تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

الكتب » التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب » سورة الملك » قوله تعالى ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير

مسألة:
( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير )

( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ) يعني عادا وثمود وكفار الأمم ، وفيه وجهان :

أحدهما : قال الواحدي : ( فكيف كان نكير ) أي إنكاري وتغييري ، أليس وجدوا العذاب حقا .

والثاني : قال أبو مسلم : النكير عقاب المنكر ، ثم قال : وإنما سقط الياء من نذيري ، ومن نكيري حتى تكون مشابهة لرءوس الآي المتقدمة عليها ، والمتأخرة عنها . وأما البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه تعالى قادرا على إيصال جميع أنواع العذاب إليهم ؛ وذلك البرهان من وجوه :

البرهان الأول : هو قوله تعالى : ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ) . [ ص: 63 ]

( صافات ) أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ( ويقبضن ) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قيل : لم قال : ( ويقبضن ) ولم يقل : وقابضات ، قلنا : لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح .

ثم قال تعالى : ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه ، وههنا سؤالان :

السؤال الأول : هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، قلنا : نعم ، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير .

ثم إنه تعالى قال : ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى .

السؤال الثاني : أنه تعالى قال : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ) ( النحل : 79 ) وقال ههنا : ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) فما الفرق ؟ قلنا : ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية ، وذكر ههنا أنها صافات وقابضات ، فكان إلهامها إلى كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن .

ثم قال تعالى : ( إنه بكل شيء بصير ) وفيه وجهان :

الوجه الأول : المراد من البصير ، كونه عالما بالأشياء الدقيقة ، كما يقال : فلان بصر في هذا الأمر ، أي حذق .

والوجه الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : إنه تعالى شيء ، والله بكل شيء بصير ، فيكون رائيا لنفسه ولجميع الموجودات ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئيا وأن كل الموجودات كذلك ، فإن قيل : البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم ، يقال : فلان بصير بكذا إن كان عالما به ، قلنا : لا نسلم ، فإنه يقال : إن الله سميع بالمسموعات ، بصير بالمبصرات .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة