تفسير القرآن

التحرير والتنوير

محمد الطاهر ابن عاشور

دار سحنون

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: خمسة عشر جزءا

الكتب » التحرير والتنوير » سورة آل عمران

مقدمة السورةقوله تعالى الم
قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم قوله تعالى إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام
قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماءقوله تعالى هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء
قوله تعالى لا إله إلا هو العزيز الحكيمقوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات
قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله
قوله تعالى ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا
قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
قوله تعالى قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم
قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام قوله تعالى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم
قوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق
قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب قوله تعالى قل اللهم ملك الملك تؤتي الملك من تشاء
قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين قوله تعالى قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله
قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
قوله تعالى قل أطيعوا الله والرسول قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران
قوله تعالى إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا
قوله تعالى وكفلها زكرياء قوله تعالى كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا
قوله تعالى هنالك دعا زكرياء ربه قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب
قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه
قوله تعالى قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قوله تعالى ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل
قوله تعالى ومصدقا لما بين يدي من التوراة قوله تعالى وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون
قوله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر قوله تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين
قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي قوله تعالى ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم
قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم قوله تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم
قوله تعالى إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
قوله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم قوله تعالى ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا
قوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه قوله تعالى ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم
قوله تعالى يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون قوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب
قوله تعالى أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
قوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة
قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة قوله تعالى أفغير دين الله تبغون
قوله تعالى قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه
قوله تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم قوله تعالى أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
قوله تعالى إن الذي كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار
قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل
قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف
قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قوله تعالى تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق
قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قوله تعالى ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا
قوله تعالى لن يضروكم إلا أذى قوله تعالى ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا
قوله تعالى ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق قوله تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله
قوله تعالى وما تفعلوا من خير فلن تكفروه والله عليم بالمتقين قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا
قوله تعالى مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا
قوله تعالى ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم قوله تعالى وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا
قوله تعالى إن الله عليم بذات الصدور قوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
قوله تعالى وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال
قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة قوله تعالى وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به
قوله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة
قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرضقوله تعالى أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ
قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله قوله تعالى أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار
قوله تعالى قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض قوله تعالى هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين
قوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنينقوله تعالى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله
قوله تعالى وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم
قوله تعالى ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه قوله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل
قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلاقوله تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها
قوله تعالى وكأين من نبيء قتل معه ربيون كثير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم
قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه
قوله تعالى إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا
قوله تعالى وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية قوله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم
قوله تعالى وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم قوله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض قوله تعالى ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة
قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم قوله تعالى إن ينصركم الله فلا غالب لكم
قوله تعالى وما كان لنبيء أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة قوله تعالى أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله
قوله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم قوله تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا
قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا
قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم قوله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر
قوله تعالى إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم
قوله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه قوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم
قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء قوله تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان
قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم
قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه قوله تعالى لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا
قوله تعالى ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قديرقوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى قوله تعالى لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد
قوله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا
مسألة: الجزء الثالث
[ ص: 143 ] بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران سميت هذه السورة ، في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - وكلام الصحابة : سورة آل عمران ، ففي صحيح مسلم ، عن أبي أمامة : قال سمعت رسول الله يقول اقرءوا الزهراوين : البقرة وآل عمران وفيه عن النواس بن سمعان : قال سمعت النبيء يقول يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة وآل عمران وروى الدارمي في مسنده : أن عثمان بن عفان قال : من قرأ سورة آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة ، وسماها ابن عباس ، في حديثه في الصحيح ، قال : بت في بيت رسول الله فنام رسول الله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله فقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران . ووجه تسميتها بسورة آل عمران أنها ذكرت فيها فضائل آل عمران ، وهو عمران بن ماتان أبو مريم وآله هم زوجه حنة ، وأختها زوجة زكرياء النبيء ، وزكرياء كافل مريم إذ كان أبوها عمران توفي وتركها حملا فكفلها زوج خالتها .

ووصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزهراء في حديث أبي أمامة المتقدم .

وذكر الألوسي أنها تسمى الأمان ، والكنز والمجادلة ، وسورة الاستغفار . ولم أره لغيره ، ولعله اقتبس ذلك من أوصاف وصفت بها هذه السورة مما ساقه القرطبي ، في المسألة الثالثة والرابعة ، من تفسير أول السورة .

وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق ، بعد سورة البقرة ، فقيل أنها ثانية لسورة البقرة على أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة ، وقيل : نزلت بالمدينة سورة المطففين أولا ، ثم البقرة ، ثم نزلت سورة آل عمران ، ثم نزلت الأنفال في وقعة بدر ، وهذا يقتضي أن سورة آل عمران نزلت قبل وقعة بدر ، للاتفاق على أن الأنفال نزلت في [ ص: 144 ] وقعة بدر ، ويبعد ذلك أن سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يوم بدر ، وأن فيها ذكر يوم أحد ، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخرا . وذكر الواحدي في أسباب النزول ، عن المفسرين أن أول هذه السورة إلى قوله ونحن له مسلمون نزل بسبب وفد نجران ، وهو وفد السيد والعاقب ، أي سنة اثنتين من الهجرة ، ومن العلماء من قالوا : نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال ، وكان نزولها في وقعة أحد ، أي شوال سنة ثلاث ، وهذا أقرب ، فقد اتفق المفسرون على أن قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال أنه قتال يوم أحد . وكذلك قوله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فإنه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبيء - صلى الله عليه وسلم - .

ويجوز أن يكون أولها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إليه حديث وفد نجران ، وذلك مقدار ثمانين آية من أولها إلى قوله وإذ غدوت من أهلك قاله القرطبي في أول السورة ، وفي تفسير قوله ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية . وقد تقدم القول في صدر سورة الفاتحة : إننا بينا إمكان تقارن نزول سور عدة في مدة واحدة ، فليس معنى قولهم : نزلت سورة كذا بعد سورة كذا ، مرادا منه أن المعدودة نازلة بعد أخرى أنها ابتدئ نزولها بعد نزول الأخرى ، بل المراد أنها ابتدئ نزولها بعد ابتداء نزول التي سبقتها .

وقد عدت هذه السورة الثامنة والأربعين في عداد سور القرآن .

وعدد آيها مائتان في عد الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع وتسعون .

واشتملت هذه السورة ، من الأغراض : على الابتداء بالتنويه بالقرآن ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتقسيم آيات القرآن ، ومراتب الأفهام في تلقيها ، والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين ، وأنه لا يقبل دين عند الله ، بعد ظهور الإسلام ، غير الإسلام ، والتنويه بالتوراة والإنجيل ، والإيماء إلى أنهما أنزلا قبل القرآن تمهيدا لهذا الدين فلا يحق للناس أن يكفروا به ، وعلى التعريف بدلائل إلهية الله تعالى ، وانفراده ، وإبطال ضلالة الذين اتخذوا آلهة من دون الله : من جعلوا له [ ص: 145 ] شركاء ، أو اتخذوا له أبناء ، وتهديد المشركين بأن أمرهم إلى زوال ، وألا يغرهم ما هم فيه من البذخ ، وأن ما أعد للمؤمنين خير من ذلك ، وتهديدهم بزوال سلطانهم ، ثم الثناء على عيسى عليه السلام وآل بيته ، وذكر معجزة ظهوره ، وأنه مخلوق لله ، وذكر الذين آمنوا به حقا ، وإبطال إلهية عيسى ، ومن ثم أفضى إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم ، ثم محاجة أهل الكتابين في حقيقة الحنيفية وأنهم بعداء عنها ، وما أخذ الله من العهد على الرسل كلهم : أن يؤمنوا بالرسول الخاتم ، وأن الله جعل الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه ، وأوجب حجه على المؤمنين ، وأظهر ضلالات اليهود ، وسوء مقالتهم ، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم . وذكر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام ، وأمرهم بالاتحاد والوفاق ، وذكرهم بسابق سوء حالهم في الجاهلية ، وهون عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين ، وذكرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلا لتمييز الخبيث من الطيب ، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم ، والصبر على تلقي الشدائد ، والبلاء ، وأذى العدو ، ووعدهم على ذلك بالنصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوهم ، ثم ذكرهم بيومأحد ، ويوم بدر ، وضرب لهم الأمثال بما حصل فيهما ، ونوه ، بشأن الشهداء من المسلمين ، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال : من بذل المال في مواساة الأمة ، والإحسان ، وفضائل الأعمال ، وترك البخل ، ومذمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ملكوت الله .

وقد علمت أن سبب نزول هذه السورة قضية وفد نجران من بلاد اليمن .

ووفد نجران هم قوم من نجران بلغهم مبعث النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وكان أهل نجران متدينين بالنصرانية ، وهم من أصدق العرب تمسكا بدين المسيح ، وفيهم رهبان مشاهير ، وقد أقاموا للمسيحية كعبة ببلادهم هي التي أشار إليها الأعشى حين مدحهم بقوله :


فكعبة نجران حتم عليـ ـك حتى تناخي بأبوابها

فاجتمع وفد منهم يرأسه العاقب - فيه ستون رجلا - واسمه عبد المسيح ، وهو أمير الوفد ، ومعه السيد واسمه الأيهم ، وهو ثمال القوم وولي تدبير الوفد ، ومشيره وذو [ ص: 146 ] الرأي فيه ، وفيهم أبو حارثة بن علقمة البكري وهو أسقفهم وصاحب مدراسهم وولي دينهم ، وفيهم أخو أبي حارثة ، ولم يكن من أهل نجران ، ولكنه كان ذا رتبة : شرفه ملوك الروم ومولوه . فلقوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - وجادلهم في دينهم ، وفي شأن ألوهية المسيح ، فلما قامت الحجة عليهم أصروا على كفرهم وكابروا ، فدعاهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى المباهلة ، فأجابوا ثم استعظموا ذلك ، وتخلصوا منه ، ورجعوا إلى أوطانهم ، ونزلت بضع وثمانون آية من أول هذه السورة في شأنهم كما في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق . وذكر ذلك الواحدي والفخر ، فمن ظن من أهل السير أن وفد نجران وفدوا في سنة تسع فقد وهم وهما انجر إليه من اشتهار سنة تسع بأنها سنة الوفود . والإجماع على أن سورة آل عمران من أوائل المدنيات ، وترجيح أنها نزلت في وفد نجران يعينان أن وفد نجران كان قبل سنة الوفود .

السابق

|

| من 150

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة