تفسير القرآن

التحرير والتنوير

محمد الطاهر ابن عاشور

دار سحنون

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: خمسة عشر جزءا

الكتب » التحرير والتنوير » سورة المائدة

مقدمة السورةقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي
قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادواقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا
قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
قوله تعالى وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسققوله تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون
قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناقوله تعالى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم
قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيباتقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله
قوله تعالى اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهمقوله تعالى والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا
قوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية قوله تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم
قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم
قوله تعالى وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير
قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم قوله تعالى قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب
قوله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخرقوله تعالى فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه
قوله تعالى فأصبح من النادمينقوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس
قوله تعالى ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفونقوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة قوله تعالى إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه
قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا قوله تعالى ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض
قوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر قوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم
قوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور
قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين قوله تعالى وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة
قوله تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم
قوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنونقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء قوله تعالى قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا
قوله تعالى وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا
قوله تعالى وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفراقوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة
قوله تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله قوله تعالى ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم
قوله تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم قوله تعالى منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون
قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل
قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر قوله تعالى لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا
قوله تعالى وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم
قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قوله تعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل
قوله تعالى قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليمقوله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق
قوله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم قوله تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم
قوله تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا قوله تعالى فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار
قوله تعالى والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيمقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا
قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان
قوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم
قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام
قوله تعالى اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم قوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام
قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا
قوله تعالى وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمونقوله تعالى إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء
قوله تعالى قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا قوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
قوله تعالى قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قوله تعالى لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير
مسألة: الجزء السادس
[ ص: 69 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة المائدة

هذه السورة سميت في كتب التفسير ، وكتب السنة ، بسورة المائدة : لأن فيها قصة المائدة التي أرسلها الحواريون من عيسى عليه السلام ، وقد اختصت بذكرها . وفي مسند أحمد بن حنبل وغيره وقعت تسميتها سورة المائدة في كلام عبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء بنت يزيد ، وغيرهم . فهذا أشهر أسمائها .

وتسمى أيضا سورة العقود : إذ وقع هذا اللفظ في أولها .

وتسمى أيضا المنقذة . ففي أحكام ابن الفرس : روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات المنقذة . قال : أي أنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب .

وفي كتاب كنايات الأدباء لأحمد الجرجاني يقال : فلان لا يقرأ سورة الأخيار ، أي لا يفي بالعهد ، وذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يسمون سورة المائدة سورة الأخيار . قال جرير :


إن البعيث وعبد آل متاعس لا يقرآن بسورة الأخـيار

وهي مدنية باتفاق ، روي أنها نزلت منصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية ، بعد سورة الممتحنة ، فيكون نزولها بعد الحديبية بمدة ، لأن سورة الممتحنة نزلت بعد رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة من صلح الحديبية ، وقد جاءته المؤمنات مهاجرات ، وطلب منه المشركون إرجاعهن إليهم عملا بشروط الصلح ، فأذن الله للمؤمنين بعدم إرجاعهن بعد امتحانهن .

روى ابن أبي حاتم عن مقاتل أن آية يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد إلى ( عذاب أليم ) نزلت عام الحديبية فلعل ذلك [ ص: 70 ] الباعث للذين قالوا : إن سورة العقود نزلت عام الحديبية . وليس وجود تلك الآية في هذه السورة بمقتض أن يكون ابتداء نزول السورة سابقا على نزول الآية إذ قد تلحق الآية بسورة نزلت متأخرة عنها .

وفي الإتقان : إنها نزلت قبل سورة النساء ، ولكن صح أن آية اليوم أكملت لكم دينكم نزلت يوم عرفة في عام حجة الوداع . ولذلك اختلفوا في أن هذه السورة نزلت متتابعة أو متفرقة ، ولا ينبغي التردد في أنها نزلت منجمة .

وقد روي عن عبد الله بن عمرو وعائشة أنها آخر سورة نزلت ، وقد قيل : إنها نزلت بعد النساء ، وما نزل بعدها إلا سورة ( براءة ) ، بناء على أن ( براءة ) آخر سورة نزلت ، وهو قول البراء بن عازب في صحيح البخاري .

وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو ، وأسماء بنت يزيد : أنها نزلت ورسول الله في سفر ، وهو على ناقته العضباء ، وأنها نزلت عليه كلها . قال الربيع بن أنس : نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حجة الوداع .

وفي شعب الإيمان ، عن أسماء بنت يزيد : أنها نزلت بمنى .

وعن محمد بن كعب : أنها نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة .

وعن أبي هريرة : نزلت مرجع رسول الله من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة . وضعف هذا الحديث .

وقد قيل : إن قوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أنزل يوم فتح مكة .

ومن الناس من روى عن عمر بن الخطاب : أن سورة المائدة نزلت بالمدينة في يوم اثنين .

وهنالك روايات كثيرة أنها نزلت عام حجة الوداع ; فيكون ابتداء نزولها بالمدينة قبل الخروج إلى حجة الوداع .

وقد روي عن مجاهد : أنه قال : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى [ ص: 71 ] ( غفور رحيم ) نزل يوم فتح مكة . ومثله عن الضحاك ، فيقتضي قولهما أن تكون هذه السورة نزلت في فتح مكة وما بعده .

وعن محمد بن كعب القرظي : أن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب إلى قوله صراط مستقيم ثم نزلت بقية السورة في عرفة في حجة الوداع .

ويظهر عندي أن هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء ، وفي ذلك ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استقام له أمر العرب وأمر المنافقين ولم يبق في عناد الإسلام إلا اليهود والنصارى . أما اليهود فلأنهم مختلطون بالمسلمين في المدينة وما حولها ، وأما النصارى فلأن فتوح الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم في حدود الشام . وفي حديث عمر في صحيح البخاري : وكان من حول رسول الله قد استقام له ولم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا .

وقد امتازت هذه السورة باتساع نطاق المجادلة مع النصارى ، واختصار المجادلة مع اليهود ، عما في سورة النساء . مما يدل على أن أمر اليهود أخذ في تراجع ووهن ، وأن الاختلاط مع النصارى أصبح أشد منه من ذي قبل .

وفي سورة النساء تحريم السكر عند الصلوات خاصة ، وفي سورة المائدة تحريمه بتاتا ، فهذا متأخر عن بعض سورة النساء لا محالة . وليس يلزم أن لا تنزل سورة حتى ينتهي نزول أخرى بل يجوز أن تنزل سورتان في مدة واحدة .

وهي ، أيضا ، متأخرة عن سورة ( براءة ) : لأن ( براءة ) تشتمل على كثير من أحوال المنافقين وسورة المائدة لا تذكر من أحوالهم إلا مرة ، وذلك [ ص: 72 ] يؤذن بأن النفاق حين نزولها قد انقطع ، أو خضدت شوكة أصحابه . وإذ قد كانت سورة ( براءة ) نزلت في عام حج أبي بكر بالناس ، أعني سنة تسع من الهجرة .

فلا جرم أن بعض سورة المائدة نزلت في عام حجة الوداع ، وحسبك دليلا اشتمالها على آية اليوم أكملت لكم دينكم التي اتفق أهل الأثر على أنها نزلت يوم عرفة ، عام حجة الوداع ، كما في خبر عن عمر بن الخطاب . وفي سورة المائدة قوله تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم . وفي خطبة حجة الوداع يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم .

وقد عدت السورة الحادية والتسعين في عدد السور على ترتيب النزول . عن جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة الممتحنة .

وعدد آيها : مائة واثنتان وعشرون في عدد الجمهور ، ومائة وثلاث وعشرون في عد البصريين ، ومائة وعشرون عند الكوفيين .

وجعلت هذه السورة في المصحف قبل سورة الأنعام مع أن سورة الأنعام أكثر منها عدد آيات : لعل ذلك لمراعاة اشتمال هذه السورة على أغراض تشبه ما اشتملت عليه سورة النساء عونا على تبيين إحداهما للأخرى في تلك الأغراض .

وقد احتوت هذه السورة على تشريعات كثيرة تنبئ بأنها أنزلت لاستكمال شرائع الإسلام ، ولذلك افتتحت بالوصاية بالوفاء بالعقود ، أي بما عاقدوا الله عليه حين دخولهم في الإسلام من التزام ما يؤمرون به ، فقد كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يأخذ البيعة على الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم ، كما في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح . وأخذ [ ص: 73 ] البيعة على الناس بما في سورة الممتحنة ، كما روى عبادة بن الصامت . ووقع في أولها قوله تعالى إن الله يحكم ما يريد . فكانت طالعتها براعة استهلال .

وذكر القرطبي أن فيها تسع عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي سبع في قوله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ، وما علمتم من الجوارح مكلبين ، وطعام الذين أوتوا الكتاب ، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، وتمام الطهور إذا قمتم إلى الصلاة ، ( أي إتمام ما لم يذكر في سورة النساء ) والسارق والسارقة . لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم إلى قوله عزيز ذو انتقام ، و ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، وقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت الآية وقوله ( وإذا ناديتم إلى الصلاة ) ليس في القرآن ذكر للأذان للصلوات إلا في هذه السورة . اهـ .

وقد احتوت على تمييز الحلال من الحرام في المأكولات ، وعلى حفظ شعائر الله في الحج والشهر الحرام ، والنهي عن بعض المحرمات من عوائد الجاهلية مثل الأزلام ، وفيها شرائع الوضوء ، والغسل ، والتيمم ، والأمر بالعدل في الحكم ، والأمر بالصدق في الشهادة ، وأحكام القصاص في الأنفس والأعضاء ، وأحكام الحرابة ، وتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفاق المنافقين ، وتحريم الخمر والميسر ، والأيمان وكفارتها ، والحكم بين أهل الكتاب ، وأصول المعاملة بين المسلمين ، وبين أهل الكتاب ، وبين المشركين والمنافقين ، والخشية من ولايتهم أن تفضي إلى ارتداد المسلم عن دينه ، وإبطال العقائد الضالة لأهل الكتابين ، وذكر مساو من أعمال اليهود ، وإنصاف النصارى فيما لهم من حسن الأدب وأنهم أرجى للإسلام وذكر قضية التيه ، وأحوال المنافقين ، والأمر بتخلق المسلمين بما يناقض أخلاق الضالين في تحريم ما أحل لهم ، والتنويه بالكعبة وفضائلها وبركاتها على الناس ، وما تخلل ذلك أو تقدمه من العبر ، والتذكير للمسلمين بنعم الله تعالى ، والتعريض بما وقع فيه أهل الكتاب من نبذ ما أمروا به والتهاون فيه ، واستدعاؤهم للإيمان بالرسول الموعود به .

[ ص: 74 ] وختمت بالتذكير بيوم القيامة ، وشهادة الرسل على أممهم ، وشهادة عيسى على النصارى ، وتمجيد الله تعالى .

السابق

|

| من 100

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة