شروح الحديث

شرح النووي على مسلم

يحيي بن شرف أبو زكريا النووي

دار الخير

سنة النشر: 1416هـ / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة:
باب فتح مكة

1780 حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي فأمرت بطعام يصنع ثم لقيت أبا هريرة من العشي فقلت الدعوة عندي الليلة فقال سبقتني قلت نعم فدعوتهم فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة قال فنظر فرآني فقال أبو هريرة قلت لبيك يا رسول الله فقال لا يأتيني إلا أنصاري زاد غير شيبان فقال اهتف لي بالأنصار قال فأطافوا به ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال حتى توافوني بالصفا قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ثم قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الأنصار قالوا لبيك يا رسول الله قال قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته قالوا قد كان ذاك قال كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم قال فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بسية القوس فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو وحدثنيه عبد الله بن هاشم حدثنا بهز حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد وزاد في الحديث ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى احصدوهم حصدا وقال في الحديث قالوا قلنا ذاك يا رسول الله قال فما اسمي إذا كلا إني عبد الله ورسوله
الحاشية رقم: 1
قوله : ( فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ) هي بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون وهما الميمنة والميسرة ، ويكون القلب بينهما ، ( وبعث أبا عبيدة على الحسر ) هو بضم الحاء وتشديد السين المهملتين : أي الذين لا دروع عليهم .

قوله : ( فأخذوا بطن الوادي ) أي جعلوا طريقهم في بطن الوادي .

[ ص: 465 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( اهتف لي بالأنصار ) أي ادعهم لي .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يأتيني إلا أنصاري ، ثم قال : فأطافوا ) إنما خصهم لثقته بهم ، ورفعا لمراتبهم ، وإظهارا لجلالتهم وخصوصيتهم .

قوله : ( ووبشت قريش أوباشا لها ) أي جمعت جموعا من قبائل شتى ، وهو بالباء الموحدة المشددة والشين المعجمة .

قوله : ( فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا ) أي لا يدفع أحد عن نفسه .

قوله : ( قال أبو سفيان : أبيحت خضراء قريش ، لا قريش بعد اليوم ) كذا في هذه الرواية ( أبيحت ) وفي التي بعدها ( أبيدت ) وهما متقاربان أي استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت ، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم ، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة ومنه السواد الأعظم .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها ; لأن أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضي الملك ، وما سوى ذلك مجاز ، وفيه تأليف لأبي سفيان ، وإظهار لشرفه .

قوله : ( فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ، ورأفة بعشيرته ، وذكر نزول الوحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار ، قالوا : لبيك يا رسول الله ، قال : قلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ، قالوا : قد كان ذلك ، قال : كلا ، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم ) معنى هذه الجملة : أنهم رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة وكف القتل عنهم ، فظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائما ، ويرحل عنهم ويهجر المدينة ، فشق ذلك عليهم ، فأوحى الله تعالى إليه صلى الله عليه وسلم فأعلمهم بذلك ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : [ ص: 466 ] قلتم كذا وكذا ؟ قالوا : نعم قد قلنا هذا ، فهذه معجزة من معجزات النبوة ، فقال : " كلا إني عبد الله ورسوله " معنى ( كلا ) هنا : حقا ، ولها معنيان : أحدهما : حقا ، والآخر : النفي .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إني عبد الله ورسوله ) فيحتمل وجهين : أحدهما : أني رسول الله حقا فيأتيني الوحي وأخبر بالمغيبات كهذه القضية وشبهها ، فثقوا بما أقول لكم وأخبركم به في جميع الأحوال ، والآخر لا تفتنوا بإخباري إياكم بالمغيبات وتطروني كما أطرت النصارى عيسى صلوات الله عليه ، فإني عبد الله ورسوله .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( هاجرت إلى الله وإليكم ، المحيا محياكم والممات مماتكم ) فمعناه : أني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ، ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى ، بل أنا ملازم لكم ( المحيا محياكم والممات مماتكم ) أي : لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم ، وهذا أيضا من المعجزات ، فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا ، قالوا : والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك ، ونتبرك بك ، وتهدينا الصراط المستقيم ، كما قال الله تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وهذا معنى قولهم : ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بك ، هو بكسر الضاد ، أي : شحا بك أن تفارقنا ، ويختص بك غيرنا ، وكان بكاؤهم فرحا بما قال لهم ، وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحيا منه .

قوله : ( فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت ) فيه الابتداء بالطواف في أول دخول مكة ، سواء كان محرما بحج أو عمرة أو غير محرم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في هذا اليوم ، وهو يوم الفتح غير محرم بإجماع المسلمين ، وكان على رأسه المغفر ، والأحاديث متظاهرة على ذلك ، والإجماع منعقد عليه . وأما قول القاضي عياض - رضي الله عنه - : أجمع العلماء على تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، ولم يختلفوا في أن من دخلها بعده لحرب أو بغي أنه لا يحل له دخولها حلالا فليس كما نقل ، بل مذهب الشافعي وأصحابه وآخرين أنه يجوز دخولها حلالا للمحارب بلا خلاف ، وكذا لمن يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره ، وأما من لا عذر له أصلا فللشافعي - رضي الله عنه - فيه قولان مشهوران أصحهما : أنه يجوز له دخولها بغير إحرام ، لكن يستحب له الإحرام ، والثاني : لا يجوز ، وقد سبقت المسألة في أول كتاب الحج .

[ ص: 467 ] قوله : ( فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه فجعل يطعنه بسية قوسه ) ( السية ) بكسر السين وتخفيف الياء المفتوحة ، المنعطف من طرفي القوس ، وقوله : ( يطعن ) بضم العين على المشهور ، ويجوز فتحها في لغة ، وهذا الفعل إذلال للأصنام ولعابديها ، وإظهار لكونها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها كما قال الله تعالى : وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه .

قوله : ( جعل يطعن في عينه ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ) وقال في الرواية التي بعد هذه : ( وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل يطعنها بعود كان في يده ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) النصب : الصنم .

وفي هذا استحباب قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر .

قوله : ( ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى : احصدوهم حصدا ) هو بضم الصاد وكسرها ، وقد استدل بهذا من يقول : إن مكة فتحت عنوة ، وقد اختلف العلماء فيها فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء وأهل السير : فتحت عنوة ، وقال الشافعي فتحت صلحا ، وادعى المازري أن الشافعي انفرد بهذا القول ، واحتج الجمهور بهذا الحديث ، وبقوله : أبيدت خضراء قريش ، قالوا : وقال صلى الله عليه وسلم : من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فلو كانوا كلهم آمنين لم يحتج إلى هذا ، وبحديث ( أم هانئ - رضي الله عنها - حين أجارت رجلين أراد علي - رضي الله عنه - قتلهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت ) فكيف يدخلها صلحا ويخفى ذلك على علي - رضي الله عنه - حتى يريد قتل رجلين دخلا في الأمان ؟ وكيف يحتاج إلى أمان أم هانئ بعد الصلح ؟ واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( احصدوهم ) ، قتل خالد من قتل ، فهو محمول على من أظهر من كفار [ ص: 468 ] مكة قتالا ، وأما أمان من دخل دار أبي سفيان ومن ألقى سلاحه ، وأمان أم هانئ فكله محمول على زيادة الاحتياط لهم بالأمان ، وأما هم علي - رضي الله عنه - بقتل الرجلين ، فلعله تأول منهما شيئا ، أو جرى منهما قتال أو نحو ذلك .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة