شروح الحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

دارالريان للتراث

سنة النشر: 1407هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة عشرجزءا

الكتب » صحيح البخاري » كتاب الجزية » باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب

مسألة:
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجزية باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب وقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون يعني أذلاء والمسكنة مصدر المسكين فلان أسكن من فلان أحوج منه ولم يذهب إلى السكون وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم وقال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشأم عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من قبل اليسار

2987 حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال سمعت عمرا قال كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر
الحاشية رقم: 1
[ ص: 297 ] [ ص: 298 ] [ ص: 299 ] قوله : ( باب الجزية ) كذا للأكثر ، ووقع عند ابن بطال وأبي نعيم " كتاب الجزية ، ووقع لجميعهم البسملة أوله سوى أبي ذر .

قوله : ( الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب ) فيه لف ونشر مرتب ، لأن الجزية مع أهل الذمة ، والموادعة مع أهل الحرب . والجزية من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة ، وقيل من الجزاء أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام ، أو من الإجزاء لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه . والموادعة المتاركة ، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة . قال ابن المنير : وليس في أحاديث الباب ما يوافقها إلا الحديث الأخير في تأخير النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس . قلت : وليست هذه الموادعة المعروفة ، والذي يظهر أن الصواب ما وقع عند أبي نعيم من إثبات لفظ " كتاب " في صدر هذه الترجمة ويكون الكتاب معقودا للجزية والمهادنة ، والأبواب المذكورة بعد ذلك مفرعة عنه ، والله أعلم . قال العلماء : الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام . واختلف في سنة مشروعيتها فقيل في سنة ثمان ، وقيل في سنة تسع .

قوله : ( وقول الله عز وجل قاتلوا الذين إلخ ) هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية ، ودل منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب ، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها .

قوله : ( يعني أذلاء ) هو تفسير وهم صاغرون قال أبو عبيدة في المجاز : الصاغر الذليل الحقير . قال : وقوله : ( عن يد ) أي عن طيب نفس ، وكل من أطاع لقاهر وأعطاه عن طيب نفس من يد فقد أعطاه عن يد . وقيل معنى قوله : عن يد أي نعمة منكم عليهم ، وقيل يعطيها من يده ولا يبعث بها ، وعن الشافعي : المراد بالصغار هنا التزام حكم الإسلام ، وهو يرجع إلى التفسير اللغوي . لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل .

قوله : ( والمسكنة مصدر المسكين فلان أسكن من فلان أحوج منه ، ولم يذهب إلى السكون ) هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في المجاز ، والقائل : ولم يذهب إلى السكون ، قيل هو الفربري الراوي عن البخاري ، أراد أن ينبه على أن قول البخاري " أسكن " من المسكنة لا من السكون ، وإن كان أصل المادة واحدا ، ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لما فسر الصغار بالذلة وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة .

قوله : ( وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم ) ) هذه بقية الترجمة ، قيل وعطف العجم على من تقدم ذكره من عطف الخاص على العام ، وفيه نظر ، والظاهر أن بينهما خصوصا وعموما وجهيا ، فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق ، وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب ، وفرق الحنفية فقالوا : تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب ، وحكى الطحاوي عنهم تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف ، وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد ، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام ، وحكى ابن القاسم عنه لا تقبل من [ ص: 300 ] قريش ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس ، لكن حكى ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط ، ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم ، لكن حكى غيره عن أبي ثور حل ذلك ، قال ابن قدامة : هذا خلاف إجماع من تقدمه . قلت : وفيه نظر ، فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها ، وروى ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية ، وقال الشافعي : تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك ، واحتج بالآية المذكورة فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب وقد أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس فدل على إلحاقهم بهم واقتصر عليه . وقال أبو عبيد : ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة ، واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا فالجزية واحتجوا أيضا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية ، فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله " من أهل الكتاب " ، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع ، وروى الشافعي وغيره في ذلك حديثا عن علي ، وسيأتي في هذا الباب ذكره . وتعقب بقوله تعالى إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، وأجيب بأن المراد مما اطلع عليه القائلون وهم قريش لأنهم لم يشتهر عندهم من جميع الطوائف من له كتاب إلا اليهود والنصارى ، وليس في ذلك نفي بقية الكتب المنزلة كالزبور وصحف إبراهيم وغير ذلك .

قوله : ( وقال ابن عيينة إلخ ) وصله عبد الرزاق عنه به وزاد بعد قوله أهل الشام " من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية إلخ ، وأشار بهذا الأثر إلى جواز التفاوت في الجزية ، وأقل الجزية عند الجمهور دينار لكل سنة ، وخصه الحنفية بالفقير ، وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة ، وهو موافق لأثر مجاهد كما دل عليه حديث عمر ، وعن الشافعية أن للإمام أن يماكس حتى يأخذها منهم وبه قال أحمد ، روى أبو عبيد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب " عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر " وهذا على حساب الدينار باثني عشر . وعن مالك لا يزاد على الأربعين ، وينقص منها عمن لا يطيق ، وهذا محتمل أن يكون جعله على حساب الدينار بعشرة ، والقدر الذي لا بد منه دينار ، وفيه حديث مسروق عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال : خذ من كل حالم دينارا أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم ، واختلف السلف في أخذها من الصبي فالجمهور لا على مفهوم حديث معاذ ، وكذا لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قول ، والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخرا . ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث يشتمل الأخير على حديثين : أحدها حديث عبد الرحمن بن عوف .

قوله : ( سمعت عمرا ) ) هو ابن دينار .

قوله : ( كنت جالسا مع جابر بن زيد ) هو أبو الشعثاء البصري ( وعمرو بن أوس ) هو الثقفي المتقدم [ ص: 301 ] ذكر روايته عن عبد الرحمن بن أبي بكر في الحج وعن عبد الله بن عمرو في التهجد ، وليست له هنا رواية ، بل ذكره عمرو بن دينار ليبين أن بجالة لم يقصده بالتحدث وإنما حدث غيره فسمعه هو ، وهذا وجه من وجوه التحمل بالاتفاق ، وإنما اختلفوا هل يسوغ أن يقول " حدثنا " ؟ والجمهور على الجواز ، ومنع منه النسائي وطائفة قليلة ، وقال البرقاني : يقول " سمعت فلانا " .

قوله : ( فحدثهما بجالة ) ) هو بفتح الموحدة والجيم الخفيفة تابعي شهير كبير تميمي بصري وهو ابن عبدة بفتح المهملة والموحدة ، ويقال فيه عبد بالسكون بلا هاء ، وماله في البخاري سوى هذا الموضع .

قوله : ( عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة ) أي وحج حينئذ بجالة معه ، وبذلك صرح أحمد في روايته عن سفيان ، وكان مصعب أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير . وقتل مصعب بعد ذلك بسنة أو سنتين .

قوله : ( كنت كاتبا لجزء ) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة هكذا يقوله المحدثون ، وضبطه أهل النسب بكسر الزاي بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة . ومن قاله بلفظ التصغير فقد صحف . وهو ابن معاوية بن حصن بن عبادة التميمي السعدي ، عم الأحنف بن قيس . وهو معدود في الصحابة . وكان عامل عمر على الأهواز . ووقع في رواية الترمذي أنه كان على تنادر ( قلت ) هي من قرى الأهواز . وذكر البلاذري أنه عاش إلى خلافة معاوية ، وولي لزياد بعض عمله .

قوله : ( قبل موته بسنة ) كان ذلك سنة اثنتين وعشرين ، لأن عمر قتل سنة ثلاث .

قوله : ( فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس ) زاد مسدد وأبو يعلى في روايتهما " اقتلوا كل ساحر " قال : فقتلنا في يوم ثلاث سواحر ، وفرقنا بين المحارم منهم ، وصنع طعاما فدعاهم وعرض السيف على فخذيه ، فأكلوا بغير زمزمة " قال الخطابي : أراد عمر بالتفرقة بين المحارم من المجوس منعهم من إظهار ذلك وإفشاء عقودهم به ، وهو كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم . قلت قد روى سعيد بن منصور من وجه آخر عن بجالة ما يبين سبب ذلك ولفظه : أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم كيما نلحقهم بأهل الكتاب " فهذا يدل على أن ذلك عند عمر شرط في قبول الجزية منهم ، وأما الأمر بقتل الساحر فهو من مسائل الخلاف ، وقد وقع في رواية سعيد بن منصور المذكورة من الزيادة " واقتلوا كل ساحر وكاهن " وسيأتي الكلام على حكم الساحر في " باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر " .

قوله : ( ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ) قلت : إن كان هذا من جملة كتاب عمر فهو متصل وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف ، وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي ولفظه : فجاءنا كتاب عمر : انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية ، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني " فذكره . لكن أصحاب الأطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بجالة بن عبدة عن عبد الرحمن بن عوف ، وليس بجيد ، وقد أخرج أبو داود من طريق قشير بن عمرو عن بجالة عن ابن عباس قال " جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج قلت له : ما قضى الله ورسوله فيكم ؟ [ ص: 302 ] قال . شر ، الإسلام أو القتل . قال : وقال عبد الرحمن بن عوف : قبل منهم الجزية . قال ابن عباس فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت " ; وعلى هذا فبجالة يرويه عن ابن عباس سماعا وعن عمر كتابة كلاهما عن عبد الرحمن بن عوف ، وروى أبو عبيد بإسناد صحيح عن حذيفة " لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها " وفي الموطإ عن جعفر بن محمد عن أبيه " أن عمر قال : لا أدري ما أصنع بالمجوس فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وهذا منقطع مع ثقة رجاله ، ورواه ابن المنذر والدارقطني في " الغرائب " من طريق أبي علي الحنفي عن مالك فزاد فيه : عن جده ، وهو منقطع أيضا لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر ، فإن كان الضمير في قوله : عن جده " يعود على محمد بن علي فيكون متصلا لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف ، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ : سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب ، قال أبو عمر : هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص ، لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط . قلت : وقع في آخر رواية أبي علي الحنفي " قال مالك في الجزية : واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب " لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي " كان المجوس أهل كتاب يقرءونه وعلم يدرسونه ، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته ، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال : إن آدم كان ينكح أولاده بناته ، فأطاعوه وقتل من خالفه فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء " وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى " لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر : اجتمعوا . فقال : إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم ، ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم فقال علي : بل هم أهل كتاب " فذكر نحوه لكن قال : وقع على ابنته ، وقال في آخره : فوضع الأخدود لمن خالفه ، فهذا حجة لمن قال كان لهم كتاب ، وأما قول ابن بطال : لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأثر الوارد في ذلك لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم ، بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له . وقال ابن المنذر : ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقا عليه ، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه . وفي الحديث قبول خبر الواحد ، وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه ، وأنه لا نقص عليه في ذلك . وفيه التمسك بالمفهوم لأن عمر فهم من قوله : أهل الكتاب " اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بإلحاق المجوس بهم فرجع إليه . ثانيها حديث عمرو بن عوف .

السابق

|

| من 3

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة