علوم القرآن

الإتقان في علوم القرآن

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1419هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 466 ] النوع الثمانون في طبقات المفسرين .

اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة : الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير .

أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب ، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا ، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم ، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر رضي الله عنه للحديث ، ولا أحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلا آثارا قليلة جدا ، لا تكاد تجاوز العشرة .

وأما علي : فروي عنه الكثير ، وقد روى معمر ، عن وهب بن عبد الله ، عن أبي الطفيل قال : شهدت عليا يخطب وهو يقول : سلوني فوالله لا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن . وأخرج أيضا من طريق أبي بكر بن عياش ، عن نصير بن سليمان الأحمسي ، عن أبيه عن علي قال : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت ، وأين أنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ، ولسانا سئولا .

وأما ابن مسعود فروي عنه أكثر مما روى عن علي ، وقد أخرج ابن جرير وغيره [ ص: 467 ] عنه أنه قال : والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ، وأين نزلت ، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته .

وأخرج أبو نعيم عن أبي البحتري قال : قالوا لعلي : أخبرنا عن ابن مسعود قال : علم القرآن والسنة ثم انتهى ، وكفى بذلك علما .

وأما ابن عباس فهو ترجمان القرآن الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقال له أيضا : اللهم آته الحكمة وفي رواية : اللهم علمه الحكمة .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس فقال : اللهم بارك فيه وانشر منه .

وأخرج من طريق عبد المؤمن بن خالد بن عبد الله بن بريدة ، عن ابن عباس قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل ، فقال له جبريل : إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوص به خيرا .

وأخرج من طريق عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب ، عن مجاهد قال : قال ابن عباس : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ترجمان القرآن أنت . وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال : نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس .

وأخرج أبو نعيم عن مجاهد قال : كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه .

وأخرج عن ابن الحنفية قال : كان ابن عباس حبر هذه الأمة .

[ ص: 468 ] وأخرج عن الحسن قال : إن ابن عباس كان من القرآن بمنزل ، كان عمر يقول : ذاكم فتى الكهول ، إن له لسانا سئولا ، وقلبا عقولا .

وأخرج من طريق عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رجلا أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما [ الأنبياء : 30 ] . فقال : اذهب إلى ابن عباس ، فسأله ثم تعال فأخبرني فذهب فسأله فقال : كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وهذه بالنبات ، فرجع إلى ابن عمر فأخبره ، فقال : قد كنت أقول : ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن ، فالآن قد علمت أنه أوتي علما .

وأخرج البخاري من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم يدخل هذا معنا ، وإن لنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن علمتم ، ودعاهم ذات يوم ، فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال : ما تقولون في قول الله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا . فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به قال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول .

وأخرج أيضا من طريق ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس قال : قال عمر بن [ ص: 469 ] الخطاب يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيمن ترون هذه الآية نزلت : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب [ البقرة : 266 ] . قالوا : الله أعلم . فغضب عمر ، فقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء فقال : يابن أخي ، قل ولا تحقر نفسك . قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . فقال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله .

وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من المهاجرين من الصحابة ، فذكروا ليلة القدر ، فتكلم كل بما عنده ، فقال عمر : ما لك يا ابن عباس صامت لا تتكلم ؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة .

قال ابن عباس : ، فقلت يا أمير المؤمنين ، إن الله وتر يحب الوتر ، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع ، وخلق أرزاقنا من سبع ، وخلق الإنسان من سبع ، وخلق فوقنا سماوات سبع ، وخلق تحتنا أرضين سبعا ، وأعطى من المثاني سبعا ، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع ، وقسم الميراث في كتابه على سبع ، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعا ، وبين الصفا والمروة سبعا ، ورمى الجمار بسبع ، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان ، فتعجب عمر فقال : ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه ثم قال : يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأداء ابن عباس .

وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة ، وفيه روايات وطرق مختلفة ، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه .

قال أحمد بن حنبل : بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة ، لو رحل [ ص: 470 ] رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا . أسنده أبو جعفر النحاس في ناسخه .

قال ابن حجر : وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس وهي عند البخاري ، عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس .

وأخرج منها ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، كثيرا بوسائط بينهم وبين أبي صالح .

وقال قوم : لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير ، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير .

قال ابن حجر : بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك .

وقال الخليلي في الإرشاد : تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث ، عن معاوية ، وأجمع الحفاظ على أن ابن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس .

قال : وهذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية ، ورواتها مجاهيل كتفسير جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس .

وعن ابن جريج في التفسير جماعة رووا عنه ، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي ، عن عبد الغني بن سعيد ، عن موسى بن محمد ، عن ابن جريج ، وفيه نظر . وروى محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، نحو ثلاثة أجزاء كبار وذلك صححوه .

وروى الحجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، نحو جزء وذلك صحيح متفق عليه .

وتفسير شبل بن عباد المكي ، عن أبي جريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قريب إلى الصحة . وتفسير عطاء بن دينار يكتب ويحتج به .

وتفسير أبي روق نحو جزء صححوه .

وتفسير إسماعيل السدي يورده بأسانيد إلى ابن مسعود ، وابن عباس .

وروى عن [ ص: 471 ] السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر ، وأسباط لم يتفقوا عليه ، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي . فأما ابن جرير فإنه لم يقصد الصحة ، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم .

وتفسير مقاتل بن سليمان : فمقاتل في نفسه ضعفوه ، وقد أدرك الكبار من التابعين ، والشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح . انتهى كلام الإرشاد .

وتفسير السدي الذي أشار إليه يورد منه ابن جرير كثيرا من طريق السدي ، عن أبي مالك ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وناس من الصحابة هكذا ، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئا لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد . والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه ، لكن من طريق مرة ، عن ابن مسعود ، وناس فقط دون الطريق الأول . وقد قال ابن كثير : إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة .

ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عنه . وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين ، وكثيرا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه .

ومن ذلك طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، مولى آل زيد بن ثابت ، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير - عنه ، هكذا بالترديد وهي طريق جيدة وإسنادها حسن . وقد أخرج منها ابن جرير ، وابن أبي حاتم كثيرا . وفي معجم الطبراني الكبير منها أشياء .

وأوهى طرقه طريق الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب ، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي ، والواحدي .

لكن قال ابن عدي في الكامل : للكلبي أحاديث صالحة ، وخاصة عن أبي صالح ، [ ص: 472 ] وهو معروف بالتفسير ، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع ، وبعده مقاتل بن سليمان ، إلا أن الكلبي يفضل عليه ، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة .

وطريق الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس منقطعة ، فإن الضحاك لم يلقه ، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة ، عن أبي روق عنه فضعيفة لضعف بشر .

وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير وابن أبي حاتم ، وإن كان من رواية جويبر ، عن الضحاك فأشد ضعفا ، لأن جويبرا شديد الضعف متروك ، ولم يخرج ابن جرير ، ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئا ، إنما خرجها ابن مردويه والشيخ ابن حبان .

وطريق العوفي عن ابن عباس ، أخرج منها ابن جرير ، وابن أبي حاتم كثيرا ، والعوفي ضعيف ليس بواه ، وربما حسن له الترمذي .

ورأيت عن فضائل الإمام الشافعي لأبي عبد الله بن محمد بن أحمد بن شاكر القطان : أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم ، قال : سمعت الشافعي يقول : لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث .

وأما أبي بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عنه . وهذا إسناد صحيح وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم منها كثيرا ، وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده .

وقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير ، كأنس ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وجابر ، وأبي موسى الأشعري . وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة ، وما أشبهها ، بأن يكون ما تحمله عن أهل الكتاب كالذي ورد عنه في قوله تعالى : في ظلل من الغمام [ البقرة : 210 ] . وكتابنا الذي أشرنا إليه جامع لجميع ما ورد عن الصحابة من ذلك .

طبقة التابعين : قال ابن تيمية : أعلم الناس بالتفسير أهل مكة; لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وطاوس وغيرهم .

وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود ، [ ص: 473 ] وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم ، الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ، ومالك بن أنس انتهى .

فمن المبرزين منهم مجاهد . قال الفضل بن ميمون : سمعت مجاهدا يقول : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة .

وعنه أيضا قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية منه ، وأسأله عنها فيم نزلت ؟ وكيف كانت ؟ .

وقال خصيف : كان أعلمهم بالتفسير مجاهد .

وقال النووي : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .

قال ابن تيمية : ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم .

قلت : وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه ، وما أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جدا .

ومنهم سعيد بن جبير . قال سفيان الثوري : خذوا التفسير عن أربعة : عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك .

وقال قتادة : كان أعلم التابعين أربعة ، كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك ، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير ، وكان عكرمة أعلمهم بالسير ، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام .

[ ص: 474 ] ومنهم عكرمة مولى ابن عباس . قال الشعبي : ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة .

وقال سماك بن حرب : سمعت عكرمة يقول : لقد فسرت ما بين اللوحين .

وقال عكرمة : كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل ، ويعلمني القرآن والسنن .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سماك قال : قال عكرمة : كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس .

ومنهم الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطاء بن أبي سلمة الخراساني ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبو العالية ، والضحاك بن مزاحم ، وعطية العوفي ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، ومرة الهمداني ، وأبو مالك ، ويليهم الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في آخرين . فهؤلاء قدماء المفسرين ، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة .

ثم بعد هذه الطبقة ألفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين ، كتفسير سفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وشعبة بن الحجاج ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرزاق ، وآدم بن أبي إياس ، وإسحاق بن راهويه ، وروح بن عبادة ، وعبد بن حميد ، وسنيد ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وآخرين .

وبعدهم ابن جرير الطبري ، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها ، ثم ابن أبي حاتم ، وابن ماجه ، والحاكم ، وابن مردويه ، وأبو الشيخ ابن حيان ، وابن المنذر في آخرين ، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم ، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير ، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض ، والإعراب والاستنباط فهو يفوقها بذلك .

ثم ألف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ، ونقلوا الأقوال بترا فدخل من هنا الدخيل ، والتبس الصحيح بالعليل ، ثم صار كل من يسنح له قول يورده ، ومن يخطر بباله [ ص: 475 ] شيء يعتمده ، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ، ظانا أن له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ، ومن يرجع إليهم في التفسير ، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى : غير المغضوب عليهم ولا الضالين نحو عشرة أقوال وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين ، وأتباعهم ، حتى قال ابن أبي حاتم : لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين .

ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في علوم ، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه .

فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب ، وتكثير الأوجه المحتملة فيه ، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته ، كالزجاج ، والواحدي في البسيط ، وأبي حيان في البحر والنهر .

والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها ، والإخبار عمن سلف ، سواء كانت صحيحة أو باطلة كالثعلبي .

والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد ، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية ، والجواب عن أدلة المخالفين كالقرطبي .

وصاحب العلوم العقلية خصوصا الإمام فخر الدين قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ، وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية .

قال أبو حيان في البحر : جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك قال بعض العلماء : فيه كل شيء إلا التفسير .

والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد ، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها ، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه .

قال البلقيني : استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش من قوله تعالى في تفسير : فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز [ آل عمران : 185 ] . وأي فوز أعظم من دخول الجنة ! أشار به إلى عدم الرؤية .

[ ص: 476 ] والملحد فلا تسأل عن كفره وإلحاده في آيات الله ، وافترائه على الله ما لم يقله ، كقول بعضهم في : إن هي إلا فتنتك [ الأعراف : 155 ] . ما على العباد أضر من ربهم . وكقوله في سحرة موسى ما قال ، وقول الرافضة في : يأمركم أن تذبحوا بقرة [ البقرة : 67 ] . ما قالوا . وعلى هذا وأمثاله يحمل ما أخرجه أبو يعلى وغيره عن حذيفة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في أمتي قوما يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل ، يتأولونه على غير تأويله .

فإن قلت : فأي التفاسير ترشد إليه وتأمر الناظر أن يعول عليه ؟

قلت : تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله .

قال النووي في تهذيبه : كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله .

وقد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة ، والأقوال المقولة ، والاستنباطات والإشارات ، والأعاريب واللغات ، ونكت البلاغة ، ومحاسن البدائع ، وغير ذلك بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا ، وسميته ب " مجمع البحرين ومطلع البدرين " وهو الذي جعلت هذا الكتاب مقدمة له ، والله أسأل أن يعين على إكماله بمحمد وآله .

السابق

|

| من 78

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة