة نابغة بني جعدة ، فدخل على عبد الله بن الزبير المسجد الحرام ، فأنشده هذه الأبيات :


حكيت لنا الصديق لما وليتنا     وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا     فعاد صباحا حالك الليل مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا     دجى الليل جواب الفلاة عثمثم
لتجبر منه جانبا ذعذعت به     صروف الليالي والزمان المصمم

[ ص: 198 ] فقال له ابن الزبير : هون عليك أبا ليلى ، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا ، أما صفوة مالنا فلآل الزبير ، وأما عفوه فإن بني أسد يشغلها عنك وتيما ، ولكن لك في مال الله حقان : حق برؤيتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم . ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم ، فأعطاه قلائص سبعا ، وجملا رحيلا ، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا ، فجعل النابغة يستعجل ، ويأكل الحب صرفا ، فقال له ابن الزبير : ويح أبي ليلى ، لقد بلغ الجهد . فقال النابغة : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما وليت قريش فعدلت ، واسترحمت فرحمت ، وحدثت فصدقت ، ووعدت خيرا فأنجزت ، فأنا والنبيون فراط القاصفين .

[ ص: 199 ] وقال محمد بن مروان صاحب كتاب " المجالسة " : أخبرني حبيب بن نصر الأزدي ، ثنا محمد بن دينار ، ثنا محمد بن زياد الضبي ، ثنا هشام بن سليمان المخزومي ، عن أبيه ، قال : أذن معاوية للناس فدخلوا عليه ، فاحتفل المجلس ، وهو على سريره ، فأجال بصره فيهم ، ثم قال : أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة ، من أجمع ما قالتها العرب . ثم قال : يا أبا خبيب . فقال : مهيم ؟ قال : أنشدني ذلك . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، بثلاثمائة ألف ; كل بيت بمائة ألف . قال : نعم ، إن ساوت . قال : أنت بالخيار ، وأنت واف كاف . فأنشده للأفوه الأودي :


بلوت الناس قرنا بعد قرن     فلم أر غير ختال وقال

فقال : صدق .


ولم أر في الخطوب أشد وقعا     وكيدا من معاداة الرجال

فقال : صدق .

[ ص: 200 ]

وذقت مرارة الأشياء طرا     فما شيء أمر من السؤال

فقال : صدق . ثم قال معاوية : هيه يا أبا خبيب . قال : إلى هاهنا انتهى . قال : فدعا معاوية بثلاثين عبدا ، على عنق كل واحد منهم بدرة ، وهي عشرة آلاف درهم ، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره .

وروى ابن أبي الدنيا عن أبي يزيد النميري ، عن أبي عاصم النبيل ، عن جويرية بن أسماء ، أن معاوية لما حج تلقاه الناس ، وتخلف ابن الزبير ، ثم جاءه وقد حلق رأسه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما أكثر جحرة رأسك ؟ فقال له : اتق ; لا تخرج عليك منها حية فتقتلك . فلما أفاض معاوية طاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ، ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان ، فذهب معه إليها ، فلما خرجا قال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس يقولون : جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل ماذا ؟ لا والله لا أدعك حتى تعطيني مائة ألف . فأعطاه ، فجاء مروان فقال : والله يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك ; جاءك رجل قد سمى بيت مال الديوان ، وبيت الخلافة ، وبيت كذا وبيت كذا ، فأعطيته مائة ألف . فقال له : ويلك ؛ فكيف أصنع بابن الزبير ؟

وقال ابن أبي الدنيا : أخبرني عمر بن بكير ، عن علي بن مجاهد ، [ ص: 201 ] عن هشام بن عروة قال : سأل عبد الله بن الزبير معاوية شيئا فمنعه ، فقال : والله ما أجهل أن ألزم هذه البنية ، فلا أشتم لك عرضا ، ولا أقصب لك حسبا ، ولكني أسدل عمامتي من بين يدي ذراعا ، ومن خلفي ذراعا في طريق أهل الشام ، وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر ، فيقول الناس : من هذا ؟ فيقولون : ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن بنت الصديق . فقال معاوية : حسبك بهذا شرا . ثم قال : هات حوائجك .

وقال الأصمعي : ثنا غسان بن مضر ، عن سعيد بن يزيد قال : دخل ابن الزبير على معاوية ، فأمر ابنا له صغيرا فلطمه لطمة دوخ منها رأسه ، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي : ادن مني . فدنا منه ، فقال له : الطم معاوية . قال : لا أفعل . قال : ولم ؟ قال : لأنه أبي . فرفع ابن الزبير يده ، فلطم الصبي لطمة جعل يدور منها كما تدور الدوامة ، فقال معاوية : تفعل هذا بغلام لم تجر عليه الأحكام ؟ قال : إنه والله قد عرف ما يضره مما ينفعه ، فأحببت أن أحسن أدبه .

وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني ، عن عبد الله بن أبي بكر قال : لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام من المدينة ، فوجده وهو ينعس على [ ص: 202 ] راحلته ، فقال له : أتنعس وأنا معك ؟ أما تخاف مني أن أقتلك ؟ فقال : إنك لست من قتال الملوك ، إنما يصيد كل طائر قدره . فقال : أما لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب وهو من تعلم . فقال : لا جرم قتلكم والله بشماله . فقال : أما إن ذلك كان في نصرة عثمان ، ثم لم يجز بها . فقال : إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان . فقال له ابن الزبير : إنا قد أعطيناك عهدا ، فنحن وافون لك به ما عشت ، فسيعلم من بعدك . فقال : أما والله ما أخافك إلا على نفسك ، وكأني بك قد خبطت في الحبالة ، واستحكمت عليك الأنشوطة ، فذكرتني وأنت فيها ، فقلت : ليت أبا عبد الرحمن لها ، ليتني والله لها ، أما والله لأحللنك رويدا ، ولأطلقنك سريعا ، ولبئس الولي أنت تلك الساعة . وحكى ابن عيينة نحو هذا ، وقد تقدم أن معاوية لما مات ، وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر منها ابن الزبير والحسين بن علي ، فقصدا مكة فأقاما بها ، ثم خرج الحسين إلى العراق ، وكان من أمر مقتله بأرض كربلاء ما تقدم ، وتفرد بالرياسة والسؤدد [ ص: 203 ] بمكة عبد الله بن الزبير ; ولهذا كان ابن عباس ينشد بعد مخرج الحسين :


يا لك من قنبرة بمعمر     خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري

يعرض بابن الزبير .

وقيل : إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول : إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب ، وجامعة من فضة ، وحلفت لتأتيني في ذلك ، فأبر قسمي ، ولا تشق العصا . فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال :


ولا ألين لغير الحق أسأله     حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

فلما مات يزيد بن معاوية ، وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبا ، استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدا ، وبويع له بالحجاز والعراق ومصر ، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها ، ولكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك ، وما زال حتى قتله وجماعة بمرج راهط كما تقدم ، فبايع له أهل الشام ، ثم دخل مصر فانتزعها من نواب ابن الزبير ، ثم جهز السرايا إلى العراق ، ومات [ ص: 204 ] واستخلف بعده ابنه عبد الملك بن مروان ، فما زال حتى قتل مصعب بن الزبير ، وأخذ العراق منه ، ثم بعث الحجاج بن يوسف ، فحاصر ابن الزبير بمكة قريبا من سبعة أشهر ، حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين .

وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين ، وحج بالناس فيها كلها ، وبنى الكعبة في أيامه ، كما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورد بناءها كما كانت عليه ، كما أخبرته عائشة أم المؤمنين ، وكسا الكعبة الحرير ، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح .

وكان ابن الزبير عالما عابدا ، مهيبا وقورا ، كثير الصيام والصلاة ، شديد الخشوع ، قوي السياسة ، قال أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي ، ثنا أبو عاصم ، عن عمر بن قيس ، قال : كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة غير لغة الآخر ، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته ، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت : هذا رجل لم يرد الله طرفة عين ، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت : هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين .

[ ص: 205 ] وقال الثوري ، عن الأعمش عن أبي الضحى ، قال : رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال . وكان يطيب الكعبة حتى كان يوجد ريحها من مسافة بعيدة .

وقال ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن ، فرأى ثلاثة مثل - يعني أفرشة - فقال : هذا لي ، وهذا لابنة الحسن ، وهذا للشيطان . فأخرجوه .

وقال الثوري ، عن عبد الملك بن أبي بشير ، عن عبد الله بن مساور ، قال : سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس بالمؤمن من يبيت شبعان ، وجاره إلى جنبه جائع .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق ، ثنا يعقوب ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى ، عن عثمان بن عفان قال : قال له عبد الله بن الزبير حين حصر : إن عندي نجائب قد أعددتها لك ، فهل لك أن تحول إلى [ ص: 206 ] مكة ، فيأتيك من أراد أن يأتيك ؟ قال : لا ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله ، عليه مثل أوزار الناس وهذا الحديث منكر جدا ، وفي إسناده ضعف ، ويعقوب هذا هو القمي ، وفيه تشيع وضعف ، ومثل هذا لا يقبل تفرده به ، وبتقدير صحته فليس هو بعبد الله بن الزبير ، فإنه كان على صفات حميدة ، وقيامه في الإمارة إنما كان لله عز وجل ، ثم هو كان الأمر بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة ، وهو أرشد من مروان بن الحكم ، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه ، وقامت البيعة له في الآفاق ، وانتظم له الأمر ، والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، ثنا إسحاق بن سعيد ، ثنا سعيد بن عمرو ، قال : أتى عبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير ، وهو جالس في الحجر ، فقال : يابن الزبير ، إياك والإلحاد في حرم الله ، فإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يحلها ويحل به رجل من قريش ، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها قال : فانظر أن لا [ ص: 207 ] تكونه يابن عمرو ، فإنك قرأت الكتب ، وصحبت النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فإني أشهدك أن هذا وجهي إلى الشام مجاهدا .

وهذا قد يكون رفعه غلطا ، وإنما هو من كلام عبد الله بن عمرو ، مما أصابه من الزاملتين من علوم أهل الكتاب يوم اليرموك ، والله أعلم .

وقال وكيع ، عن الثوري عن سلمة بن كهيل ، عن أبي صادق ، عن حنش الكناني ، عن عليم الكندي ، عن سلمان الفارسي قال : ليحرقن هذا البيت على يدي رجل من آل الزبير .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، عن ابن فضيل ، ثنا سالم بن أبي حفصة ، عن منذر الثوري قال : قال ابن الحنفية : [ ص: 208 ] اللهم إنك تعلم أني كنت أعلم مما علمتني أن ابن الزبير لا يخرج منها إلا قتيلا ، يطاف برأسه في الأسواق .

وقد روى الزبير بن بكار ، عن هشام بن عروة قال : إن أول ما أفصح به عبد الله بن الزبير وهو صغير : السيف ، فكان لا يضعه من فيه . وكان الزبير إذا سمع ذلك منه يقول له : أما والله ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام . وقد تقدم كيفية مقتله ، وأن الحجاج صلبه على جذع فوق الثنية ، وأنه ربط إلى جنبه هرة ميتة ، فكان ريح المسك يغلب على ريحها ، وأن أمه أرسلت إلى الحجاج تقول له : قاتلك الله ، علام تصلب ولدي ؟ فقال : إني استبقت أنا وإياه إلى هذه الخشبة فسبقني إليها . وأن أمه جاءت حتى وقفت عليه فدعت له طويلا ، ولا يقطر من عينها دمعة ، ثم انصرفت ، وكذلك وقف عليه ابن عمر فدعا له ، وأثنى عليه ثناء كثيرا جدا .

وقال الواقدي : حدثني نافع بن ثابت ، عن عبد الله مولى أسماء ، قال : لما قتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه ، وهي على دابة ، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها ، فأقبل حتى وقف عليها ، فقال : كيف رأيت [ ص: 209 ] نصر الله الحق وأظهره ؟ قالت : ربما أديل الباطل على الحق ، وإنك بين فرثها والجية . فقال : إن ابنك ألحد في هذا البيت ، وقد قال الله تعالى : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم ; قطع السبل . قالت : كذبت ، كان أول مولود في الإسلام بالمدينة ، وسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحنكه بيده ، وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به ، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله ، فمن كان فرح يومئذ خير منك ومن أصحابك ، وكان مع ذلك برا بالوالدين ، صواما ، قواما بكتاب الله ، معظما لحرم الله ، يبغض أن يعصى الله عز وجل ، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول : سيخرج من ثقيف كذابان ، الآخر منهما شر من الأول ، وهو مبير فانكسر الحجاج وانصرف ، فبلغ ذلك عبد الملك ، فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء ، وقال : ما لك ولابنة الرجل الصالح ؟

وقال مسلم بن الحجاج في " صحيحه " : ثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، أنا الأسود بن شيبان ، عن أبي [ ص: 210 ] نوفل قال : رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة ، قال : فجعلت قريش تمر عليه والناس ، حتى مر عليه عبد الله بن عمر ، فوقف عليه ، فقال : السلام عليك أبا خبيب ، السلام عليك أبا خبيب ، السلام عليك أبا خبيب ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم ، أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير . ثم نفذ عبد الله بن عمر ، فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ، فأرسل إليه ، فأنزل عن جذعه ، وألقي في قبور اليهود ، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ، فأبت أن تأتيه ، فأعاد عليها الرسول : لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك . فأبت ، وقالت : والله لا آتيه حتى يبعث إلي من يسحبني بقروني . قال : فقال الحجاج : أروني سبتي . فأخذ نعليه ، ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها ، فقال : كيف رأيتيني صنعت بعدو الله ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك ، بلغني أنك تقول : يابن ذات النطاقين ، أنا والله [ ص: 211 ] ذات النطاقين ، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر ، وأما الآخر فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه ، أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا ، فأما الكذاب فرأيناه ، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه . قال : فقام عنها ولم يراجعها . انفرد به مسلم .

وروى الواقدي أن الحجاج لما صلب ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه ، وطلبت منه أن يدفن ، فأبى عليها ، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك ، فكتب إليه أن يدفن ، فدفن بالحجون ، وذكروا أنه كان يشتم من عند قبره ريح المسك .

وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس ، وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف ، وروى محمد بن سعد وغيره بسنده أن الحجاج حاصر ابن الزبير ، وأنه اجتمع معه أربعون ألفا ، وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام الذي فيه عبد الله بن الزبير ، وأنه جعل يؤمن ، وأنه أمن من خرج إليه من أهل مكة ، ونادى فيهم بذلك ، وقال : إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير . وأنه خير ابن الزبير بين ثلاث ، إما أن يذهب في الأرض حيث شاء ، أو يبعثه إلى الشام مقيدا بالحديد ، أو يقاتل حتى يقتل . فشاور أمه في ذلك ، فأشارت عليه بالثالث فقط ، ويروى أنها استدعت بكفن له [ ص: 212 ] وبخرته وشجعته على القتل ، فخرج بهذه النية ، فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين قتالا شديدا ، فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض ، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر ، فاتكأ على مرفقه الأيسر وجعل يحذم بالسيف من جاءه ، فأقبل إليه رجل من أهل الشام ، فضربه فقطع رجليه ، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوا رأسه ، وكان مقتله قريبا من الحجون ، ويقال : بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، فالله أعلم . ثم صلبه الحجاج منكسا على ثنية كداء عند الحجون ، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم ، وقيل : دفن بالحجون بالمكان الذي صلب فيه ، فالله أعلم . وقيل : إن والدته أسماء غسلته بعدما تقطعت أوصاله ، وخيطته وكفنته ، وصلت عليه ، وحملته إلى المدينة ، فدفنته في دار صفية بنت حيي ، وأن هذه الدار زيدت في المسجد ، فهو مدفون في المسجد مع أبي بكر وعمر .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين قال : قال عبد الله بن الزبير لما جيء برأس المختار : ما كان يحدثنا كعب الأحبار شيئا إلا وجدناه إلا قوله : إن فتى ثقيف يقتلني ، وهذا رأسه بين يدي . قال ابن سيرين : ولم يشعر أنه قد خبئ له الحجاج . وروي هذا من وجه آخر .

[ ص: 213 ] قلت : والمشهور أن مقتل ابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين ، في يوم الثلاثاء سابع عشر من جمادى الأولى ، وقيل : الآخرة منها . وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنتين وسبعين ، والصحيح المشهور هو الأول ، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين ، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة ، وقيل : في شوال من سنة ثنتين من الهجرة ، فجاوز السبعين قطعا ، والله أعلم .

وأما أمه فإنها لم تعش بعده إلا مائة يوم ، وقيل : إنما عاشت بعده عشرة أيام . وقيل : خمسة . والأول هو المشهور ، وستأتي ترجمتها قريبا رضي الله عنها .

وكان له من الولد : خبيب وحمزة وعباد وثابت ، وأمهم تماضر بنت منظور الفزاري ، وهاشم وقيس وعروة - قتل مع أبيه - والزبير ، وأمهم أم هاشم بنت حلة بن منظور ، وعامر وموسى وأم حكيم وفاطمة وفاختة ، وأمهم جثيمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وبكر ورقية ، وأمهم عائشة بنت عثمان بن عفان ، وعبد الله ومصعب من أم ولد .

وقد أسند ثلاثة وثلاثين حديثا .

وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراث كثيرة حسنة بليغة ، رحمهما الله ، من ذلك قول عمرو بن معمر الذهلي يرثيهما بأبيات :

[ ص: 214 ]

لعمرك ما أبقيت في الناس حاجة     ولا كنت ملبوس الهدى متذبذبا
غداة دعاني مصعب فأجبته     وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا
أبوك حواري الرسول وسيفه     فأنت بحمد الله من خيرنا أبا
وذاك أخوك المهتدى بضيائه     بمكة يدعونا دعاء مثوبا
ولم أك ذا وجهين وجه لمصعب     مريض ووجه لابن مروان إذ صبا
وكنت امرأ ناصحته غير مؤثر     عليه ابن مروان ولا متقربا
إليه بما تقذى به عين مصعب     ولكنني ناصحت في الله مصعبا
إلى أن رمته الحادثات بسهمها     فلله سهما ما أسد وأصوبا
فإن يك هذا الدهر أودى بمصعب     وأصبح عبد الله شلوا ملحبا
فكل امرئ حاس من الموت جرعة     وإن حاد عنها جهده وتهيبا

وقد روى الطبراني ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دم محاجمه يهريقه ، فحساه ، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما صنعت يا عبد الله بالدم ؟ قلت : جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس . قال : فلعلك شربته ؟ قلت : نعم . قال : ومن أمرك أن تشرب الدم ؟ ويل لك من الناس ، وويل للناس منك .

[ ص: 215 ] ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عبد الله بن الزبير قائم في الدهليز ، ومعه طست يشرب منه ، فدخل سلمان ، ودخل عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : فرغت ؟ قال : نعم . قال سلمان : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها . قال سلمان : شربها ، والذي بعثك بالحق . قال : شربته ؟ قال : نعم . قال : لم ؟ قال : أحببت أن يكون دم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوفي . فقال بيده على رأس ابن الزبير ، وقال : ويل لك من الناس ، وويل للناس منك ، لا تمسك النار إلا تحلة القسم .

ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب ، وسلسلة من فضة ، وجامعة من فضة ، وأقسم لتأتيني فيها ، فقالوا له : بر قسم أمير المؤمنين . فقال :


ولا ألين لغير الحق أسأله     حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

ثم قال : والله لضربة بسيف بعز أحب إلي من ضربة بسوط في ذل . ثم دعا إلى نفسه ، وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية .

وروى الطبراني أن ابن الزبير دخل على أمه فقال : إن في الموت لراحة . وكانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم يسقط لها سن ، ولم يفسد لها بصر ، فقالت له : ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك ، إما أن تملك فتقر عيني ، وإما أن تقتل فأحتسبك . ثم خرج عنها ، وهو يقول :

[ ص: 216 ]

ولست بمبتاع الحياة بسبة     ولا مرتق من خشية الموت سلما

ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول : ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه ، فيدفع عن نفسه بيده كأنه امرأة ، والله ما لقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول ، وما ألمت جرحا إلا ألم الدواء ، ثم حمل عليهم ومعه سيفان ، فأول من لقيه الأسود ، فضربه بسيفه حتى أطن رجله ، فقال له الأسود : أخ يابن الزانية . فقال له ابن الزبير : اخسأ يابن حام ، أسماء زانية ؟ ! ثم أخرجهم من المسجد ، وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر ، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ، ففلقت رأسه ، فوقف قائما وهو يقول :


لو كان قرني واحدا كفيته

ويقول :


ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما

ثم وقع ، فأكب عليه موليان له ، وهما يقولان :

[ ص: 217 ]

العبد يحمي ربه ويحتمي

ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه .

وروى الطبراني أيضا ، عن إسحاق بن أبي إسحاق قال : أنا حاضر مقتل عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام ، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد ، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم ، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد ، فوقعت على رأسه فصرعته ، وهو يتمثل بهذه الأبيات :


أسماء يا أسماء لا تبكيني     لم يبق إلا حسبي وديني
وصارم لانت به يميني

وقد روي أن أمه قالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال الحجاج : ابنك المنافق ؟ فقالت : والله ما كان منافقا ، إن كان لصواما قواما وصولا للرحم . فقال : انصرفي يا عجوز ، فإنك قد خرفت . فقالت : والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير فأنت .

وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير ، فوقف فترحم عليه ، [ ص: 218 ] وأثنى عليه ، ثم التفت إلي وقال : أخبرني أبو بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يعمل سوءا يجز به .

وروى سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، قال : ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس فقال : كان عفيفا في الإسلام ، قارئا للقرآن ، صواما قواما ، أبوه الزبير ، وأمه أسماء ، وجده أبو بكر ، وعمته خديجة ، وجدته صفية ، وخالته عائشة ، والله لأحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لأبي بكر ولا لعمر .

وقال الطبراني : حدثنا زكريا الساجي ، ثنا حوثرة بن محمد ، ثنا أبو أسامة ، ثنا سعيد بن المرزبان أبو سعيد العبسي ، ثنا محمد بن عبد الله الثقفي قال : شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم ، خرج علينا قبل التروية بيوم وهو محرم ، فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط ، ثم حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودا إلى الله عز وجل ، فحق على الله أن يكرم وفده ، فمن كان منكم يطلب ما عند الله فإن طالب ما عند الله لا يخيب ، فصدقوا قولكم بفعل ، فإن ملاك القول الفعل ، والنية النية ، والقلوب القلوب ، الله الله في أيامكم هذه ; فإنها أيام تغفر فيها الذنوب ، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ، ولا طلب مال ، ولا دنيا ترجونها هاهنا . ثم لبى ولبى الناس ، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ .

[ ص: 219 ] وروى الحسن بن سفيان قال : ثنا حبان بن موسى ، ثنا عبد الله بن المبارك ، ثنا مالك بن أنس ، عن وهب بن كيسان قال : كتب إلى عبد الله بن الزبير بموعظة : أما بعد ، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ، ويعرفونها من أنفسهم : صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وكظم الغيظ ، وصبر على البلاء ، ورضا بالقضاء ، وشكر للنعماء ، وذل لحكم القرآن ، وإنما الإمام كالسوق ; ما نفق فيها حمل إليها ، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهله ، وإن نفق الباطل عنده حمل إليه وجاءه أهله .

وقال أبو معاوية : ثنا هشام بن عروة ، عن وهب بن كيسان قال : ما رأيت ابن الزبير يعطي سلمه قط لرغبة ولا لرهبة سلطان ولا غيره .

وبهذه الإسنادات أهل الشام كانوا يعيرون ابن الزبير ويقولون له : يابن ذات النطاقين . فقالت له أسماء : يا بني ، إنهم يعيرونك بالنطاقين ، وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين ; فجعلت في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما ، وأوكيت قربته بالآخر لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة . فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيروه بالنطاقين يقول : إيها والله :

[ ص: 220 ]

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

والله سبحانه وتعالى أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة