أصول الفقه

مختصر شرح الروضة

نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1407هـ / 1987م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة أجزاء

مسألة: الجزء الثالث
[ ص: 381 ] القسم الثالث : إثباتها بالاستنباط وهو أنواع :

أحدها : إثباتها بالمناسبة ، وهي أن يقترن بالحكم وصف مناسب ، وهو ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي ولا يعتبر كونه منشأ للحكمة ، كالسفر مع المشقة ، فيفيد التعليل به لإلفنا من الشارع رعاية المصالح ، وبالجملة متى أفضى الحكم إلى مصلحة علل بالوصف المشتمل عليها; ثم إن ظهر تأثير عينه في عين الحكم ، أو جنسه بنص أو إجماع ، فهو المؤثر كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض لمشقة التكرار ، ولا يضر ظهور مؤثر آخر معه في الأصل ، فيعلل بالكل كالحيض والردة والعدة ، يعلل منع وطء المرأة بها ، وكقياس تقديم الأخ للأبوين في ولاية النكاح على تقديمه في الإرث ، فالأخوة متحدة نوعا ، وإن ظهر تأثير جنسه في عين الحكم كتأثير المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض ، كالمسافر ، فهو الملائم ، إذ جنس المشقة أثر في عين السقوط; وإن ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام ، فهو الغريب .

وقيل : هذا هو الملائم; وما سواه مؤثر .

الحاشية رقم: 1
" القسم الثالث " :

من أقسام إثبات العلة : " إثباتها بالاستنباط " ، إذ قد سبق الكلام في إثباتها بالنص والإجماع ، " وهو " - يعني إثباتها بالاستنباط - " أنواع : [ ص: 382 ] أحدها : إثباتها بالمناسبة ، وهي - يعني المناسبة - أن يقترن بالحكم وصف مناسب " وقد سبق مثاله في غير موضع .

قوله : " وهو " يعني الوصف المناسب ، " ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي " .

قلت : قد اختلف في تعريف المناسب ، واستقصاء القول فيه من المهمات ، لأن عليه مدار الشريعة ، بل مدار الوجود ، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية ، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص ، والخفاء والظهور ، فما خفيت عنا مناسبته ، سمي تعبدا ، وما ظهرت مناسبته سمي معللا ، فقولنا : المناسب ما تتوقع المصلحة عقيبه ، أي : ما إذا وجد أو سمع ، أدرك العقل السليم كون ذلك الوصف سببا مفضيا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية بين تلك المصلحة وذلك الوصف ، وهو معنى قولي : " لرابط ما عقلي " .

ومثاله : أنه إذا قيل : المسكر حرام ، أدرك العقل أن تحريم المسكر مفض إلى مصلحة ، وهي حفظ العقول من الاضطراب ، وإذا قيل : القصاص مشروع ، أدرك العقل أن شرعية القصاص سبب مفض إلى مصلحة ، وهي حفظ النفوس ، وأمثلته كثيرة ظاهرة ، وإنما قلت : ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط عقلي أخذا من النسب الذي هو القرابة ، فإن المناسب هاهنا مستعار ومشتق من ذلك ، ولا شك أن المتناسبين في باب النسب كالأخوين وابني العم ونحو ذلك ، إنما كانا متناسبين لمعنى رابط بينهما وهو القرابة ، فكذلك الوصف المناسب هاهنا لابد وأن يكون بينه وبين ما يناسبه من المصلحة [ ص: 383 ] رابط عقلي ، وهو كون الوصف صالحا للإفضاء إلى تلك المصلحة عقلا .

قال الآمدي : وقد فسر أبو زيد المناسب بما لو عرض على العقول تلقته بالقبول ، وبنى على ذلك امتناع الاحتجاج على العلة به في مقام المناظرة دون النظر لاحتمال أن يقول الخصم : هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول ، وتلقي غيري له بالقبول ليس حجة علي .

قلت : وهذا لا يلزم لأنا إذا نظرنا في أدنى مراتب المناسب ، وجدنا العقول تبادر إلى تلقيه بالقبول ، فإذا قال الخصم : هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول ، فأحد الأمرين لازم; إما أن الوصف المذكور غير مناسب في نفسه ، فالخصم معذور في إنكاره ، وإما عناد من الخصم المنكر; وحينئذ على المستدل بيان مناسبته ببيان مناسبة أمثاله عند العقلاء ، خصوصا إن كان الخصم يسلم مناسبة مثل ذلك الوصف في رتبته ، فتثبت مناسبته ، إذ حكم المثلين واحد ، أو مناسبة ما هو دونه ، فتثبت مناسبته هو بطريق الأولى .

مثاله : لو استدل على إرث المبتوتة في مرض الموت بأن توريثها مناقضة للميت في قصده حرمانها ، وذلك مناسب لتلقي العقل له بالقبول ، فإذا قال الخصم : ليس هذا مناسبا ، وعقلي لا يتلقاه بالقبول ، فيقول المستدل : قد سلمت مناسبة مثل هذا الوصف في حرمان القاتل إرثه من موروثه معارضة له بنقيض قصده ، فإن سلمت المناسبة هنا ، لزمك تسليمها هناك لاستوائهما ، وإن منعت المناسبة في الموضعين; فقد سلم العقلاء مناسبة أوصاف هي مثل هذا الوصف ودونه في قبول العقل له ، ومن الممتنع عادة إصابتك وخطؤهم ، فأنت إذن معاند مسفسط تحرم المناظرة معك ، فهذا أيضا طريق جيد مناسب [ ص: 384 ] في إثبات المناسب على من أنكره .

والأصل في هذا أن القضايا العقلية أصناف; منها البديهيات والنظريات والمقبولات ، والمناسب من قبيل المقبولات ، وهي ما تلقاه العقل بجوهره بالقبول من غير قطع به ، فالعقول معيار له لا تختلف فيه ، كما لا تختلف في إدراك البديهيات مع القطع ، والنظريات بعد تحقيق مقدمات النظر .

وقال الآمدي : أما نحن; فنقول : المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع من تحصيل مصلحة أو تكميلها ، أو دفع مفسدة أو تقليلها دنيا وأخرى على وجه يمكن إثباته بما لو أصر الخصم على منعه بعده ، يكون معاندا .

قلت : هذا غاية ما يقال في ضبط رسم المناسب ، وتحصيل أصل المصلحة ، كشرع القصاص ، وتحريم الخمر ، وتكميلها كاشتراط المكافأة والمساواة في القصاص ، وتحريم يسير الخمر لإفضائه إلى كثيره ، ودفع المفسدة كإيجاب القود لدفع مفسدة إتلاف النفوس ، وتقليلها كإيجابه في القتل بالمثقل ، لأن فيه تقليلا للقتل ، لئلا يتخذ ذريعة إلى إزهاق النفوس ، وكإيجابه على الجماعة المشتركين في قتل أو قطع ، أو نحو ذلك .

وقال القرافي : المناسب ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة ، فالأول يعني تحصيل المصلحة كالغنى هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء ورب المال ، والثاني : - يعني درء المفسدة - كتحريم الخمر .

[ ص: 385 ] وقال النيلي : المناسب ما كان إثبات الحكم عقيبه مفضيا إلى ما يوافق نظر العقلاء في المعاش ، أو في المعاد . أما المعاش; فكبقاء الأنفس ، والزيادة في المال ، وأما في المعاد; فكتحصيل الثواب ، أو رفع العقاب . ثم الحكم تارة يكون تحصيلا للمصلحة ، وتارة تكميلا لها ، وتارة مديما لها ، وذكر أمثلة من ذلك ، وهي ظاهرة لمن له نظر في الأحكام .

ثم المناسب ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات ، وإلى ما هو في محل الحاجات ، وإلى ما هو في محل التتمات والتكميلات ، وهي في مراتبها على هذا الترتيب في التقديم عند التعارض يقدم الأول ثم الثاني ثم الثالث . وقد سبق بيان أقسامه عند ذكر المصالح المرسلة ، والبابان واحد ، لأن المصلحة مضمون المناسب ، والمناسب متضمن للمصلحة .

ومثال اجتماع أقسامه الثلاثة في وصف واحد أن نفقة النفس ضرورية ، ونفقة الزوجات حاجية ، ونفقة الأقارب تتمة وتكملة ، ولهذا قدم بعضها على بعض على الترتيب المذكور ، وتأكدت نفقة الزوجة على نفقة القريب حتى سقطت نفقته بمضي الزمن دون نفقتها . وقد سبق التنبيه على أن مراتب المناسب متفاوتة في الجلاء والخفاء ، والقوة والضعف ، وسرعة القبول وعدمه ، وذلك ظاهر لمن نظر في مناسبات الأحكام لعللها ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

[ ص: 386 ] قوله : " ولا يعتبر كونه منشأ للحكمة ، كالسفر مع المشقة " .

اعلم أن هذا المكان من دقائق هذا الباب خصوصا على نشأة الطلاب ، فيجب الاعتناء بكشفه ، وقد تضمنت الجملة المذكورة ألفاظا ينبغي الكشف عنها ، ثم ذكر معنى الجملة بعدها كما ينبغي إن شاء الله تعالى .


الحـــواشي 1  2  3  
السابق

|

| من 4

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة