الفقه المقارن

المغني

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة

دار إحيار التراث العربي

سنة النشر: 1405هـ / 1985م
رقم الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء السادس
[ ص: 195 ] ميراث الجد روى أبو داود ، بإسناده عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن الحصين ، { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابن ابن ابني مات ، فما لي من ميراثه ؟ قال : لك السدس . فلما أدبر دعاه ، فقال : إن لك سدسا آخر . فلما أدبر دعاه ، فقال : إن لك السدس الآخر طعمة . } قال قتادة : فلا ندري أي شيء ورثه . قال قتادة أقل شيء ورث الجد السدس .

وروي عن الحسن أيضا ، أن عمر رضي الله عنه قال : { أيكم يعلم ما ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد ؟ فقال معقل بن يسار : أنا ، ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس . قال : مع من ؟ قال : لا أدري . قال : لا دريت . قال : فما يغني إذا ، } رواه سعيد ، في " سننه " . قال أبو بكر بن المنذر : أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الجد أبا الأب ، لا يحجبه عن الميراث غير الأب ، وأنزلوا الجد في الحجب والميراث منزلة الأب في جميع المواضع ، إلا في ثلاثة أشياء .

أحدها ، زوج وأبوان . والثانية ، زوجة وأبوان ، للأم ثلث الباقي فيهما مع الأب ، وثلث جميع المال لو كان مكان الأب جد . والثالثة ، اختلفوا في الجد مع الإخوة والأخوات للأبوين أو للأب . ولا خلاف بينهم في إسقاطه بني الإخوة وولد الأم ، ذكرهم وأنثاهم . وذهب الصديق رضي الله عنه إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات ، كما يسقطهم الأب .

وبذلك قال عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير . وروي ذلك عن عثمان ، وعائشة ، وأبي بن كعب ، وأبي الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وأبي موسى ، وأبي هريرة رضي الله عنهم . وحكي أيضا عن عمران بن الحصين ، وجابر بن عبد الله ، وأبي الطفيل ، وعبادة بن الصامت ، وعطاء وطاوس ، وجابر بن زيد .

وبه قال قتادة ، وإسحاق ، وأبو ثور ونعيم بن حماد ، وأبو حنيفة ، والمزني ، وابن شريح ، وابن اللبان ، وداود ، وابن المنذر . وكان علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم يورثونهم معه ، ولا يحجبونهم به . وبه قال مالك والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد ; لأن الأخ ذكر يعصب أخته ، فلم يسقطه الجد ، كالابن .

ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب ، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس ، وما وجد شيء من ذلك ، فلا يحجبون ; ولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون فيه ، فإن الأخ والجد يدليان بالأب ، الجد أبوه ، والأخ ابنه ، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة ، بل ربما كانت أقوى ; فإن الابن يسقط تعصيب الأب ، ولذلك مثله علي رضي الله عنه بشجرة أنبتت غصنا ، فانفرق منه غصنان ، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة ، ومثله زيد بواد خرج منه نهر ، انفرق منه جدولان ، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي .

واحتج من ذهب مذهب أبي بكر رضي الله عنه بقول النبي : صلى الله عليه وسلم { ألحقوا الفرائض بأهلها ، وما بقي فلأولى عصبة ذكر } . والجد أولى من الأخ ، بدليل المعنى والحكم ; أما المعنى فإنه له قرابة إيلاد وبعضية كالأب ، وأما الحكم فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ دونه ، ولا يسقطه أحد إلا الأب ، والإخوة والأخوات يسقطون بثلاثة ، ويجمع له بين الفرض والتعصيب ، كالأب ، وهم ينفردون بواحد منهما ، ويسقط [ ص: 196 ] ولد الأم ، وولد الأب يسقطون بهم بالإجماع إذا استغرقت الفروض المال ، وكانوا عصبة .

وكذلك ولد الأبوين في المشركة عند الأكثرين ، ولأنه لا يقتل بقتل ابن ابنه ، ولا يحد بقذفه ، ولا يقطع بسرقة ماله ، ويجب عليه نفقته ، ويمنع من دفع زكاته إليه ، كالأب سواء ، فدل ذلك على قوته . فإن قيل : فالحديث حجة في تقديم الأخوات ; لأن فروضهن في كتاب الله ، فيجب أن تلحق بهن فروضهن ، ويكون للجد ما بقي . فالجواب ، أن هذا الخبر حجة في الذكور المنفردين ، وفي الذكور مع الإناث .

أو نقول : هو حجة في الجميع ، ولا فرض لولد الأب مع الجد ; لأنهم كلالة ، والكلالة اسم للوارث مع عدم الولد والوالد ، فلا يكون لهم معه إذا فرض . حجة أخرى ، قالوا : الجد أب ، فيحجب ولد الأب ، كالأب الحقيقي . ودليل كونه أبا قوله تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } وقول يوسف : { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } . وقوله : { كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } وقال النبي : صلى الله عليه وسلم { ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا . }

وقال : { سام أبو العرب ، وحام أبو الحبش } . وقال : { نحن بني النضر بن كنانة ، لا نقفوا أمنا ، ولا ننفي من أبينا } . وقال الشاعر :

إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا

فوجب أن يحجب الإخوة ، كالأب الحقيقي ، يحقق هذا أن ابن الابن وإن سفل يقوم مقام أبيه في الحجب ، وكذلك أبو الأب يقوم مقام ابنه ; ولذلك قال ابن عباس ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أبا الأب أبا . ولأن بينهما إيلادا وبعضية وجزئية ، وهو يساوي الأب في أكثر أحكامه ، فيساويه في هذا الحجب .

يحققه أن أبا الأب وإن علا يسقط بني الإخوة ، ولو كانت قرابة الجد والأخ واحدة ، لوجب أن يكون أبو الجد مساويا لبني الأخ ، لتساوي درجة من أدليا به . والله أعلم . ولا تفريع على هذا القول لوضوحه . ( 4867 ) فصل : اختلف القائلون بتوريثهم معه في كيفية توريثهم ، فكان علي رضي الله عنه يفرض للأخوات فروضهن ، والباقي للجد ، إلا أن ينقصه ذلك من السدس ، فيفرضه له ، فإن كانت أخت لأبوين ، وإخوة لأب ، فرض للأخت النصف ، وقاسم الجد الإخوة فيما بقي ، إلا أن تنقصه المقاسمة من السدس ، فنفرضه له .

فإن كان الإخوة كلهم عصبة ، قاسمهم الجد إلى السدس . فإن اجتمع ولد الأب وولد الأبوين مع الجد ، سقط ولد الأب ، ولم يدخلوا في المقاسمة ، ولا يعتد بهم . وإن انفرد ولد الأب ، قاموا مقام ولد الأبوين مع الجد . وصنع ابن مسعود في الجد مع الأخوات كصنع علي عليه السلام وقاسم به الإخوة إلى الثلث ، فإن كان معهم أصحاب فرائض ، أعطى أصحاب الفرائض فرائضهم ، ثم صنع صنيع زيد في إعطاء الجد الأحظ من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس جميع المال ، وعلي يقاسم به بعد أصحاب الفرائض ، إلا أن يكون أصحاب [ ص: 197 ] الفرائض بنتا أو بنات فلا يزيد الجد على الثلث ، ولا يقاسم به .

وقال بقول علي ، الشعبي ، والنخعي ، والمغيرة بن المقسم ، وابن أبي ليلى ، والحسن بن صالح . وذهب إلى قول ابن مسعود ، مسروق ، وعلقمة ، وشريح . وأما مذهب زيد فهو الذي ذكره الخرقي ، وسنشرحه إن شاء الله . وإليه ذهب أحمد . وبه قال أهل المدينة ، وأهل الشام ، والثوري ، والأوزاعي ، والنخعي ، والحجاج بن أرطاة ، ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو عبيد ، وأكثر أهل العلم .

السابق

|

| من 19

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة