التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثالث
عبد الله بن الزبير ( ع )

ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة ، أمير المؤمنين ، أبو بكر ؛ وأبو خبيب ، القرشي الأسدي المكي ثم المدني ، أحد الأعلام ، ولد الحواري الإمام أبي عبد الله ، ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحواريه .

مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثا . اتفقا له على حديث واحد ، وانفرد البخاري بستة أحاديث ، ومسلم بحديثين .

كان عبد الله أول مولود للمهاجرين بالمدينة . ولد سنة اثنتين وقيل : سنة إحدى . [ ص: 364 ]

وله صحبة ، ورواية أحاديث . عداده في صغار الصحابة ، وإن كان كبيرا في العلم ، والشرف ، والجهاد ، والعبادة .

وقد روى أيضا عن أبيه ، وجده لأمه الصديق ، وأمه أسماء ، وخالته عائشة ، وعن عمر ، وعثمان ، وغيرهم .

حدث عنه أخوه عروة الفقيه ، وابناه عامر ، وعباد ، وابن أخيه محمد بن عروة ، وعبيدة السلماني ، وطاوس ، وعطاء ، وابن أبي مليكة ، وعمرو بن دينار ، وثابت البناني ، وأبو الزبير المكي ، وأبو إسحاق السبيعي ، ووهب بن كيسان ، وسعيد بن ميناء ، وحفيداه : مصعب بن ثابت بن عبد الله ، ويحيى بن عباد بن عبد الله ، وهشام بن عروة ، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير وآخرون .

وكان فارس قريش في زمانه ، وله مواقف مشهودة . قيل : إنه شهد اليرموك وهو مراهق ، وفتح المغرب ، وغزو القسطنطينية ، ويوم الجمل مع خالته .

وبويع بالخلافة عند موت يزيد سنة أربع وستين ، وحكم على الحجاز ، واليمن ، ومصر ، والعراق ، وخراسان ، وبعض الشام . ولم يستوسق له الأمر ، ومن ثم لم يعده بعض العلماء في أمراء المؤمنين ، وعد دولته زمن فرقة ، فإنمروان غلب على الشام ثم مصر ، وقام عند مصرعه ابنه عبد الملك بن مروان ، وحارب ابن الزبير ، وقتل ابن الزبير - رحمه الله - فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله ، واستوسق لهم الأمر ، إلى أن قهرهم بنو العباس بعد ملك ستين عاما .

قيل : إن ابن الزبير أدرك من حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أعوام وأربعة أشهر ، وكان ملازما للولوج على رسول الله ، لكونه من آله ، فكان يتردد إلى [ ص: 365 ] بيت خالته عائشة .

شعيب بن إسحاق : عن هشام بن عروة ، عن أبيه وزوجته فاطمة قالا : خرجت أسماء حين هاجرت حبلى ، فنفست بعبد الله بقباء . قالت أسماء : فجاء عبد الله بعد سبع سنين ليبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بذلك أبوه الزبير ، فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه مقبلا ، ثم بايعه .

حديث غريب وإسناده قوي .

قال الواقدي : عن مصعب بن ثابت ، عن يتيم عروة أبي الأسود قال : لما قدم المهاجرون ، أقاموا لا يولد لهم . فقالوا : سحرتنا يهود ، حتى كثرت القالة في ذلك ، فكان أول مولود ابن الزبير ، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة حتى ارتجت المدينة ، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ، فأذن في أذنيه بالصلاة .

وقال مصعب بن عبد الله ؛ عن أبيه ، قال : كان عارضا ابن الزبير خفيفين ، فما اتصلت لحيته حتى بلغ الستين .

وفي البخاري عن عروة ، أن الزبير أركب ولده عبد الله يوم اليرموك فرسا وهو ابن عشر سنين ، ووكل به رجلا . [ ص: 366 ]

التبوذكي : حدثنا هنيد بن القاسم : سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير : سمعت أبي يقول : إنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحتجم ، فلما فرغ ، قال : يا عبد الله ! اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد ، فلما برز عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمد إلى الدم ، فشربه ، فلما رجع ، قال : ما صنعت بالدم ؟ قال : عمدت إلى أخفى موضع علمت ، فجعلته فيه ، قال : لعلك شربته ؟ قال : نعم . قال : ولم شربت الدم ؟ ويل للناس منك ، وويل لك من الناس .

قال موسى التبوذكي : فحدثت به أبا عاصم ، فقال : كانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم .

رواه أبو يعلى في " مسنده " وما علمت في هنيد جرحة .

خالد الحذاء : عن يوسف أبي يعقوب ، عن محمد بن حاطب ، والحارث ، قالا : طالما حرص ابن الزبير على الإمارة ، قلت : وما ذلك ؟ قالا : أتي رسول - صلى الله عليه وسلم - بلص ، فأمر بقتله . فقيل : إنه سرق . فقال : اقطعوه . ثم جيء به في إمرة أبي بكر ، وقد سرق ، وقد قطعت قوائمه . فقال أبو بكر : ما أجد لك شيئا إلا ما قضى فيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أمر بقتلك . فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم . فقال ابن الزبير أمروني عليكم . فأمرناه ، فانطلقنا به إلى البقيع ، فقتلناه . . هذا خبر منكر فالله أعلم . [ ص: 367 ]

قال الحارث بن عبيد : حدثنا أبو عمران الجوني أن نوفا البكالي قال : إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء .

مهدي بن ميمون ، حدثنا محمد بن أبي يعقوب ، أن معاوية كان يلقى ابن الزبير ، فيقول : مرحبا بابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن حواري رسول الله ، ويأمر له بمائة ألف .

ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، قال : ذكر ابن الزبير عند ابن عباس ، فقال : قارئ لكتاب الله ، عفيف في الإسلام ، أبوه الزبير ، وأمه أسماء ، وجده أبو بكر ، وعمته خديجة ، وخالته عائشة ، وجدته صفية . والله إني لأحاسب له نفسي محاسبة لم أحاسب بها لأبي بكر وعمر .

مسلم الزنجي : سمعت عمرو بن دينار يقول : ما رأيت مصليا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير . .

عبد الصمد بن عبد الوارث : حدثتنا ماطرة المهرية ، حدثتني خالتي أم جعفر بنت النعمان : أنها سلمت على أسماء بنت أبي بكر ، وعندها ابن الزبير ، فقالت : قوام الليل ، صوام النهار ، وكان يسمى حمامة المسجد .

قال ابن أبي مليكة : قال لي عمر بن عبد العزيز : إن في قلبك من ابن [ ص: 368 ] الزبير . قلت : لو رأيته ما رأيت مناجيا ولا مصليا مثله .

وروى حبيب بن الشهيد ، عن ابن أبي مليكة ، قال : كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ، ويصبح في اليوم السابع وهو أليثنا .

قلت : لعله ما بلغه النهي عن الوصال . ونبيك - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمنين رءوف رحيم ، وكل من واصل ، وبالغ في تجويع نفسه ، انحرف مزاجه ، وضاق خلقه ، فاتباع السنة أولى ، ولقد كان ابن الزبير مع ملكه صنفا في العبادة .

أخبرنا إسحاق بن طارق ، أخبرنا ابن خليل ، أخبرنا أحمد بن محمد ، أخبرنا الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا أبو حامد بن جبلة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي ، حدثنا أبو عاصم ، عن عمر بن قيس ، قال : كان لابن الزبير مائة غلام ، يكلم كل غلام منهم بلغة أخرى ، فكنت إذا نظرت إليه في أمر آخرته ، قلت : هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين . وإذا نظرت إليه في أمر دنياه ، قلت : هذا رجل لم يرد الله طرفة عين .

وقال مجاهد : كان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة ، كأنه عود ، وحدث [ ص: 369 ] أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان كذلك .

قال ثابت البناني : كنت أمر بابن الزبير ، وهو خلف المقام يصلي ، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك .

روى يوسف بن الماجشون ، عن الثقة يسنده ، قال : قسم ابن الزبير الدهر على ثلاث ليال ؛ فليلة هو قائم حتى الصباح ، وليلة هو راكع حتى الصباح ، وليلة هو ساجد حتى الصباح .

يزيد بن إبراهيم التستري : عن عبد الله بن سعيد ، عن مسلم بن يناق ، قال : ركع ابن الزبير يوما ركعة ، فقرأنا بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه .

قلت : وهذا ما بلغ ابن الزبير فيه حديث النهي .

قال يزيد بن إبراهيم : عن عمرو بن دينار ، قال : كان ابن الزبير يصلي في الحجر ، والمنجنيق يصب توبه فما يلتفت ، يعني : لما حاصروه .

وروى هشام بن عروة ، عن ابن المنكدر قال : لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن تصفقه الريح ، وحجر المنجنيق يقع هاهنا .

أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق قال : ما رأيت أحدا أعظم [ ص: 370 ] سجدة بين عينيه من ابن الزبير .

مصعب بن عبد الله : حدثنا أبي ، عن عمر بن قيس ، عن أمه ؛ أنها دخلت على ابن الزبير بيته ، فإذا هو يصلي ، فسقطت حية على ابنه هاشم ، فصاحوا : الحية الحية ، ثم رموها ، فما قطع صلاته .

قال ميمون بن مهران : رأيت ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة ، فإذا أفطر ، استعان بالسمن حتى يلين .

ليث عن مجاهد : ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير ، ولقد جاء سيل طبق البيت ، فطاف سباحة .

وعن عثمان بن طلحة ، قال : كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة : شجاعة ، ولا عبادة ، ولا بلاغة .

إبراهيم بن سعد : عن الزهري ، عن أنس ؛ أن عثمان أمر زيدا ، وابن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوا المصاحف ، وقال : إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء ، فاكتبوه بلسان قريش ؛ فإنما نزل بلسانهم .

قال أبو نعيم : حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال : رأيت على ابن الزبير رداء عدنيا يصلي فيه ، وكان صيتا ، إذا خطب ، تجاوب الجبلان . وكانت له جمة إلى العنق ، ولحيته صفراء . [ ص: 371 ]

مصعب بن عبد الله ، حدثنا أبي ، والزبير بن خبيب قالا : قال ابن الزبير : هجم علينا جرجير في عشرين ومائة ألف ، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا - يعني : نوبة إفريقية .

قال : واختلف الناس على ابن أبي سرح ، فدخل فسطاطه ، فرأيت غرة من جرجير ؛ بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب ، معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس ، بينه وبين جيشه أرض بيضاء ، فأتيت أميرنا ابن أبي سرح ، فندب لي الناس ، فاخترت ثلاثين فارسا ، وقلت لسائرهم : البثوا على مصافكم ، وحملت ، وقلت لهم : احموا ظهري ، فخرقت الصف إلى جرجير ، وخرجت صامدا ، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه ، حتى دنوت منه ، فعرف الشر ، فثابر برذونه موليا ، فأدركته ، فطعنته ، فسقط ، ثم احتززت رأسه فنصبته على رمحي ، وكبرت ، وحمل المسلمون ، فارفض العدو ومنح الله أكتافهم .

معمر : عن هشام بن عروة ، قال : أخذ ابن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل ، وبه بضع وأربعون ضربة وطعنة .

وقيل : إن عائشة أعطت يومئذ لمن بشرها بسلامته عشرة آلاف . وعن عروة ، قال : لم يكن أحد أحب إلى عائشة بعد رسول الله من أبي بكر ، وبعده ابن الزبير . [ ص: 372 ]

قال الواقدي : حدثنا ربيعة بن عثمان ، وابن أبي سبرة وغيرهما قالوا : جاء نعي يزيد في ربيع الأخر سنة أربع وستين ، فقام ابن الزبير ، فدعا إلى نفسه ، وبايعه الناس . فدعا ابن عباس ، وابن الحنفية إلى بيعته ، فامتنعا ، وقالا : حتى يجتمع لك الناس ، فداراهما سنتين ، ثم إنه أغلظ لهما ، ودعاهما ، فأبيا .

قال مصعب بن عبد الله وغيره : كان يقال لابن الزبير : عائذ بيت الله .

وقال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن عمته أم بكر ، قال : وحدثني شرحبيل بن أبي عون ، عن أبيه ، وحدثنا ابن أبي الزناد وغيرهم قالوا : لما نزل ابن الزبير بالمدينة في خلافة معاوية ، إلى أن قالوا : فخرج ابن الزبير إلى مكة ، ولزم الحجر ، ولبس المعافري ، وجعل يحرض على بني أمية ، ومشى إلى يحيى بن حكيم الجمحي والي مكة فبايعه ليزيد ، فلم يرض يزيد حتى يؤتى به في جامعة ووثاق ، فقال له ولده معاوية بن يزيد : ادفع عنك الشر ما اندفع ، فإن ابن الزبير لجوج لا يطيع لهذا أبدا ، فكفر عن يمينك ، فغضب ، وقال : إن في أمرك لعجبا ! قال : فادع عبد الله بن جعفر ، فاسأله عما أقول .

فدعاه ، فقال له : أصاب ابنك أبو ليلى . فأبى أن يقبل ، وامتنع ابن الزبير أن يذل نفسه ، وقال : اللهم إني عائذ بيتك ، فقيل له : عائذ البيت . وبقي لا يعرض له أحد . فكتب يزيد إلى عمرو الأشدق والي المدينة أن يجهز إلى ابن الزبير جندا ، فندب لقتاله أخاه عمرو بن الزبير في ألف ، فظفر ابن الزبير بأخيه بعد قتال ، فعاقبه . وأخر عن [ ص: 373 ] الصلاة بمكة الحارث بن يزيد ، وقرر مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ، وكان لا يقطع أمرا دون المسور بن مخرمة ، ومصعب بن عبد الرحمن ، وجبير بن شيبة ، وعبد الله بن صفوان بن أمية ، فكان يشاورهم في أمره كله ، ويريهم أن الأمر شورى بينهم لا يستبد بشيء منه دونهم ويصلي بهم الجمعة ، ويحج بهم بلا إمرة . وكانت الخوارج وأهل الفتن قد أتوه ، وقالوا : عائذ بيت الله ، ثم دعا إلى نفسه ، وبايعوه ، وفارقته الخوارج .

فولى على المدينة أخاه مصعبا ، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع ، وعلى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري ، وعلى اليمن ، وعلى خراسان ، وأمر على الشام الضحاك بن قيس ، فبايع له عامة أهل الشام ، وأبت طائفة ، والتفت على مروان بن الحكم ، وجرت أمور طويلة ، وحروب مزعجة ، وجرت وقعة مرج راهط وقتل ألوف من العرب ، وقتل الضحاك ، واستفحل أمر مروان إلى أن غلب على الشام ، وسار في جيش عرمرم ، فأخذ مصر ، واستعمل عليها ولده عبد العزيز ، ثم دهمه الموت ، فقام بعده ولده الخليفة عبد الملك ، فلم يزل يحارب ابن الزبير حتى ظفر به بعد أن سار إلى العراق ، وقتل مصعب بن الزبير .

قال شعيب بن إسحاق : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ أن يزيد كتب إلى ابن الزبير : إني قد بعثت إليك بسلسلة فضة ، وقيدا من ذهب ، وجامعة من فضة ، وحلفت لتأتيني في ذلك ، فألقى الكتاب ، وأنشد :

ولا ألين لغير الحق أسأله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

[ ص: 374 ]

قلت : ثم جهز يزيد جيشا ستة آلاف ، إذ بلغه أن أهل المدينة خلعوه ، فجرت وقعة الحرة وقتل نحو ألف من أهل المدينة ، ثم سار الجيش ، عليهم حصين بن نمير ، فحاصروا الكعبة ، وبها ابن الزبير ، وجرت أمور عظيمة ، فقلع الله يزيد ، وبايع حصين وعسكره ابن الزبير بالخلافة ، ورجعوا إلى الشام .

قال شباب : حضر ابن الزبير الموسم سنة ثنتين وسبعين ، فحج بالناس ، وحج بأهل الشام الحجاج ، ولم يطوفوا بالبيت .

قال هشام بن عروة : أول من كسا الكعبة الديباج ابن الزبير ، وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من طرف الحرم ، وكانت كسوتها قبله الأنطاع .

قال عبد الله بن شعيب الحجبي : إن المهدي لما جرد الكعبة ، كان فيما نزع عنها كسوة ابن الزبير من ديباج مكتوب عليها " لعبد الله أبي بكر أمير المؤمنين " .

وقال الأعمش : عن أبي الضحى : رأيت على رأس ابن الزبير مسكا يساوي مالا .

قلت : عيب ابن الزبير - رضي الله عنه - بشح ، فروى الثوري ، عن عبد الملك بن أبي بشير ، عن عبد الله بن مساور ؛ سمع ابن عباس يعاتب ابن [ ص: 375 ] الزبير في البخل ، ويقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليس المؤمن الذي يبيت [ شبعان ] وجاره جائع .

وروى عبيد الله بن عمر ، عن ليث ، قال : كان ابن عباس يكثر أن يعنف ابن الزبير بالبخل ، فقال : كم تعيرني .

يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى ، عن عثمان : أن ابن الزبير قال له حيث حصر : إن عندي نجائب ، فهل لك أن تتحول إلى مكة ، فيأتيك من أراد أن يأتيك ؟ قال : لا . إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله ، عليه مثل نصف أوزار الناس .

رواه أحمد في " مسنده " وفي إسناده مقال . [ ص: 376 ]

عباس الترقفي ، حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمرو : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يلحد بمكة رجل من قريش ، يقال له : عبد الله ، عليه نصف عذاب العالم " فوالله لا أكونه ، فتحول منها ، وسكن الطائف .

قلت : محمد هو المصيصي لين واحتج به أبو داود والنسائي .

أبو النضر : حدثنا إسحاق بن سعيد ، أخبرنا سعيد بن عمرو قال : أتى عبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير ، فقال : إياك والإلحاد في حرم الله ، فأشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يحلها - وتحل به - رجل من قريش ، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها .

قال : فانظر يا ابن عمرو لا تكونه
. وذكر الحديث .

شعيب بن أبي حمزة : عن الزهري ، أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [ الحجرات : 9 ] قال : قلت لأبي : من هم ؟ قال : ابن الزبير بغى على أهل الشام .

ورواه يونس ، عن الزهري ، وفيه : بغى على هؤلاء ، ونكث عهدهم .

الزبير بن بكار : حدثني خالد بن وضاح ، حدثني أبو الخصيب نافع مولى آل الزبير ، عن هشام بن عروة ، قال : رأيت الحجر من المنجنيق يهوي حتى أقول : لقد كاد أن يأخذ لحية ابن الزبير . وسمعته يقول : والله إن أبالي إذا وجدت ثلاثمائة يصبرون صبري لو أجلب علي أهل الأرض . [ ص: 377 ] قلت : قد كان يضرب بشجاعته المثل .

وعن المنذر بن جهم قال : رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد خذله من كان معه خذلانا شديدا ، وجعلوا يتسللون إلى الحجاج ، وجعل الحجاج يصيح : أيها الناس ! علام تقتلون أنفسكم ؟ من خرج إلينا ، فهو آمن ، لكم عهد الله وميثاقه ورب هذه البنية . لا أغدر بكم ، ولا لنا حاجة في دمائكم .

قال : فتسلل إليه نحو من عشرة آلاف ، فلقد رأيت ابن الزبير وما معه أحد .

وعن إسحاق بن أبي إسحاق قال : حضرت قتل ابن الزبير ؛ جعلت الجيوش تدخل عليه من أبواب المسجد ، فكلما دخل قوم من باب ، حمل عليهم وحده حتى يخرجهم ، فبينا هو على تلك الحال ، إذ وقعت شرفة من شرفات المسجد على رأسه ، فصرعته ، وهو يتمثل :

أسماء يا أسماء لا تبكيني     لم يبق إلا حسبي وديني
وصارم لاثت به يميني



قلت : ما إخال أولئك العسكر إلا لو شاءوا ، لأتلفوه بسهامهم ، ولكن حرصوا على أن يمسكوه عنوة ، فما تهيأ لهم ، فليته كف عن القتال لما رأى الغلبة ، بل ليته لا التجأ إلى البيت ، ولا أحوج أولئك الظلمة والحجاج [ ص: 378 ] لا بارك الله فيه إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه . فنعوذ بالله من الفتنة الصماء .

الواقدي ، حدثنا فروة بن زبيد ، عن عباس بن سهل : سمعت ابن الزبير يقول : ما أراني اليوم إلا مقتولا ، لقد رأيت في ليلتي كأن السماء فرجت لي ، فدخلتها ، فقد والله مللت الحياة وما فيها ، ولقد قرأ يومئذ في الصبح ن والقلم حرفا حرفا ، وإن سيفه لمسلول إلى جنبه .

الواقدي : حدثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، قال : سمع ابن عمر التكبير فيما بين المسجد إلى الحجون حين قتل ابن الزبير ، فقال : لمن كبر حين ولد أكثر وخير ممن كبر لقتله .

معمر : عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : قال ابن الزبير : ما شيء كان يحدثنا كعب إلا قد أتى على ما قال ، إلا قوله : فتى ثقيف يقتلني . وهذا رأسه بين يدي ، يعني : المختار الكذاب .

زياد الجصاص : عن علي بن زيد ، عن مجاهد ، أن ابن عمر قال لغلامه : لا تمر بي على ابن الزبير ، يعني : وهو مصلوب . قال : فغفل الغلام ، فمر به ، فرفع رأسه ، فرآه ، فقال : رحمك الله أبا خبيب ، ما علمتك إلا صواما قواما ، وصولا لرحمك . أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما قد عملت أن لا يعذبك الله . ثم قال : حدثني أبو بكر الصديق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من يعمل سوءا يجز به في الدنيا . [ ص: 379 ]

قال ابن أبي الدنيا في كتاب " الخلفاء " : صلبوا ابن الزبير منكسا ، وكان آدم ، نحيفا ، ليس بالطويل ، بين عينيه أثر السجود . بعث عماله إلى المشرق كله والحجاز .

قال جويرية بن أسماء : عن جدته ؛ أن أسماء بنت أبي بكر غسلت ابن الزبير بعد ما تقطعت أوصاله ، وجاء الإذن من عبد الملك بن مروان عندما أبى الحجاج أن يأذن لها ، فحنطته ، وكفنته ، وصلت عليه ، وجعلت فيه شيئا حين رأته يتفسخ إذا مسته .

وقال مصعب بن عبد الله : حملته أمه فدفنته بالمدينة في دار صفية أم المؤمنين ، ثم زيدت دار صفية في المسجد ، فهو مدفون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني بقربه .

قال ابن إسحاق وعدة : قتل في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين .

ووهم ضمرة وأبو نعيم فقالا : قتل سنة اثنتين .

عاش نيفا وسبعين سنة - رضي الله عنه .

وماتت أمه بعده بشهرين أو نحو ذلك ، ولها قريب من مائة عام .

هي آخر من ماتت من المهاجرات الأول - رضي الله عنها - ، ويقال لها : ذات النطاقين . كانت أسن من عائشة بسنوات . [ ص: 380 ]

روت عدة أحاديث .

حدث عنها أولادها ؛ عبد الله ، وعروة ، وابن عباس ، وفاطمة بنت المنذر ، وابن أبي مليكة ، ووهب بن كيسان ، وابن المنكدر ، والمطلب بن عبد الله ، وخلق .

وهي وابنها عبد الله ، وأبوها أبو بكر ، وجدها أبو قحافة صحابيون ، أضرت بأخرة .

قال ابن أبي الزناد : كانت أكبر من عائشة بعشر سنين . قلت : فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة .

وأما هشام بن عروة ، فقال : عاشت مائة سنة ، ولم يسقط لها سن . وقد طلقها الزبير قبل موته زمن عثمان .

وقال القاسم بن محمد : كانت أسماء لا تدخر شيئا لغد .

وقيل : أعتقت عدة مماليك ، وقد استوفيت ترجمتها في " تاريخ الإسلام " رضي الله عنها . ومن أولادها ، عروة بن الزبير الفقيه . ومنهم :
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة