أصول الفقه

مختصر شرح الروضة

نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1407هـ / 1987م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة أجزاء

مسألة: الجزء الثالث
[ ص: 575 ] الاجتهاد

الاجتهاد لغة : بذل الجهد في فعل شاق ، فيقال : اجتهد في حمل الرحى لا في حمل خردلة .

واصطلاحا : بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي ، والتام منه : ما انتهى إلى حال العجز عن مزيد طلب .

وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام ، وهي الأصول المتقدمة ، وما يعتبر للحكم في الجملة كمية وكيفية ، فالواجب عليه من الكتاب معرفة ما يتعلق بالأحكام منه ، وهو قدر خمسمائة آية ، بحيث يمكن استحضارها للاحتجاج بها لا حفظها ، وكذلك من السنة ، ومعرفة صحة الحديث اجتهادا كعلمه بصحة مخرجه وعدالة رواته ، أو تقليدا كنقله من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته ، والناسخ والمنسوخ منهما ، ويكفيه معرفة أن دليل هذا الحكم غير منسوخ ، ومن الإجماع ما تقدم فيه ؛ ويكفيه معرفة أن هذه المسألة مجمع عليها أم لا ، ومن النحو واللغة ما يكفيه في معرفة ما يتعلق بالكتاب والسنة من نص وظاهر ومجمل وحقيقة ومجاز وعام وخاص ومطلق ومقيد ودليل خطاب ، ونحوه ، لا تفاريع الفقه ، لأنه من فروع الاجتهاد ، فلا تشترط له ، وإلا لزم الدور ، وتقرير الأدلة ومقوماتها .

الحاشية رقم: 1
" الاجتهاد " افتعال من الجهد ، وهو بضم الجيم وفتحها : الطاقة ، وبفتحها فقط : المشقة .

[ ص: 576 ] وهو " لغة " ، أي : في اللغة : " بذل الجهد " ، يعني الطاقة " في فعل شاق " ، وإنما وصفنا الفعل بكونه شاقا لأن الاجتهاد مختص به في عرف اللغة ، إذ يقال : " اجتهد " الرجل " في حمل الرحى " ونحوها من الأشياء الثقيلة ، و " لا " يقال : اجتهد " في حمل خردلة " ونحوها من الأشياء الخفيفة .

" واصطلاحا " ، أي : وهو في الاصطلاح : " بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي " ، وهو معنى قوله في " الروضة " و " المستصفى " " بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع .

وقال الآمدي : هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه .

وقال القرافي : هو استفراغ الوسع في المطلوب لغة ، واستفراغ الوسع في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحا .

قلت : وجميع ذلك متقارب إن لم يكن متساويا .

قوله : " والتام منه " ، أي : من الاجتهاد " ما انتهى إلى حال العجز عن مزيد طلب " الإشارة بهذا إلى أن الاجتهاد ينقسم إلى ناقص وتام ، فالناقص : هو النظر المطلق في تعرف الحكم ، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال . والتام : هو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب . ومثاله مثال من ضاع منه درهم في التراب ، فقلبه برجله ، فلم يجد شيئا ، فتركه وراح . وآخر إذا جرى له ذلك ، جاء بغربال ، فغربل التراب حتى يجد الدرهم ، أو يغلب على ظنه أنه ما عاد يلقاه ، فالأول اجتهاد قاصر ، والثاني تام .

قوله : " وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام ، هي الأصول المتقدمة [ ص: 577 ] وما يعتبر للحكم في الجملة كمية وكيفية " .

لما ذكر الاجتهاد ما هو ، والناقص منه والتام ، أخذ يبين المجتهد وشروطه ، فالمجتهد من اتصف بصفة الاجتهاد ، وحصل أهليته ، " وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام " ، أي : طرقها التي تدرك منها ، ويتوصل بها إليها ، " وهي الأصول " المتقدم ذكرها ، وهي الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، والاستدلال ، والأصول المختلف فيها ، " وما يعتبر للحكم في الجملة " من حيث الكمية والمقدار حيث يعتبر ذلك للحكم ، أو من حيث الكيفية كتقديم ما يجب تأخيره ، وتأخير ما يجب تقديمه ، لأن ذلك كله آلة للمجتهد في استخراج الحكم ، فوجب اشتراطه ، كالقلم للكاتب ، والقدوم ونحوه للنجار .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 15

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة