تفسير القرآن

تفسير الطبري

محمد بن جرير الطبري

دار المعارف

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

الكتب » تفسير الطبري » تفسير سورة الزخرف » القول في تأويل قوله تعالى " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم "

مسألة: الجزء الحادي والعشرون
[ ص: 592 ] القول في تأويل قوله تعالى : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( 31 ) أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون ( 32 ) )

يقول - تعالى ذكره - : وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش لما جاءهم القرآن من عند الله : هذا سحر ، فإن كان حقا فهلا نزل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين مكة أو الطائف .

واختلف في الرجل الذي وصفوه بأنه عظيم ، فقالوا : هلا نزل عليه هذا القرآن ، فقال بعضهم : هلا نزل على الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة ، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من أهل الطائف ؟ .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) قال : يعني بالعظيم : الوليد بن المغيرة القرشي ، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ، وبالقريتين : مكة والطائف .

وقال آخرون : بل عنى به عتبة بن ربيعة من أهل مكة ، وابن [ ص: 593 ] عبد ياليل ، من أهل الطائف .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( على رجل من القريتين عظيم ) قال عتبة بن ربيعة من أهل مكة ، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف .

وقال آخرون : بل عنى به من أهل مكة : الوليد بن المغيرة ، ومن أهل الطائف : ابن مسعود .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( رجل من القريتين عظيم ) قال : الرجل : الوليد بن المغيرة قال : لو كان ما يقول محمد حقا أنزل علي هذا ، أو على ابن مسعود الثقفي ، والقريتان : الطائف ومكة ، وابن مسعود الثقفي من الطائف اسمه عروة بن مسعود .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) والقريتان : مكة والطائف ؛ قال : قد قال ذلك مشركو قريش ، قال : بلغنا أنه ليس فخذ من قريش إلا قد ادعته ، وقالوا : هو منا ، فكنا نحدث أن الرجلين : الوليد بن المغيرة ، وعروة الثقفي أبو مسعود ، يقولون : هلا كان أنزل على أحد هذين الرجلين .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب : قال ابن زيد ، في قوله : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) قال : كان أحد العظيمين عروة بن مسعود الثقفي ، كان عظيم أهل الطائف .

وقال آخرون : بل عنى به من أهل مكة : الوليد بن المغيرة ، ومن أهل الطائف : كنانة بن عبد بن عمرو .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) قال : الوليد بن المغيرة [ ص: 594 ] القرشي ، وكنانة بن عبد بن عمرو بن عمير ، عظيم أهل الطائف .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال - جل ثناؤه - مخبرا عن هؤلاء المشركين ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) إذ كان جائزا أن يكون بعض هؤلاء ، ولم يضع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه ، ولا على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - والاختلاف فيه موجود على ما بينت .

وقوله : ( أهم يقسمون رحمة ربك ) يقول - تعالى ذكره - : أهؤلاء القائلون : لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يا محمد ، يقسمون رحمة ربك بين خلقه ، فيجعلون كرامته لمن شاءوا ، وفضله لمن أرادوا ، أم الله الذي يقسم ذلك ، فيعطيه من أحب ، ويحرمه من شاء ؟ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبوكريب قال : ثنا عثمان بن سعيد قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك ، ومن أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ) وقال ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ) يعني : أهل الكتب الماضية ، أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم ، وإن كانوا بشرا فلا تنكرون أن يكون محمد رسولا قال : ثم قال : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم؛ قال : فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا ، وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة ف ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) يقولون : أشرف من محمد - صلى الله عليه وسلم - يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي ، وكان يسمى ريحانة قريش ، هذا [ ص: 595 ] من مكة ، ومسعود بن عمرو بن عبيد الله الثقفي من أهل الطائف ، قال : يقول الله عز وجل ردا عليهم ( أهم يقسمون رحمة ربك ) أنا أفعل ما شئت .

وقوله : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) يقول - تعالى ذكره - : بل نحن نقسم رحمتنا وكرامتنا بين من شئنا من خلقنا ، فنجعل من شئنا رسولا ومن أردنا صديقا ، ونتخذ من أردنا خليلا كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات ، فجعلنا بعضهم فيها أرفع من بعض درجة ، بل جعلنا هذا غنيا ، وهذا فقيرا ، وهذا ملكا ، وهذا مملوكا ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال : قال الله تبارك وتعالى ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) فتلقاه ضعيف الحيلة ، عي اللسان ، وهو مبسوط له في الرزق ، وتلقاه شديد الحيلة ، سليط اللسان ، وهو مقتور عليه ، قال الله - جل ثناؤه - : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى .

وقوله : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) يقول : ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه ، وفي عود هذا على هذا بما في يديه من فضل ، يقول : جعل - تعالى ذكره - بعضا لبعض سببا فى المعاش ، في الدنيا .

وقد اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) فقال بعضهم : معناه ما قلنا فيه .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : [ ص: 596 ] ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) قال : يستخدم بعضهم بعضا في السخرة .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) قال : هم بنو آدم جميعا ، قال : وهذا عبد هذا ، ورفع هذا على هذا درجة ، فهو يسخره بالعمل ، يستعمله به ، كما يقال : سخر فلان فلانا .

وقال بعضهم : بل عنى بذلك : ليملك بعضهم بعضا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، في قوله : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) يعني بذلك : العبيد والخدم سخر لهم .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ملكه .

وقوله : ( ورحمة ربك خير مما يجمعون ) يقول - تعالى ذكره - : ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ورحمة ربك خير مما يجمعون ) يعني الجنة .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( ورحمة ربك ) يقول : الجنة خير مما يجمعون في الدنيا .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة