التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » الكامل في التاريخ » ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين

مسألة: الجزء الرابع
[ ص: 35 ] 92

ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين

في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ، ففتح حصونا ثلاثة ، وجلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم .

ذكر فتح الأندلس

وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا ، فلقي ملك الأندلس ، واسمه أذرينوق ، وكان من أهل أصبهان ، وهم ملوك عجم الأندلس ، فزحف له طارق بجميع من معه ، وزحف الأذرينوق وعليه تاجه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل الأذرينوق ، وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين .

هذا جميعه ذكره أبو جعفر في فتح الأندلس ، وبمثل ذلك الإقليم العظيم والفتح المبين لا يقتصر فيه على هذا القدر ، وأنا أذكر فتحها على وجه أتم من هذا إن شاء الله تعالى ، من تصانيف أهلها ، إذ هم أعلم ببلادهم .

قالوا : أول من سكنها قوم يعرفون بالأندلش ، بشين معجمة ، فسمي البلد بهم ، ثم عرب بعد ذلك بسين مهملة ، والنصارى يسمون الأندلس أشبانية ، باسم رجل صلب فيها يقال له : أشبانس ، وقيل : باسم ملك كان بها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطس ، وهذا هو اسمها عند بطليموس . وقيل : سميت بأندلس بن يافث بن نوح وهو أول من عمرها .

قيل : أول من سكن الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس ، فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا ، وكانوا مجوسا ، ثم حبس الله عنهم المطر ، وتوالى عليهم القحط ، [ ص: 36 ] فهلك أكثرهم ، وفر منها من أطاق الفرار ، فخلت الأندلس مائة سنة ، ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة ، فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية تخففا منهم لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفني أهلها ، فحملهم في السفن مع أمير من عنده فأرسوا بجزيرة قادس ، ورأوا الأندلس قد أخصبت بلادها ، وجرت أنهارها ، فسكنوها ، وعمروها ، ونصبوا لهم ملوكا يضبطون أمرهم ، وهم على دين من قبلهم ، وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية بنوها وسكنوها ، وأقاموا مدة تزيد على مائة وخمسين سنة ، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا .

ثم أرسل الله عليهم عجم رومة ، وملكهم إشبان بن طيطس ، فغزاهم ومزقهم وقتل فيهم ، وحاصرهم بطالقة وقد تحصنوا فيها فابتنى عليهم إشبانية ، وهي إشبيلية ، واتخذها دار مملكته ، وكثرت جموعه وعتا وتجبر ، وغزا بيت المقدس فغنم ما فيه وقتل فيه مائة ألف ، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها ، وغنم أيضا مائدة سليمانبن داود ، عليه السلام ، وهي التي غنمها طارق من طليطلة لما افتتحها ، وغنم أيضا قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة .

وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر وهو يحرث الأرض فقال له : يا إشبان سوف تحظى وتملك وتعلو ، فإذا ملكت إيلياء فارفق بذرية الأنبياء . فقال : أتسخر مني ؟ كيف ينال مثلي الملك ؟ فقال : قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى . فنظر فإذا هي قد أورقت ، فارتاع وذهب عنه الخضر ، وقد وثق إشبان بقوله ، فداخل الناس ، فارتقى حتى ملك ملكا عظيما ، وكان ملكه عشرين سنة ، ودام ملك الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا .

ثم دخل عليهم من عجم رومة أمة يدعون البشنوليات ، وملكهم طويش بن نيطه ، وذلك حين بعث الله المسيح ، فغلبوا عليها ، واستولوا على ملكها ، وكانت مدينة ماردة دار مملكتهم ، وملك منهم سبعة وعشرون ملكا .

ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم ، فغلبوا على الأندلس فاقتطعوها من يومئذ [ ص: 37 ] عن صاحب رومة ، وكان ابتداء ظهورهم من ناحية إيطالية شرق الأندلس ، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية ، وذلك في أيام قليوذيوس قيصر ، ثالث القياصرة ، فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم ، ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر وأعادوا الغارة ، فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له ، وانقطع خبرهم إلى ثلث دولة قيصر ، فإنهم قدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق ، وكان يعبد الأوثان ، فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه ، فظهر منه سوء سيرته ، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه ، فاستعان بصاحبرومة فبعث إليه جيشا ، فهزم أخاه ، ودان بدين النصارى ، وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة ، ثم ولي بعده إقريط ، وبعده إملريق ، وبعده وغديش ، وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان ، فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة ، فسير إليه ملك الروم جيشا ، فهزموه وقتلوه .

ثم بعده الريق ، وكان زنديقا شجاعا ، فسار ليأخذ بثأر وغديش ومن قتل معه ، ونازل رومية وحاصرها ، وضيق على أهلها ، ودخلها عنوة وغنم أموالهم ، ثم جمع أسطول البحر وسار إلى صقلية ليفتحها ويغنم ما فيها ، فغرق أكثر أصحابه في البحر ، وهو فيمن غرق .

ثم ملك بعده أطلوف ست سنين ، وخرج عن بلد إيطالية ، وأقام ببلد غاليس مجاورا أقصى الأندلس ، ثم انتقل منها إلى برشلونة .

ثم بعده أخوه ثلاث سنين ، ثم بعده واليا ، ثم بوردزاريش ثلاثا وثلاثين سنة ، ثم ابنه طرشمند ، ثم بعده أخوه لذريق ثلاث عشرة سنة ، ثم بعده أوريق سبع عشرة سنة ، ثم بعده الريق بطلوشة ثلاثا وعشرين سنة ، ثم عشليق ، ثم أمليق سنتين ، ثم توذيوش [ ص: 38 ] سبع عشرة سنة وخمسة أشهر ، ثم بعده طودتقليس سنة وثلاثة أشهر ، ثم بعده أثلة خمس سنين ، ثم بعده أطلنجه خمس عشرة سنة ، ثم بعده ليوبا ثلاث سنين ، ثم بعده أخوه لويلد ، وهو أول من اتخذ طليطلة دار ملك ، ونزلها ليكون متوسطا لملكه ليحارب من خرج عن طاعته عن قريب ، فلم يزل يحارب من خرج عن طاعته حتى احتوى على جميع الأندلس ، وبنى مدينة رقوبل وأتقنها وأكثر بساتينها ، وهو على القرب من طليطلة ، وسماها باسم ولده ، وغزا بلاد البشقنس حتى أذلهم ، وخطب إلى ملك الفرنج ابنته لولده أرمنجلد ، فزوجه وأسكنه إشبيلية ، فحسنت له عصيان والده ، ففعل ، فسار إليه أبوه وحصرهما وضيق عليه ، وطال مقامه إلى أن أخذه عنوة ، وسجنه إلى أن مات .

ثم ملك بعد لويلد ابنه ركرد ، وكان حسن السيرة ، فجمع الأساقفة وغير سيرة أبيه وسلم البلاد إليهم ، وكانوا نحو ثمانين أسقفا ، وكان تقيا عفيفا قد لبس ثياب الرهبان ، وهو الذي بنى الكنيسة المعروفة بالوزقة بإزاء مدينة وادي آش . ثم بعده ابنه ليوبا فسار كسيرة أبيه ، فاغتاله رجل من القوط يقال له بتريق ، فقتله ، وملك بعده بتريق هذا بغير رضا أهل الأندلس ، وكان مجرما طاغيا فاسقا ، فثار عليه رجل من خاصته فقتله .

( ثم ملك من بعده غندمار سنتين ) ، ثم ملك بعده سيسيفوط ، وكانت ولايته تسع سنين ، وكان حسن السيرة ، ثم بعده ابنه ركريد ، وكان صغيرا عمره ثلاثة أشهر ، ومات ، ثم ملك شنتله ، وكان ملكه عند البعث ، وكان مشكورا ، ثم بعده سشنند خمس سنين ، ثم بعده خنتلة ستة أعوام ، ثم بعده ( خندس أربعة أعوام ، ثم [ ص: 39 ] بعده بنبان ثمانية أعوام ، ثم بعده ) أروى سبع سنين .

وكان في دولته قحط شديد حتى كادت بلاد الأندلس تخرب لشدة الجوع .

ثم بعده أبقة خمس عشرة سنة ، وكان جائرا مذموما ، ثم ملك بعده ابنه غيطشة ، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة ، وكان حسن السيرة لين العريكة وأطلق كل محبوس كان في سجن أبيه ، وأدى الأموال إلى أربابها .

ثم توفي وخلف ولدين ، فلم يرض بهما أهل الأندلس ، وتراضوا برجل يقال له رذريق ، وكان شجاعا وليس من بيت الملك ، وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك ، لا يخدمه غيرهم يتأدبون بذلك ، فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا وتولى تجهيزهم ، فلما ولي رذريق أرسل إليه يوليان ، وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما ، ابنة له ، فاستحسنها رذريق وافتضها ، فكتبت إلى أبيها ، فأغضبه ذلك ، فكتب إلى موسى بن نصير عامل الوليد بن عبد الملك على إفريقية بالطاعة ، واستدعاه إليه ، فسار إليه فأدخله يوليان مدائنه ، وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به ، ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها ، وذلك آخر سنة تسعين .

فكتب موسى إلى الوليد بما فتح الله عليه وما دعاه إليه يوليان . فكتب إليه الوليد : خضها بالسرايا ، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال . فكتب إليه موسى : إنه ليس ببحر متسع ، وإنما هو خليج يبين ما وراءه . فكتب إليه الوليد أن اختبرها بالسرايا ، وإن كان الأمر على ما حكيت .

فبعث رجلا من مواليه يقال له طريف في أربعمائة رجل ومعهم مائة فرس ، فسار في أربع سفائن ، فخرج في جزيرة بالأندلس ، فسميت جزيرة طريف لنزوله فيها ، ثم أغار على الجزيرة الخضراء ، فأصاب غنيمة كثيرة ، ورجع سالما في رمضان سنة إحدى وتسعين . فلما رأى الناس ذلك تسرعوا إلى الغزو .

ثم إن موسى دعا مولى له كان على مقدمات جيوشه يقال له طارق بن زياد ، فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم العرب ، فساروا في البحر ، وقصد إلى جبل منيف ، وهو متصل بالبر فنزله ، فسمي الجبل جبل طارق إلى اليوم ، ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح ، فلم يثبت له هذا الاسم وجرت الألسنة على الأول .

[ ص: 40 ] وكان حلول طارق فيه في رجب سنة اثنتين وتسعين من الهجرة . ولما ركب طارق البحر غلبته عينه ، فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا طارق تقدم لشأنك . وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد ، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه ، فاستيقظ من نومه مستبشرا ، وبشر أصحابه ، وقويت نفسه ، ولم يشك في الظفر .

فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء ، وفتح الجزيرة الخضراء ، فأصاب بها عجوزا ، فقالت له : إني كان لي زوج ، وكان عالما بالحوادث ، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم فيغلب عليه ، ووصف من نعته أنه ضخم الهامة ، وأن في كتفه اليسرى شامة عليها شعر ، فكشف طارق ثوبه ، فإذا الشامة كما ذكرت ، فاستبشر طارق أيضا هو ومن معه . ونزل من الجبل إلى الصحراء ، وافتتح الجزيرة الخضراء وغيرها ، وفارق الحصن الذي في الجبل .

ولما بلغ رذريق غزو طارق بلاده عظم ذلك عليه ، وكان غائبا في غزاته ، فرجع منها وطارق قد دخل بلاده ، فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف ، فلما بلغ طارقا الخبر كتب إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح ، وأنه زحف إليه ملك الأندلس بما لا طاقة له به . فبعث إليه بخمسة آلاف ، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفا ، ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد ، ويتجسس لهم الأخبار . فأتاهم رذريق في جنده ، فالتقوا على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة اثنتين وتسعين ، واتصلت الحرب ثمانية أيام ، وكان على ميمنته وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك ، واتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق ، وقالوا : إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا . فانهزموا وهزم الله رذريق ومن معه ، وغرق رذريق في النهر ، وسار طارق إلى مدينة إستجة متبعا لهم ، فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير ، فقاتلوه قتالا شديدا ، ثم انهزم أهل الأندلس ، ولم يلق المسلمون بعدها حربا مثلها . ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال ، فسميت عين طارق إلى الآن .

[ ص: 41 ] ولما سمعت القوط بهاتين الهزيمتين قذف الله في قلوبهم الرعب ، وكانوا يظنون أنه يفعل فعل طريف ، فهربوا إلى طليطلة ، وكان قد أوهمهم أنه يأكلهم هو ومن معه . فلما دخلوا طليطلة ، وأخلوا مدائن الأندلس قال له يوليان : قد فرغت من الأندلس ، ففرق جيوشك وسر أنت إلى طليطلة . ففرق جيوشه من مدينة إستجة ، وبعث جيشا إلى قرطبة ، وجيشا إلى غرناطة ، وجيشا إلى مالقة ، وجيشا إلى تدمير ، وسار هو ومعظم الجيش إلى جيان يريد طليطلة . فلما بلغ طليطلة وجدها خالية ، وقد لحق من كان بها بمدينة خلف الجبل يقال لها : ماية .

فأما الجيش الذي سار إلى قرطبة فإنهم دلهم راع على ثغرة في سورها ، فدخلوا منها البلد وملكوه .

وأما الذين قصدوا تدمير فلقيهم صاحبها ، واسمه تدمير وبه سميت ، وكان اسمها أرويولة ، وكان معه جيش كثيف ، فقاتلهم قتالا شديدا ، ثم انهزم فقتل من أصحابه خلق كثير ، فأمر تدمير النساء ، فلبسن السلاح ، ثم صالح المسلمين عليها ، وفتح سائر الجيوش ما قصدوا إليه من البلاد .

وأما طارق ، فلما رأى طليطلة فارغة ضم إليها اليهود ، وترك معهم رجالا من أصحابه ، وسار هو إلى وادي الحجارة ، فقطع الجبل من فج فيه ، فسمي بفج طارق إلى اليوم . وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة ، وفيها وجد مائدة سليمان بن داود ، عليه السلام ، وهي من زبرجد خضر ، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك ، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا . ثم مضى إلى مدينة ماية ، فغنم منها ورجع إلى طليطلة في سنة ثلاث وتسعين .

وقيل : اقتحم أرض جليقية ، فخرقها حتى انتهى إلى مدينة إسترقة ، وانصرف إلى طليطلة ، ووافته جيوشه التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدن التي سيرهم إليها .

ودخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير ، وكان قد بلغه ما صنع طارق فحسده ، فلما عبر إلى الأندلس ونزل الجزيرة الخضراء قيل له : تسلك طريق طارق ، فأبى ، فقال له الأدلاء : نحن ندلك على طريق أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد ، ووعده يوليان بفتح عظيم ، فسر بذلك ، وكان قد غمه .

[ ص: 42 ] فساروا به إلى مدينة ابن السليم فافتتحها عنوة ، ثم سار إلى مدينة قرمونة ، وهي أحصن مدن الأندلس ، فقدم إليها يوليان وخاصته ، فأتوهم على حال المنهزمين معهم السلاح ، فأدخلوهم مدينتهم ، فأرسل موسى إليهم الخيل ، ففتحوها لهم ليلا ، فدخلها المسلمون وملكوها ، ثم سار موسى إلى إشبيلية ، وهي من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأعزها آثارا ، فحصرها أشهرا ، وفتحها وهرب من بها ، فأنزلها موسى اليهود ، وسار إلى مدينة ماردة فحصرها ، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه قتالا شديدا ، فكمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر ، فلم يرهم الكفار ، فلما أصبحوا زحف إليهم ، فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم ، فخرجوا عليهم من الكمين وأحدقوا بهم ، وحالوا بينهم وبين البلد ، وقتلوهم قتلا ذريعا ، ونجا من نجا منهم ، فدخل المدينة ، وكانت حصينة ، فحصرهم بها أشهرا ، وقاتلهم ، وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها ، فخرج أهلها على المسلمين ، فقتلوهم عند البرج ، فسمي برج الشهداء إلى اليوم ، ثم افتتحها آخر رمضان سنة أربع وتسعين يوم الفطر صلحا على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين .

ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها ، فقتلوا من بها من المسلمين ، فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش ، فحصرها وملكها عنوة ، وقتل من بها من أهلها ، وسار عنها إلى لبلة وباجة ، فملكها ، وعاد إلى إشبيلية .

وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليطلة ، فخرج طارق إليه فلقيه ، فلما أبصره نزل إليه ، فضربه موسى بالسوط على رأسه ، ووبخه على ما كان من خلافه ، ثم سار به إلى مدينة طليطلة ، فطلب منه ما غنم والمائدة أيضا ، فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها ، فسأله عنها ، فقال : لا علم لي ، كذلك وجدتها ، فعمل عوضها من ذهب .

وسار موسى إلى سرقسطة ومدائنها ، فافتتحها وأوغل في بلاد الفرنج ، فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار ، فأصاب فيها صنما قائما فيه مكتوب بالنقر : يا بني إسماعيل إلى هاهنا منتهاكم فارجعوا ، وإن سألتم إلى ماذا ترجعون أخبرتكم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم ، حتى يضرب بعضكم أعناق بعض ، وقد فعلتم .

فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه ، [ ص: 43 ] فساءه ذلك ومطل الرسول ، وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم ، يقتل ، ويسبي ، ويهدم الكنائس ، ويكسر النواقيس ، حتى بلغ صخرة بلاي على البحر الأخضر ، وهو في قوة وظهور ، فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه ، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه ، وكان موافاة الرسول بمدينة لك بجليقية ، وخرج على الفج المعروف بفج موسى ، ووافاه طارق من الثغر الأعلى ، فأقفله معه ومضيا جميعا .

واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى ، فلما عبر البحر إلى سبته استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك ، واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله ، وسار إلى الشام ، وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة ، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم ، ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى ، فورد الشام ، وقد مات الوليد بن عبد الملك ، واستخلف سليمان بن عبد الملك ، وكان منحرفا عن موسى بن نصير ، فعزله عن جميع أعماله ، وأقصاه وحبسه وأغرمه حتى احتاج أن يسأل العرب في معونته .

وقيل : إنه قدم الشام والوليد حي ، وكان قد كتب إليه وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس ، وأخبره خبر المائدة ، فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة ، ومعه طارق ، فقال طارق : أنا غنمتها . فكذبه موسى . فقال طارق للوليد : سله عن رجلها المعدومة . فسأله عنها ، فلم يكن عنده منها علم ، فأظهرها طارق ، وذكر أنه أخفاها لهذا السبب . فعلم الوليد صدق طارق ، وإنما فعل هذا لأنه كان حبسه وضربه حتى أرسل الوليد فأخرجه ، وقيل : لم يحبسه .

قالوا : ولما دخلت الروم بلاد الأندلس كان في مملكتهم بيت إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلا ، فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم ، فلما ملك رذريق أراد فتح الأقفال ، فنهاه أكابر أهل البلاد عن ذلك ، فلم يقبل منهم ، وفتح الأقفال ، فرأى في البيت صور العرب وعليهم العمائم الحمر على خيول شهب ، وفيه كتاب : إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد . ففتحت الأندلس تلك السنة .

فهذا القدر كاف في فتح الأندلس ، ونذكر باقي أخبار الأندلس عند أوقات حدوثها على ما شرطنا إن شاء الله تعالى .

السابق

|

| من 6

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة