الفقه المقارن

المغني

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة

دار إحيار التراث العربي

سنة النشر: 1405هـ / 1985م
رقم الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء التاسع
( 7086 ) الفصل الثالث : أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا . هذا قول أكثر أهل العلم ; منهم عمر ، وعلي ، وعطاء ، والنخعي ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي . وهو أحد قولي الشافعي . وروي عن أحمد ، رواية أخرى ، أنه لا تجب استتابته ، لكن تستحب . وهذا القول الثاني للشافعي ، وهو قول عبيد بن عمير ، وطاوس . ويروى ذلك عن الحسن ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من بدل دينه فاقتلوه } . ولم يذكر استتابته .

وروي أن معاذا قدم على أبي موسى ، فوجد عنده رجلا موثقا ، فقال : ما هذا ؟ قال : رجل كان يهوديا فأسلم ، ثم راجع دينه دين السوء فتهود . قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله . قال : اجلس . قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله . ثلاث مرات ، فأمر به فقتل . متفق عليه . ولم يذكر استتابته ; ولأنه يقتل لكفره ، فلم تجب استتابته كالأصلي ; ولأنه لو قتل قبل الاستتابة ، لم يضمن ، ولو حرم قتله قبله ضمن . وقال عطاء : إن كان مسلما أصليا ، لم يستتب ، وإن كان أسلم ثم ارتد ، استتيب . ولنا حديث أم مروان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب .

وروى مالك ، في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري ، عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى ، فقال له عمر : هل كان من مغربة خبر ؟ قال : نعم رجل كفر بعد إسلامه ، فقال : ما فعلتم به ؟ قال : قربناه ، فضربنا عنقه . فقال عمر : فهلا حبستموه ثلاثا ، فأطعمتموه كل يوم رغيفا ، واستتبتموه ، لعله يتوب ، أو يراجع أمر الله ؟ اللهم إني لم أحضر ، ولم آمر ، ولم أرض إذ بلغني . ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم . ولأنه أمكن استصلاحه ، فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه ، كالثوب النجس . وأما الأمر بقتله ، فالمراد به بعد الاستتابة ، بدليل ما ذكرنا .

وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه : وكان قد استتيب . ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه ، وفي رواية : فدعاه عشرين ليلة ، أو قريبا من ذلك ، فجاء معاذ ، فدعاه وأبى ، فضرب عنقه . رواه أبو داود . ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان ، بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم وشيوخهم . إذا ثبت وجوب الاستتابة ، فمدتها ثلاثة أيام . روي ذلك عن عمر رضي الله عنه . وبه قال مالك ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي . وهو أحد قولي الشافعي . وقال في الآخر : إن تاب في الحال ، وإلا قتل مكانه ، [ ص: 18 ] وهذا أصح قوليه . وهو قول ابن المنذر ; لحديث أم مروان ، ومعاذ ، ولأنه مصر على كفره ، أشبه بعد الثلاث .

وقال الزهري : يدعى ثلاث مرات ، فإن أبى ، ضربت عنقه . وهذا يشبه قول الشافعي . وقال النخعي : يستتاب أبدا . وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدا ، وهو مخالف للسنة والإجماع . وعن علي ، أنه استتاب رجلا شهرا . ولنا حديث عمر ، ولأن الردة إنما تكون لشبهة ، ولا تزول في الحال ، فوجب أن ينتظر مدة يرتئي فيها ، وأولى ذلك ثلاثة أيام ، للأثر فيها ، وإنها مدة قريبة . وينبغي أن يضيق عليه في مدة الاستتابة ، ويحبس ; لقول عمر : هلا حبستموه ، وأطعمتموه كل يوم رغيفا ؟ ويكرر دعايته ، لعله يتعطف قلبه ، فيراجع دينه .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة