الفتاوى

مجموع فتاوى ابن تيمية

تقي الدين ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416هـ/1995م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

الكتب » مجموع فتاوى ابن تيمية » الفقه » كتاب النكاح » باب نكاح الكفار » مسألة حكم بكفره ثم حلف بالطلاق من امرأته ثلاثا فما الحكم إذا رجع

مسألة: الجزء الثاني والثلاثون
وسئل رحمه الله تعالى عن الإماء الكتابيات : ما الدليل على وطئهن بملك اليمين من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار ؟ وعلى تحريم الإماء المجوسيات ؟ أفتونا مأجورين ؟

الحاشية رقم: 1
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . وطء " الإماء الكتابيات " بملك اليمين أقوى من وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم ; ولم يذكر عن أحد من السلف تحريم ذلك كما نقل عن بعضهم المنع من نكاح الكتابيات ; وإن كان ابن المنذر قد قال : لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم نكاحهن . ولكن التحريم هو قول الشيعة ; ولكن في كراهة نكاحهن مع عدم الحاجة نزاع والكراهة معروفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وكذلك كراهة وطء الإماء ؟ فيه نزاع .

روي عن الحسن : أنه كرهه . والكراهة في ذلك مبنية [ ص: 182 ] على كراهة التزوج . وأما التحريم فلا يعرف عن أحد ; بل قد تنازع العلماء في جواز تزويج الأمة الكتابية : جوزه أبو حنيفة وأصحابه وحرمه مالك والشافعي والليث والأوزاعي وعن أحمد روايتان : أشهرهما كالثاني ; فإن الله سبحانه إنما أباح نكاح المحصنات بقوله تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } الآية . فأباح المحصنات منهم وقال في آية الإماء : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض } فإنما أباح النساء المؤمنات ; وليس هذا موضع بسط هذه المسألة .

وأما " الأمة المجوسية " فالكلام فيها ينبني على أصلين .

" أحدهما " أن نكاح المجوسيات لا يجوز كما لا يجوز نكاح الوثنيات . وهذا مذهب الأئمة الأربعة وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع .

و " الأصل الثاني " أن من لا يجوز نكاحهن لا يجوز وطؤهن بملك اليمين كالوثنيات وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وحكي عن أبي ثور : أنه : قال يباح وطء الإماء بملك اليمين على أي دين كن [ ص: 183 ] وأظن . هذا يذكر عن بعض المتقدمين . فقد تبين أن في وطء الأمة الوثنية نزاعا . وأما الأمة الكتابية فليس في وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع ; بل في التزوج بها خلاف مشهور . وهذا كله مما يبين أن القول بجواز التزوج بهن مع المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه . وحينئذ فنقول : الدليل على أنه لا يحرم التسري بهن وجوه :

" أحدها " أن الأصل الحل ولم يقم على تحريمهن دليل من نص ولا إجماع ولا قياس فبقي حل وطئهن على الأصل ; وذلك أن ما يستدل به من ينازع في حل نكاحهن كقوله : { ولا تنكحوا المشركات } وقوله : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } إنما يتناول النكاح ; لا يتناول الوطء بملك اليمين .

ومعلوم أنه ليس في السنة ولا في القياس ما يوجب تحريمهن فيبقى الحل على الأصل .

" الثاني " أن قوله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون } { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } يقتضي عموم جواز الوطء بملك اليمين مطلقا إلا ما استثناه الدليل ; حتى إن عثمان وغيره من الصحابة جعلوا مثل هذا النص متناولا للجمع بين الأختين حين قالوا : أحلتهما آية وحرمتهما آية . فإذا كانوا قد جعلوه عاما في صورة حرم فيها النكاح فلأن يكون عاما في صورة لا يحرم فيها النكاح أولى وأحرى . [ ص: 184 ] " الثالث " أن يقال : قد أجمع العلماء على حل ذلك كما ذكرناه ولم يقل أحد من المسلمين : إنه يجوز نكاحهن ويحرم التسري بهن ; بل قد قيل : يحرم الوطء في ملك اليمين حيث يحرم الوطء في النكاح .

وقيل : يجوز التزوج بهن . فعلم أن الأمة مجمع على التسري بها ولم يكن أرجح من حل النكاح ; ولم يكن دونه . فلو حرم التسري دون النكاح كان خلاف الإجماع " الرابع " أن يقال : إن حل نكاحهن يقتضي حل التسري بهن من طريق الأولى والأحرى . وذلك أن كل من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك اليمين بلا نزاع .

وأما العكس فقد تنازع فيه ; وذلك لأن ملك اليمين أوسع ; لا يقتصر فيه على عدد ; والنكاح يقتصر فيه على عدد . وما حرم فيه الجمع بالنكاح قد نوزع في تحريم الجمع فيه بملك اليمين ; وله أن يستمتع بملك اليمين مطلقا من غير اعتبار قسم ولا استئذان في عزل ونحو ذلك مما حجر عليه فيه لحق الزوجة . وملك النكاح نوع رق وملك اليمين رق تام وأباح الله للمسلمين أن يتزوجوا أهل الكتاب ; ولا يتزوج أهل الكتاب نساءهم ; لأن النكاح نوع رق كما قال عمر : النكاح رق ; فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته .

وقال زيد بن ثابت : الزوج سيد في كتاب الله ; وقرأ قوله تعالى { وألفيا سيدها لدى الباب } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم } فجوز [ ص: 185 ] للمسلم أن يسترق هذه الكافرة ولم يجوز للكافر أن يسترق هذه المسلمة لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه كما جوز للمسلم أن يملك الكافر ولم يجوز للكافر أن يملك المسلم . فإذا جواز وطئهن من ملك تام أولى وأحرى . يوضح ذلك : أن المانع : إما الكفر ; وإما الرق . وهذا الكفر ليس بمانع ; والرق ليس مانعا من الوطء بالملك ; وإنما يصلح أن يكون مانعا من التزوج . فإذا كان المقتضي للوطء قائما والمانع منتفيا : جاز الوطء . فهذا الوجه مشتمل على " قياس التمثيل " وعلى " قياس الأولى " ويخرج منه " وجه رابع " يجعل " قياس التعليل " . فيقال : الرق مقتض لجواز وطء المملوكة ; كما نبه النص على هذه العلة كقوله : { أو ما ملكت أيمانكم } وإنما يمتنع الوطء بسبب . يوجب التحريم ; بأن تكون محرمة بالرضاع ; أو بالصهر أو بالشرك ونحو ذلك . وهذه ليس فيها ما يصلح للمنع إلا كونها كتابية وهذا ليس بمانع فإذا كان المقتضي للحل قائما والمانع المذكور لا يصلح أن يكون معارضا : وجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم . وهذه الوجوه بعد تمام تصورها توجب القطع بالحل .

" الوجه الخامس " أن من تدبر سير الصحابة والسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وجد آثارا كثيرة تبين أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مانعا ; بل هذه كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه : مثل الذي كانت له أم ولد وكانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم فقام يقتلها [ ص: 186 ] وقد روى حديثها أبو داود وغيره . وهذه لم تكن مسلمة لكن هذه القصة قد يقال : إنه لا حجة فيها ; لأنها كانت في أوائل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولم يكن حينئذ يحرم نكاح المشركات وإنما ثبت التحريم بعد الحديبية لما أنزل الله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وطلق عمر امرأته كانت بمكة وأما الآية التي في البقرة فلا يعلم تاريخ نزولها وفي البقرة ما نزل متأخرا كآيات الزنا وفيها ما نزل متقدما : كآيات الصيام . ومثل ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك قال للحر بن قيس : هل لك في نساء بني الأصفر ؟ فقال : { ائذن لي ولا تفتني } } ومثل فتحه لخيبر وقسمه للرقيق ولم ينه المسلمين عن وطئهن حتى يسلمن كما أمرهم بالاستبراء . بل من يبيح " وطء الوثنيات بملك اليمين " قد يستدل بما جرى يوم أوطاس من قوله : { لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة } على جواز وطء الوثنيات بملك اليمين . وفي هذا كلام ليس هذا موضعه والصحابة لما فتحوا البلاد لم يكونوا يمتنعون عن وطء النصرانيات .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة