مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

أصول الفقه

مختصر شرح الروضة

نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1407هـ / 1987م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 346 ] [ ص: 347 ] الأوامر والنواهي

الأوامر والنواهي : الأمر : قيل : هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ، وهو دور ، وقيل : استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء .

وقد يستدعى الفعل بغير قول فلو أسقط ، أو قيل : بالقول ، أو ما قام مقامه ، لاستقام ، ولم تشترط المعتزلة الاستعلاء ، لقول فرعون لمن دونه : ماذا تأمرون ، وهو محمول على الاستشارة للاتفاق على تحميق العبد الآمر سيده .

وللأمر صيغة تدل بمجردها عليه .

وقيل : لا صيغة للأمر بناء على الكلام النفسي وقد سبق منعه .

وهي حقيقة في الطلب الجازم ، مجاز في غيره مما وردت به كالندب ، والإباحة ، والتعجيز ، والتسخير ، والتسوية ، والإهانة ، والإكرام ، والتهديد ، والدعاء ، والخبر ، نحو : كاتبوهم ، اصطادوا ، كونوا حجارة ، كونوا قردة ، فاصبروا أو لا تصبروا ، ذق إنك ، ادخلوها بسلام ، اعملوا ما شئتم ، اللهم اغفر لي ، إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، والتمني :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

.

الحاشية رقم: 1
[ ص: 348 ] قوله : " الأوامر والنواهي " .

أي : هذا بيان القول فيها : و " الأوامر " : جمع أمر . وقد سبق في بيان علامات الحقيقة ; أنه حقيقة في القول . وإنما قدم القول في الأوامر ; لأنها طلب إيجاد الفعل ، والنواهي طلب الاستمرار على عدم الفعل ; فقدمت الأوامر تقديم الموجود على المعدوم ، وهو التقديم بحسب الشرف ، ولو لحظ التقديم الزماني ، لقدمت النواهي تقديم العدم على الموجود ; لأن العدم أقدم .

قوله : " الأمر : قيل : القول المقتضي طاعة المأمور ، بفعل المأمور به " ; فقوله : " القول " : جنس يتناول الأمر ، والنهي ، وغيرهما ، من أقسام الكلام .

وقوله : " المقتضي طاعة المأمور " : فصل ، خرج به ما ليس كذلك ، كالخبر ، والتمني ، والترجي ، وغيرهما ، لكن بقي النهي داخلا في حد الأمر ; لأنه قول يقتضي طاعة المأمور ; فأخرج النهي بقوله : بفعل المأمور به ; لأن النهي ، وإن كان قولا يقتضي طاعة المأمور ، لكن لا بفعل المأمور به ، بل بالكف عن المنهي عنه ; فمتعلق الطاعة في الأمر الفعل ، وفي النهي الكف .

قوله : " وهو دور " ، أي : هذا التعريف ، دوري يلزم منه الدور ; لأنه تعريف [ ص: 349 ] للأمر بالمأمور ، والمأمور به ; المتوقف معرفتهما على الأمر ; فصار تعريفا للأمر بنفسه ، بواسطة المأمور والمأمور به . وهذا كما سبق في تعريف العلم بمعرفة المعلوم .

قوله : " وقيل : استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء " ، أي : وقيل : الأمر هو استدعاء الفعل ، إلى آخره . هذا تعريف آخر للأمر ; فاستدعاء الفعل : طلبه ، وهو جنس ; لأنه يتناول الأمر ، والشفاعة ، والالتماس ; لأن طلب الفعل إما أن يكون من الأدنى ، وهو سؤال ، أو من المساوي ، وهو شفاعة والتماس ، أو من الأعلى ، وهو الأمر . ويدخل فيه ، أي : في الاستدعاء النهي أيضا ; لأنه استدعاء الترك ; فبقوله : " استدعاء الفعل " خرج النهي .

وقوله : " على جهة الاستعلاء " ، أي : يكون الأمر متكيفا بكيفية الاستعلاء والترفع على المأمور ، كالسيد مع عبده ، والسلطان مع رعيته ، وسيأتي الكلام فيه قريبا إن شاء الله تعالى .

قوله : " وقد يستدعى الفعل بغير قول " ، إلى آخره . هذا بيان لعدم الفائدة في قولهم في هذا التعريف : " استدعاء الفعل بالقول " لأن الفعل قد يستدعى بغير قول ، كالإشارة والرمز ; فيخرج الأمر بذلك عن حد الأمر المذكور ; فلا يكون جامعا ; فلو أسقط لفظ القول منه ، بأن قيل : الأمر استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء ، لاستقام الحد ; لأن استدعاء الفعل [ ص: 350 ] أعم من أن يكون بقول أو غيره . وكذلك لو قيل : الأمر : استدعاء الفعل بالقول ، أو ما قام مقامه على جهة الاستعلاء ، لاستقام أيضا لأن ما قام مقام القول ، يتناول الإشارة والرمز ، ونحوهما مما يكون به الأمر .

قلت : وقد يعتذر عن هذا ; بأن التعريف هاهنا للأمر الحقيقي ، وهو إنما يكون بالقول ، بناء على ما سبق من أنه حقيقة في القول . فأما الاستدعاء الحاصل بغير القول الصريح ; فهو أمر مجازي لا حقيقي ; لأن الطلب من لوازم الأمر الحقيقي ، والصيغة من لوازم الطلب ، بناء على أن الكلام حقيقة في العبادات اللسانية ، لا في المعاني النفسانية .

قوله : " ولم تشترط المعتزلة الاستعلاء " إلى آخره ، أي أن الاستعلاء شرط في كون استدعاء الفعل أمرا ، كما سبق ، وعند المعتزلة ليس بشرط ، واحتجوا بقوله تعالى حكاية عن فرعون : قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون [ الشعراء : 34 ، 35 ] ; فجعل القول الصادر منهم إليه أمرا ، مع كونه هو أعلى منهم ; فضلا عن أن يكونوا هم أعلى منه ، ولم يكونوا ليخاطبوه على جهة الاستعلاء ; لأنهم كانوا يعتقدونه إلها وربا ، ولو كان الاستعلاء شرطا في الأمر ، لما صح قوله لهم : فماذا تأمرون .

[ ص: 351 ] قوله : " وهو محمول على الاستشارة " ، إلى آخره ، أي : الأمر في قوله : ( ماذا تأمرون ) محمول على معنى : ماذا تشيرون به علي أن أفعل . ودليل هذا التأويل من وجهين :

أحدهما : المذكور في " المختصر " ، وهو الاتفاق على تحميق العبد الآمر سيده ، أي : أن العقلاء اتفقوا على أن العبد إذا أمر سيده بأن قال : أمرتك أن تفعل ، أو أخرج لفظة لسيده مخرج الاستعلاء ، عد أحمق ، ناقص العقل ، سيئ الأدب ، مذموما . ولولا اشتراط الاستعلاء في الأمر ، لاستوى فيه السيد لعبده ، والعبد لسيده ، ولم يتجه عليه التحميق فيما إذا أمره ; لأنه حينئذ يكون طالبا للفعل منه طلبا مجردا ، كالسائل الملتمس .

فإن قيل : ليس تحميق العبد الآمر سيده من جهة استعلائه عليه ، بل من جهة أن الأمر يقتضي الجزم ، أو يشعر به ; فيكون بذلك كالمتحكم على سيده .

قلنا : لا نسلم أن الأمر يقتضي الجزم ، وإن سلمناه ; فليس كذلك عند جميع الناس ، بل هو عند بعضهم يقتضي الإباحة ، وعند بعضهم الندب ; فقد اختلفوا في اقتضاء الأمر الجزم ، واتفقوا على تحميق العبد المذكور ; فدل ذلك على أن تحميقه ليس لتحكمه بالجزم ، بل لادعائه منصب الاستعلاء على سيده .

[ ص: 352 ] الوجه الثاني : أن عادة الملوك إذا ورد عليهم أمر مهم ، إنما يستشيرون من حضرهم من وزرائهم وندمائهم ، لا أنهم يصيرون لهم رعية يأتمرون بأوامرهم ; فهذا يدل على أن قول فرعون لمن حوله : ماذا تأمرون ؟ ، استشارة لا ائتمار ، على أن الاستدلال هاهنا إنما هو بقول فرعون ، ولم يدل النص على صحة تصرفه ، وهو ليس حجة في نفسه ; فجاز أنه أخطأ في هذا الاستعمال ، أو ورد عليه وارد عظيم من أمر موسى ، صلى الله على نبينا وعليه وسلم ، حتى أخل بشرط الأمر ، وقلب حقيقته ، خصوصا وفي القصة : أن موسى عليه السلام لما دخل عليه ، عاتبه فرعون بما قص الله تعالى في القرآن ، في سورة الشعراء ، ثم قال لأعوانه : خذوه ; فبادرهم موسى بإلقاء عصاه ; فصارت ثعبانا عظيما ; فانهزموا منه مزدحمين ، حتى هلك منهم بالزحام خمسة وعشرون ألفا ، وكان فرعون لا يدخل الخلاء في كل أربعين يوما إلا مرة ; فتردد إلى الخلاء في ذلك اليوم أربعين مرة ; فلعله لما رأى هذا الهول ، اختلط عقله ; فقلب حقيقة الأمر ، وأخل بشرطه وهو الاستعلاء .

ويكون هذا ، كما حكي عن بعض الجبناء ، أن العدو أرهقه ; فقام ليلجم فرسه في رأسه ; فألجمه في ذنبه ، ثم لما ركب ، وراح منهزما ، أدركه العطش ; فمر بقوم ; فقال : أطعموني ماء ; فقال فيه الشاعر يهجوه :

[ ص: 353 ]

وألجم الطرف بعد الرأس في ذنب     واستطعم الماء لما جد في الهرب

ومن الدليل على اشتراط الاستعلاء في الأمر ; أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لما قال لبريرة : صالحي مغيثا - يعني زوجها لما أرادت فراقه - قالت : أتأمرني يا رسول الله ؟ قال : لا ، لكني أشفع ، فلو لم يكن الاستعلاء شرطا في الأمر ، لما افترق الأمر والشفاعة .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 1

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة