مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

علوم القرآن

الإتقان في علوم القرآن

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1419هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

مسألة: الجزء الأول
ضوابط في المكي والمدني .

أخرج الحاكم في مستدركه ، والبيهقي في الدلائل ، والبزار في مسنده : من طريق الأعمش ، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : ما كان " يا أيها الذين آمنوا " أنزل بالمدينة ، وما كان " يا أيها الناس " فبمكة .

وأخرجه أبو عبيد في " الفضائل " عن علقمة مرسلا .

وأخرج عن ميمون بن مهران ، قال : ما كان في القرآن ( ياأيها الناس ) أو ( يابني آدم فإنه مكي ، وما كان " ياأيها الذين آمنوا " فإنه مدني .

قال ابن عطية وابن الفرس وغيرهما : هو في ( ياأيها الذين آمنوا ) صحيح ، وأما ( ياأيها الناس ) فقد يأتي في المدني .

وقال ابن الحصار : وقد اعتنى المتشاغلون بالنسخ بهذا الحديث ، واعتمدوه على ضعفه ، وقد اتفق الناس على أن ( النساء ) مدنية ، وأولها : ( ياأيها الناس ) وعلى أن ( الحج ) مكية ; وفيها : ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا [ الحج : 77 ] .

وقال غيره : هذا القول إن أخذ على إطلاقه فيه نظر ، فإن سورة البقرة مدنية ، وفيها ياأيها الناس اعبدوا ربكم [ البقرة : 21 ] ياأيها الناس كلوا مما في الأرض [ البقرة : 168 ] وسورة النساء مدنية ، وأولها : يا أيها الناس .

[ ص: 82 ] وقال مكي : هذا إنما هو في الأكثر وليس بعام وفي كثير من السور المكية : يا أيها الذين آمنوا .

وقال غيره : الأقرب حمله على أنه خطاب ، المقصود به - أو جل المقصود به - أهل مكة أو المدينة .

وقال القاضي : إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف ، إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم وباسمهم وجنسهم . ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها . نقله الإمام فخر الدين في تفسيره .

وأخرج البيهقي في الدلائل ، من طريق يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : كل شيء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون فإنما نزل بمكة وما كان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة .

وقال الجعبري : لمعرفة المكي والمدني طريقان : سماعي وقياسي .

فالسماعي : ما وصل إلينا نزوله بأحدهما .

والقياسي : كل سورة فيها ( ياأيها الناس ) فقط ، أو ( كلا ) أو : أولها حرف تهج - سوى الزهراوين والرعد - أو : فيها قصة آدم وإبليس - سوى البقرة - فهي مكية ، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية ، وكل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية . انتهى .

وقال مكي : كل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية ، زاد غيره : سوى العنكبوت .

وفي كامل الهذلي : كل سورة فيها سجدة فهي مكية .

وقال الديريني - رحمه الله - :


وما نزلت ( كلا ) بيثرب فاعلمن ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى



وحكمة ذلك : أن نصفه الأخير نزل أكثره بمكة ، وأكثرها جبابرة ، فتكررت فيه على وجه [ ص: 83 ] التهديد والتعنيف لهم ، والإنكار عليهم ، بخلاف النصف الأول . وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم ; ذكره العماني .

فائدة : أخرج الطبراني ، عن ابن مسعود : نزل المفصل بمكة ، فمكثنا حججا نقرؤه ، لا ينزل غيره .

تنبيه : قد تبين بما ذكرناه من الأوجه التي ذكرها ابن حبيب : المكي والمدني ، وما اختلف فيه ، وترتيب نزول ذلك ، والآيات المدنيات في السور المكية والآيات المكيات في السور المدنية ، وبقي أوجه تتعلق بهذا النوع ذكر هو أمثلتها فنذكره .

مثال ما نزل بمكة وحكمه مدني : ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى [ الحجرات : 13 ] الآية نزلت بمكة يوم الفتح ، وهي مدنية ; لأنها نزلت بعد الهجرة . وقوله اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : 3 ] كذلك .

قلت : وكذا قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ النساء : 58 ] في آيات أخر .

ومثال ما نزل بالمدينة وحكمه مكي : سورة الممتحنة ; فإنها نزلت بالمدينة مخاطبة لأهل مكة .

وقوله في النحل : والذين هاجروا [ النحل : 41 ] إلى آخرها ، نزل بالمدينة مخاطبا به أهل مكة .

وصدر براءة ، نزل بالمدينة خطابا لمشركي أهل مكة .

ومثال ما يشبه تنزيل المدني في السور المكية : قوله في النجم : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم .

[ ص: 84 ] [ النجم : 32 ] . فإن الفواحش كل ذنب فيه حد ، والكبائر كل ذنب عاقبته النار ، واللمم ما بين الحدين من الذنوب . ولم يكن بمكة حد ، ولا نحوه .

ومثال ما يشبه تنزيل مكة في السور المدنية : قوله : ( والعاديات ضبحا ) وقوله في الأنفال : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق الآية [ الأنفال : 32 ] .

ومثال ما حمل من مكة إلى المدينة : سورة يوسف ، والإخلاص .

قلت : و ( سبح ) ، كما تقدم في حديث البخاري .

ومثال ما حمل من المدينة إلى مكة : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه [ البقرة : 217 ] وآية الربا ، وصدر براءة ، وقوله : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [ النساء : 97 ] الآيات .

ومثال ما حمل إلى الحبشة : قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء [ آل عمران : 64 ] الآيات .

قلت : صح حملها إلى الروم .

وينبغي أن يمثل لما حمل إلى الحبشة بسورة مريم ، فقد صح أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النجاشي ، وأخرجه أحمد في مسنده .

وأما ما أنزل بالجحفة والطائف وبيت المقدس والحديبية ; فسيأتي في النوع الذي يلي هذا ، ويضم إليه ما نزل بمنى وعرفات وعسفان وتبوك وبدر وأحد وحراء وحمراء الأسد .

السابق

|

| من 1

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة