التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 318 ] عبد الله بن كثير

ابن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان ، بن هرمز الإمام العلم مقرئ مكة ، وأحد القراء السبعة أبو معبد الكناني الداري المكي مولى عمرو بن علقمة الكناني . وقيل : يكنى أبا عباد ، وقيل : أبا بكر ، فارسي الأصل . وكان داريا وهو العطار وقد وهم البخاري ، فقال : إنه من بني عبد الدار .

وقال ابن أبي داود : هو من قوم تميم الداري ، والدار : بطن من لخم أبوهم الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم من أدد بن سبأ . وكذا تابعه الدارقطني فوهما .

وقال الأصمعي : الذي لا يبرح من داره هو الداري ، فلا يطلب معاشا ، وعنه قال : كان ابن كثير عطارا ، قلت : هذا الحق ، واشتراك الأنساب لا يبطل ذلك . وكان من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى إلى صنعاء اليمن ، فطردوا عنها الحبشة .

قيل : قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي ، وذلك محتمل ، والمشهور تلاوته على مجاهد ودرباس مولى ابن عباس . تلا عليه أبو عمرو بن العلاء ، ومعروف بن مشكان ، وإسماعيل بن قسطنطين وعدة . وقد حدث عن ابن الزبير ، وأبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم ، وعكرمة ، ومجاهد وغيرهم . وهو قليل الحديث . روى عنه أيوب ، وابن جريج ، وإسماعيل بن أمية ، وزمعة بن صالح ، [ ص: 319 ] وعمر بن حبيب المكي ، وليث بن أبي سليم ، وعبد الله بن عثمان بن خثيم ، وجرير بن حازم ، وحسين بن واقد ، وعبد الله بن أبي نجيح ، وحماد بن سلمة وآخرون .

وثقه علي بن المديني وغيره . وكان رجلا مهيبا طويلا أبيض اللحية جسيما أسمر ، أشهل العينين ، تعلوه سكينة ووقار ، وكان فصيحا مفوها واعظا كبير الشأن . يقال : إن ابن عيينة أدركه ، وسمع منه ، ولم يصح ، إنما شهد جنازته . وقد وثقه النسائي أيضا ، وعاش خمسا وسبعين سنة . مات سنة عشرين ومائة قال ابن عيينة : رأيته يخضب بالصفرة ، ويقص للجماعة .

أخبرنا إسحاق بن أبي بكر ، أنبأنا ابن خليل ، أنبأنا علي بن قادشاه ، أنبأنا أبو علي المقرئ ، أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن ابن الزبير ، قال : كانت بنو إسرائيل إذا بلغوا ذا طوى ، نزعوا نعالهم . عن ابن عيينة ، قال : كان ابن كثير يبيع العطر قديما ، وقال شبل بن عباد : ولد ابن كثير بمكة سنة 48 ومات سنة عشرين ومائة .

قال ابن سعد : كان ابن كثير المقرئ ثقة ، له أحاديث صالحة ، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة .

وقال البخاري في " تاريخه " حدثنا الحميدي ، عن ابن عيينة ، سمعت مطرفا بمكة في جنازة عبد الله بن كثير ، وأنا غلام سنة عشرين ، قال : سمعت الحسن ، ثم قال : وقال علي : قيل لابن عيينة : رأيت عبد الله بن كثير ؟ قال : رأيته سنة اثنتين وعشرين ومائة ، أسمع قصصه وأنا غلام ، كان قاص الجماعة .

قلت : فهذان قولان لابن عيينة . فإما شك ، وإما عنى بأن الذي مات سنة عشرين هو عبد الله بن المطلب السهمي الذي خرج له مسلم في الجنائز من طريق ابن جريج عنه وهذا أشبه .

[ ص: 320 ] وقال أبو علي الغساني : حديث السلف يرويه ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم ، عن ابن عباس ، ثم قال : فقال أبو الحسن القابسي وغيره : هو ابن كثير القارئ ، ثم قال : وهذا ليس بصحيح ، بل هو ابن كثير بن المطلب السهمي . كذا نسبه الكلاباذي وهو أخو كثير بن كثير ، لا شيء له في الصحيح سوى حديث السلم عن صحيح البخاري ، وكذا ذكر الدارقطني والحاكم وغيرهما عبد الله بن كثير بن المطلب في رجال " الصحيحين " وذكره البخاري في " تاريخه " لكنه وهم في نسبته إلى بني عبد الدار .

وقال أبو نعيم الحافظ : عبد الله بن كثير القارئ الداري مولى بني عبد الدار .

قال ابن المديني : قد روى عن الداري أيوب وابن جريج ، وكان ثقة . حجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة : رأيت أبا عمرو بن العلاء يقرأ على عبد الله بن كثير .

قال ابن عيينة : لم يكن بمكة أحد أقرأ من حميد بن قيس ، وعبد الله بن كثير .

وقال جرير بن حازم : رأيت عبد الله بن كثير فصيحا بالقرآن . وذكر الداني أن ابن كثير أخذ القراءة عن عبد الله بن السائب .

ابن مجاهد : حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، عن سفيان ، حدثنا قاسم الرحال في جنازة عبد الله بن كثير ، يعني في سنة عشرين أنبأنا عبد الرحمن بن محمد ، والمسلم بن علان ، قالا : أنبأنا حنبل ، أنبأنا [ ص: 321 ] هبة الله ، أنبأنا ابن المذهب ، أنبأنا أبو بكر القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس : قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ، والناس يسلفون في التمر العام والعامين ، أو قال : عامين وثلاثة ، فقال : من سلف في تمر ، فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم أخرجوه ستتهم . عن رجالهم من حديث ابن أبي نجيح . فترددنا في ابن كثير هذا ، هل هو الداري أو السهمي ، واختلف العلماء قبلنا فيه ، وفي رجال مسلم للدارقطني ذكر السهمي فقط ، وذكر في رجال البخاري عبد الله بن كثير المكي فقط وكل منهما مكي ، والذي علم بالتأمل ، أن الداري رجل كبير شهير ، وأن السهمي لا يكاد يعرف إلا بحديث واحد في صحيح مسلم ، وهو معلل في استغفاره -صلى الله عليه وسلم- لأهل البقيع ، تفرد به ابن وهب ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير بن المطلب ، عن محمد بن قيس بن مخرمة ، عن عائشة في خروجه عليه السلام ليلا ، واستغفاره لهم ، وهو من الموافقات العالية في فوائد الإخميمي ، ثم قال مسلم في عقبه : وحدثني من سمع حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن عبد الله رجل من قريش ، عن محمد بن قيس بهذا .

قال الدارقطني : هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة . قلت : المطلب هذا هو ابن الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي . ولعبد الله إخوة : كثير ، وجعفر ، وسعيد ، وليسوا بالمشهورين .

[ ص: 322 ] وقال النسائي ، عن يوسف بن مسلم ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن محمد بن قيس ، ثم قال النسائي : حجاج في ابن جريج عندنا أثبت من ابن وهب .

قلت : ما اختلفا فيه ، وإنما ابن مسلم زاد من عنده إيضاحا بحسب ظنه فقال بعد عبد الله : ابن أبي مليكة . فهذا ما عندنا من ذكر السهمي ، ولم نتيقن له رواية حديث سوى هذا . وأما حديث السلف ، فمتجاذب بينه وبين الداري ، فليلتمس مرجح لأحدهما والله أعلم .

وأما الكلاباذي ، فقال في رجال البخاري : عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي العبدري المكي القاص حدث عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم ، روى عنه ابن أبي نجيح في أول السلم ، فهذا كما ترى : جعل ابن كثير بن المطلب عبدريا ، وإنما هو سهمي ، وجعله القاص ، وإنما القاص الداري القارئ ، وكذا قال البخاري في ابن المطلب : إنه من بني عبد الدار بن قصي . وما ذكر في تاريخه سواه ، وما ذكر ابن أبي حاتم سواه ، إلا ابن كثير الطويل الدمشقي .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة