الفقه المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي

دار ابن حزم

سنة النشر: 1420هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزء واحد

مسألة: الجزء الأول
ميراث الجدات

وأجمعوا على أن للجدة أم الأم السدس مع عدم الأم ، وأن للجدة أيضا أم الأب عند فقد الأب السدس ، فإن اجتمعا كان السدس بينهما .

واختلفوا فيما سوى ذلك ، فذهب زيد وأهل المدينة إلى أن الجدة أم الأم يفرض لها السدس فريضة ، فإذا اجتمعت الجدتان كان السدس بينهما إذا كان قعددهما سواء ، أو كانت أم الأب أقعد ، فإن كانت أم الأم أقعد ( أي : أقرب إلى الميت ) كان لها السدس ، ولم يكن للجدة أم الأب شيء ، وقد روي عنه أيهما أقعد كان لها السدس ، وبه قال علي - رضي الله عنه - ، ومن فقهاء الأمصار أبو حنيفة ، والثوري وأبو ثور ، وهؤلاء ليس يورثون إلا هاتين الجدتين المجتمع على توريثهما .

وكان الأوزاعي ، وأحمد يورثان ثلاث جدات : واحدة من قبل الأم واثنتان من قبل الأب : أم الأب ، وأم أبي الأب ( أعني : الجد ) .

وكان ابن مسعود يورث أربع جدات : أم الأم ، وأم الأب ، وأم أبي الأب ( أعني : الجد ) ، وأم أبي الأم ( أعني : الجد ) ، وبه قال الحسن ، وابن سيرين .

وكان ابن مسعود يشرك بين الجدات في السدس دنياهن وقصواهن ما لم تكن تحجبها بنتها أو بنت بنتها . وقد روي عنه أنه كان يسقط القصوى بالدنيا إذا كانتا من جهة واحدة .

وروي عن ابن عباس أن الجدة كالأم إذا لم تكن أم ، وهو شاذ عند الجمهور ، ولكن له حظ من القياس .

فعمدة زيد وأهل المدينة والشافعي ، ومن قال بمذهب زيد ما رواه مالك أنه قال : " جاءت الجدة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تسأله عن ميراثها ، فقال أبو بكر : ما لك في كتاب الله عز وجل شيء وما علمت لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فارجعي حتى أسأل الناس ، فقال له المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس ، فقال أبو بكر : هل معك غيرك ؟ فقال : محمد بن مسلمة ، فقال مثل ما قال المغيرة ، فأنفذه أبو بكر لها ، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها ، فقال لها : ما لك في كتاب الله - عز وجل - شيء ، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك ، وما أنا بزائد في الفرائض ، ولكنه ذلك السدس ، فإن اجتمعتما فيه فهو لكما ، وأيتكما انفردت به فهو لها " .

وروى مالك أيضا أنه أتت الجدتان إلى أبي بكر ، فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم ، فقال له [ ص: 680 ] رجل : أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث ، فجعل أبو بكر السدس بينهما . قالوا : فواجب أن لا يتعدى في هذا هذه السنة وإجماع الصحابة .

وأما عمدة من ورث الثلاث جدات فحديث ابن عيينة عن منصور عن إبراهيم " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورث ثلاث جدات : اثنتين من قبل الأب ، وواحدة من قبل الأم " .

وأما ابن مسعود فعمدته القياس في تشبيهها بالجدة للأب لكن الحديث يعارضه .

واختلفوا هل يحجب الجدة للأب ابنها وهو الأب ، فذهب زيد إلى أنه يحجب ، وبه قال مالك والشافعي ، وأبو حنيفة وداود ، وقال آخرون : ترث الجدة مع ابنها ، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وجماعة من الصحابة ، وبه قال شريح وعطاء ، وابن سيرين وأحمد ، وهو قول الفقهاء المصريين .

وعمدة من حجب الجدة بابنها أن الجد لما كان محجوبا بالأب وجب أن تكون الجدة أولى بذلك . وأيضا فلما كانت أم الأم لا ترث بإجماع مع الأم شيئا كان كذلك أم الأب مع الأب .

وعمدة الفريق الثاني ما روى الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال : أول جدة أعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سدسا جدة مع ابنها وابنها حي قالوا : ومن طريق النظر لما كانت الأم وأم الأم لا يحجبن بالذكور كان كذلك حكم جميع الجدات .

وينبغي أن يعلم أن مالكا لا يخالف زيدا إلا في فريضة واحدة ، ( وهي : امرأة هلكت وتركت زوجا ، وأما ، وإخوة لأم ، وإخوة لأب وأم ، وجدا ) ، فقالمالك : للزوج النصف ، وللأم السدس وللجد ما بقي وهو الثلث ، وليس للإخوة الشقائق شيء ، وقال زيد : للزوج النصف ، وللأم السدس ، وللجد السدس ، وما بقي للإخوة الشقائق ، فخالف مالك في هذه المسألة أصله من أن الجد لا يحجب الإخوة الشقائق ولا الأخوات للأب . وحجته أنه لما حجب الإخوة للأم عن الثلث الذي كانوا يستحقونه دون الشقائق كان هو أولى به .

وأما زيد فعلى أصله في أنه لا يحجبهم .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة