فروع الفقه الحنفي

رد المحتار على الدر المختار

محمد أمين بن عمر (ابن عابدين)

دار الكتب العلمية-

سنة النشر: 1412هـ/1992م
رقم الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ وسننه ] [ ص: 103 ] أفاد أنه لا واجب للوضوء ولا للغسل وإلا لقدمه ، وجمعها لأن كل سنة مستقلة بدليل وحكم . [ ص: 104 ] وحكمها ما يؤجر على فعله ويلام على تركه ، وكثيرا ما يعرفون به لأنه محط مواقع أنظارهم . وعرفها الشمني بما ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام أو بفعله وليس بواجب ولا مستحب لكنه تعريف لمطلقها ، والشرط في المؤكدة المواظبة مع ترك ولو حكما ، لكن شأن الشروط أن لا تذكر في التعاريف . [ ص: 105 ] وأورد عليه في البحر المباح بناء على ما هو المنظور من أن الأصل في الأشياء التوقف ، إلا أن الفقهاء كثيرا ما يلهجون بأن الأصل الإباحة فالتعريف بناء عليه .

الحاشية رقم: 1
( قوله : وسننه إلخ ) اعلم أن المشروعات أربعة أقسام ، فرض وواجب وسنة ونفل ، فما كان فعله أولى من تركه مع منع الترك إن ثبت بدليل قطعي ففرض ، أو بظني فواجب ، وبلا منع الترك إن كان مما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنة ، وإلا فمندوب ونفل . [ ص: 103 ] مطلب في السنة وتعريفها

، والسنة نوعان : سنة الهدي ، وتركها يوجب إساءة وكراهية كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها . وسنة الزوائد ، وتركها لا يوجب ذلك كسير النبي عليه الصلاة والسلام في لباسه وقيامه وقعوده . والنفل ومنه المندوب يثاب فاعله ولا يسيء تاركه ، قيل : وهو دون سنن الزوائد .

ويرد عليه أن النفل من العبادات وسنن الزوائد من العادات ، وهل يقول أحد إن نافلة الحج دون التيامن في التنعل والترجل ، كذا حققه العلامة ابن الكمال في تغيير التنقيح وشرحه .

أقول : فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم ; لأنه لا يكره ترك كل منهما ، وإنما الفرق كون الأول من العبادات والثاني من العادات ، لكن أورد عليه أن الفرق بين العبادة والعادة هو النية المتضمنة للإخلاص ، كما في الكافي وغيره ، وجميع أفعاله صلى الله عليه وسلم مشتملة عليها كما بين في محله .

وأقول : قد مثلوا لسنة الزوائد أيضا { بتطويله عليه الصلاة والسلام القراءة والركوع والسجود } ، ولا شك في كون ذلك عبادة ، وحينئذ فمعنى كون سنة الزوائد عادة أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها حتى صارت عادة له ولم يتركها إلا أحيانا ; لأن السنة هي الطريقة المسلوكة في الدين ، فهي في نفسها عبادة وسميت عادة لما ذكرنا . ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت سنة الزوائد ، بخلاف سنة الهدي ، وهي السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها ; لأن تركها استخفاف بالدين ، وبخلاف النفل فإنه كما قالوا ما شرع لنا زيادة على الفرض والواجب والسنة بنوعيها ; ولذا جعلوا قسما رابعا ، وجعلوا منه المندوب والمستحب ، وهو ما ورد به دليل ندب يخصه ، كما في التحرير ; فالنفل ما ورد به دليل ندب عموما أو خصوصا ولم يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ; ولذا كان دون سنة الزوائد ، كما صرح به في التنقيح . وقد يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب ، ومنه قوله : باب الوتر والنوافل ، ومنه تسمية الحج نافلة لأن النفل الزيادة ، وهو زائد على الفرض مع أنه من شعائر الدين العامة ، ولا شك أنه أفضل من تثليث غسل اليدين في الوضوء ومن رفعهما للتحريمة مع أنهما من السنن المؤكدة ، فتعين ما قلنا

، وبه اندفع ما أورده ابن الكمال ، فاغتنم تحقيق هذا المحل فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب ، والله تعالى أعلم بالصواب ( قوله : أفاد إلخ ) حيث ذكر السنن عقب الأركان هنا وفي الغسل ولم يذكر لهما واجبا ، ولو لم يكن كلامه مفيدا ذلك لقدم ذكر الواجب على السنن ; لأنه أقوى ، فمقتضى الصناعة تقديمه .

وأراد بالواجب ما كان دون الفرض في العمل ، وهو أضعف نوعي الواجب ، لا ما يشمل النوع الآخر ، وهو ما كان في قوة الفرض في العمل ، لأن غسل المرفقين والكعبين ومسح ربع الرأس من هذا النوع الثاني ، وكذا غسل الفم والأنف في الغسل ; لأن ذلك ليس من الفرض القطعي الذي يكفر جاحده ، تأمل . ثم رأيت التصريح بذلك في شرح الدرر للشيخ إسماعيل . واحترز بقوله للوضوء وللغسل عن نفس الوضوء والغسل ، فإن الوضوء يكون فرضا وواجبا وسنة ونفلا كما قدمه الشارح ، وكذا الغسل على ما يأتي في محله ( قوله : وجمعها ) أي السنن حيث أتى بها بصيغة الجمع ، ولم يأت بها مفردة كما قال في الكنز وسنته .

( قوله : مستقلة بدليل وحكم ) قال ابن الكمال ، أما الأول فظاهر عند من تأمل في الهداية وسائر الكتب المطولة ، وأما الثاني فلأن ما يترتب على فعل السنة وتركها من الثواب والعقاب يترتب على كل فعل منها وتركه منفردة كانت أو مجتمعة مع أخواتها ، وليس الأمر في الفرض كذلك ، فإن فرض الوضوء مجموع غسل الأعضاء الثلاثة ومسح [ ص: 104 ] الرأس ، لا أن كلا منها فرض مستقل يترتب على فعله وتركه حكم الفرض ; ولذلك آثر فيه صيغة المفرد ، ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة الأنيقة سلك في الموضعين مسلك الإفراد ا هـ .

وعلى هذا فكان الأنسب للمصنف أن يقول فيما مر : وركن الوضوء بالإفراد لاتحاد الدليل وهو الآية ، واتحاد الحكم بدليل فساد البعض بترك البعض قاله في البحر فافهم ( قوله : ما يؤجر إلخ ) ما مصدرية لا موصولة أو موصوفة واقعة على السنة ; لأن الحكم الثابت لها الأجر واللوم على الفعل والترك ، وليس الحكم هو الفعل الذي يؤجر عليه ، إلا أن يقال إنها موصولة أو موصوفة واقعة على الأجر ، والعائد محذوف : أي الأجر الذي يؤجره ; وعلى كل ; فالمناسب تأنيث الضمير في فعله وتركه ، فافهم ( قوله : ويلام ) أي يعاتب بالتاء لا يعاقب ، كما أفاده في البحر والنهر ، لكن في التلويح ترك السنة المؤكدة قريب من الحرام يستحق حرمان الشفاعة ، لقوله عليه الصلاة والسلام { : من ترك سنني لم ينل شفاعتي } . ا هـ . وفي التحرير : إن تاركها يستوجب التضليل واللوم ، . ا هـ . والمراد الترك بلا عذر على سبيل الإصرار كما في شرح التحرير لابن أمير حاج ، ويؤيده ما سيأتي في سنن الوضوء من أنه لو اكتفى بالغسل مرة إن اعتاده أثم ، وإلا لا .

وفي البحر من باب صفة الصلاة : الذي يظهر من كلام أهل المذهب أن الاسم منوط بترك الواجب أو السنة المؤكدة على الصحيح ; لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس قيل : لا يأثم والصحيح أنه يأثم ، ذكره في فتح القدير ، وتصريحهم بالإثم لمن ترك الجماعة مع أنها سنة مؤكدة على الصحيح وكذا في نظائره لمن تتبع كلامهم ، ولا شك أن الإثم مقول بالتشكيك بعضه أشد من بعض ، فالإثم لتارك السنة المؤكدة أخف من الإثم لتارك الواجب . ا هـ . قال في النهر هناك : ويؤيده ما في الكشف الكبير معزيا إلى أصول أبي اليسر : حكم السنة أن يندب إلى تحصيلها ، ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير .

( قوله : وكثيرا إلخ ) مفعول مطلق وما زائدة لتأكيد الكثرة : أي ويعرفون بالحكم تعريفا كثيرا ( قوله : لأنه إلخ ) المحط : موضع الحط مقابل الرفع ، ومواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى الوقوع والأنظار جمع نظر : بمعنى التأمل والتفكير أي لأن الحكم هو محل وقوع أنظارهم ، أي أنه المقصود للفقهاء ( قوله : وعرفها الشمني ) أي عرف السنة اصطلاحا ، أما هي لغة فالطريقة مطلقا ولو قبيحة ط ( قوله : أو بفعله ) ينبغي زيادة أو تقريره إلا أنه داخل في الفعل ; لأنه عدم النهي عما يقع بين يديه عليه الصلاة والسلام ، يعني أنه كف ، والكف فعل من أفعال النفس ط ( قوله : وليس بواجب ) مراده به ما يعم الفرض ط ( قوله : لكنه تعريف لمطلقها ) أي لمطلق السنة الشامل لقسميها ، وهما السنة المؤكدة المسماة سنة الهدي ، وغير المؤكدة المسماة سنة الزوائد .

وأما المستحب المرادف للنفل والمندوب فهو قسيم لها لا قسم منها ، كما قدمناه ، فافهم ، وأفاد بالاستدراك أن المراد من السنة هنا هو القسم الأول ، وبه صرح في النهر تأمل ( قوله : ولو حكما ) كعدم الإنكار على من لم يفعل ; لأنه ينزل منزلة الترك حقيقة ، فدخل الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان ; لأنه عليه الصلاة والسلام وإن واظب عليه من غير ترك ومقتضاها وجوب الاعتكاف ، لكن لما لم ينكر عليه الصلاة والسلام على من لم يعتكف كان ذلك منزلا منزلة الترك حقيقة ، والمراد أيضا المواظبة ولو حكما لتدخل التراويح ، فإنه صلى الله عليه وسلم بين العذر في التخلف عنها ، وهو خوف أن تفرض علينا ط عن أبي السعود ، ومفاده أن المواظبة بلا ترك تفيد الوجوب .

قال في البحر : وظاهر الهداية يخالف ، فإنه في الاستدلال على سنية المضمضة والاستنشاق [ ص: 105 ] قال : لأنه عليه الصلاة والسلام فعلهما على المواظبة ، ثم قال في البحر : والذي ظهر للعبد الضعيف أن السنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنة المؤكدة ، وإن كانت مع الترك أحيانا فهي دليل غير المؤكدة ، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب ، فافهم هذا فإن به يحصل التوفيق . ا هـ . قال في النهر : وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن ذلك المواظب عليه مما اختص وجوبه به عليه الصلاة والسلام ; أما إذا كان كصلاة الضحى فإن عدم الإنكار على من لم يفعل لا يصح أن ينزل منزلة الترك ، ولا بد أن يقيد الترك بكونه لغير عذر كما في التحرير ; ليخرج المتروك لعذر كالقيام المفروض .

وكأنه إنما تركه لأن الترك لعذر لا يعد تركا . ا هـ . ( قوله : وأورد عليه إلخ ) أي على تعريف الشمني ، وحاصله النقض بعدم المنع لأنه إذا كان الأصل في الأشياء التوقف ، بمعنى عدم العلم بالحكم ، هل هو الإباحة أو الحظر ؟ لا تعلم إباحة المباح إلا بقوله عليه الصلاة والسلام أو فعله ، فيدخل في تعريف السنة ، إلا أن يزاد في التعريف ولا مباح . قال ط : وكذا يرد المباح على القول بأن الأصل الحظر ( قوله : إلا أن الفقهاء إلخ ) جواب عن الإيراد . قال في الصحاح : اللهج بالشيء الولوع به ، وقد لهج بالكسر يلهج لهجا : إذا غري به . ا هـ . والمعنى أنهم ينطقون به كثيرا

ط . مطلب المختار أن الأصل في الأشياء الإباحة

أقول : وصرح في التحرير بأن المختار أن الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية ا هـ وتبعه تلميذه العلامة قاسم ، وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد ، وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة . وقال في شرح التحرير : وهو قول معتزلة البصرة وكثير من الشافعية وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين . قالوا : وإليه أشار محمد فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة أو شرب الخمر فلم يفعل حتى قتل بقوله : خفت أن يكون آثما ; لأن أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما ، فجعل الإباحة أصلا والحرمة بعارض النهي . ا هـ .

ونقل أيضا أنه قول أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي ، وبه علم أن قول الشارح في باب استيلاء الكفار أن الإباحة رأي المعتزلة فيه نظر ، فتدبر ( قوله : فالتعريف بناء عليه ) أي على أن الأصل الإباحة .

أقول : هذا الجواب نافع فيما سكت عنه الشارع ، وبقي على الإباحة الأصلية ، أما ما نص على إباحته أو فعله عليه الصلاة والسلام فلا ينفع ، وقد نص في التحرير على أن المباح يطلق على متعلق الإباحة الأصلية كما يطلق على متعلق الإباحة الشرعية .

فالأحسن في الجواب أن يقال : المراد بقوله في التعريف ما ثبت ثبوت طلبه لا ثبوت شرعيته ، والمباح غير مطلوب الفعل ، وأنما هو مخير فيه .

السابق

|

| من 37

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة