العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء السادس
وأما قول الرافضي : " وجمع بين الفاضل والمفضول ، ومن حق الفاضل التقدم [ على المفضول ] [1] " .

فيقال له : أولا : [ هؤلاء ] [2] كانوا متقاربين في الفضيلة ، ولم يكن تقدم بعضهم على بعض ظاهرا ، كتقدم أبي بكر وعمر على الباقين . ولهذا كان [3] في الشورى تارة يؤخذ برأي عثمان ، وتارة [ يؤخذ ] [4] برأي علي ، وتارة برأي عبد الرحمن . وكل منهم له فضائل لم يشركه فيها الآخر .

ثم يقال له ثانيا : وإذا كان فيهم فاضل ومفضول ، فلم قلت : إن عليا هو الفاضل ، وعثمان وغيره هم المفضولون ؟ وهذا القول خلاف ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار ، [ كما قال غير واحد من الأئمة ، منهم [ ص: 153 ] أيوب السختياني وغيره : من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ] [5] .

وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : " كنا نفاضل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان " . وفي لفظ : " ثم ندع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم " [6] .

فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - [ من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان . وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ] [7] فلا ينكره [8] .

وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص . وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير نكير ، وبما ظهر لما توفي عمر ؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم .

[ ص: 154 ] قال الإمام أحمد : " لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان " وسئل عن خلافة النبوة فقال : " كل بيعة كانت بالمدينة " . وهو كما قال ؛ فإنهم كانوا في آخر ولاية عمر أعز ما كانوا وأظهر ما كانوا قبل ذلك .

وكلهم بايع [9] عثمان بلا رغبة بذلها [ لهم ] [10] ولا رهبة ؛ فإنه لم يعط أحدا على ولايته لا مالا ولا ولاية . وعبد الرحمن الذي بايعه لم يوله ولم يعطه مالا . وكان عبد الرحمن من أبعد الناس عن الأغراض ، مع أن عبد الرحمن شاور جميع الناس ، ولم يكن لبني أمية شوكة ، ولا كان في الشورى منهم أحد غير عثمان .

مع أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا كما وصفهم الله - عز وجل - ( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) [ سورة المائدة : 54 ] .

[ وقد بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يقولوا الحق حيثما كانوا ، لا يخافون في الله لومة لائم ] [11] ، ولم ينكر أحد منهم ولاية عثمان ، بل كان في الذين بايعوه عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وخباب والمقداد بن الأسود وابن مسعود . وقال ابن مسعود : ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل .

وفيهم العباس بن عبد المطلب ، وفيهم من النقباء مثل عبادة بن [ ص: 155 ] الصامت وأمثاله ، وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري وأمثاله .

وكل من هؤلاء وغيرهم [12] لو تكلم بالحق لم يكن هناك عذر يسقطه [13] عنه ، فقد كان يتكلم من يتكلم منهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ولاية من يولى [14] وهو مستحق للولاية ، ولا يحصل لهم ضرر . وتكلم طلحة وغيره في ولاية عمر لما استخلفه أبو بكر ، وتكلم أسيد بن حضير في ولاية أسامة [ بن زيد ] [15] على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كانوا يكلمون عمر فيمن يوليه [ ويعزله .

وعثمان ، بعد ولايته وقوة شوكته وكثرة أنصاره وظهور بني أمية ، كانوا يكلمونه فيمن يوليه ] [16] ويعطيه منهم ومن غيرهم . ثم في آخر الأمر [17] لما اشتكوا من بعضهم عزله ، ولما اشتكوا من بعض من يأخذ بعض المال منعه . فأجابهم إلى ما طلبوه من عزل ومنع من المال ، وهم أطراف من الناس ، وهو [18] في عزة [19] ولايته . فكيف لا يسمع كلام الصحابة - أئمتهم وكبرائهم - مع عزهم وقوتهم [20] لو تكلموا في ولاية عثمان ؟ ! وقد تكلموا مع الصديق في ولاية عمر ، وقالوا : ماذا تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا ؟ فقال : أبالله تخوفوني ؟ أقول : وليت عليهم خير أهلك . فلم يحابوا الصديق في عهده لعمر مع شدته .

[ ص: 156 ] ومن شأن الناس أن يراعوا من يرشح للولاية فيحابونه ، خوفا منه أن ينتقم منهم إذا ولي ، ورجاء له ، وهذا موجود . فهؤلاء لم يحابوا عمر ولا أبا بكر مع ولايتهما ، فكيف يحابون عثمان ، وهو بعد لم يتول [ ولا شوكة له ] ؟ [21]

فلولا علم القوم بأن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه . وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما ، ولا يشك فيه إلا من لم يتدبره من أهل العلم بالاستدلال ، ( 2 أو من هو جاهل بالواقع أو بطريق النظر والاستدلال 2 ) [22] .

والجهل بالأدلة أو بالنظر فيها يورث الجهل ، وأما من كان عالما بما وقع وبالأدلة ، وعالما بطريقة [23] النظر والاستدلال ، فإنه يقطع قطعا لا يتمارى فيه أن عثمان كان أحقهم بالخلافة ، وأفضل من بقي بعده . فاتفاقهم [24] على بيعة عثمان بغير نكير دليل على أنهم لم يكن عندهم أصلح منها ، وإن كان في ذلك كراهية في الباطن من بعضهم لاجتهاد أو هوى ، فهذا لا يقدح فيها ، كما لا يقدح في غيرها من الولايات ، كولاية أسامة بن زيد ، وولاية أبي بكر وعمر .

وأيضا فإن ولاية عثمان [ كان ] [25] فيها من المصالح والخيرات ما لا يعلمها إلا الله . وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها ، كتأمير بعض بني [ ص: 157 ] أمية ، وإعطائهم بعض المال ونحو ذلك ، فقد حصل من ولاية من بعده ما هو أعظم من ذلك من الفساد ، ولم يحصل فيها من الصلاح ما حصل في إمارة عثمان .

وأين إيثار بعض الناس بولاية أو مال ، من كون الأمة يسفك بعضها دماء بعض وتشتغل بذلك عن مصلحة دينها ودنياها حتى يطمع الكفار في بلاد المسلمين ؟ وأين اجتماع [26] المسلمين وفتح بلاد الأعداء من الفرقة والفتنة بين المسلمين ، وعجزهم عن الأعداء حتى يأخذوا بعض بلادهم أو بعض أموالهم قهرا أو صلحا ؟

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة