تفسير القرآن

التحرير والتنوير

محمد الطاهر ابن عاشور

دار سحنون

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: خمسة عشر جزءا

الكتب » التحرير والتنوير » سورة الأحزاب » قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها

مسألة: الجزء الثالث والعشرون
فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا تفريع على جملة وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه الآية ، وقد طوي كلام يدل عليه السياق ، وتقديره : فلم يقبل منك ما أشرت عليه ولم يمسكها .

ومعنى ( قضى ) : استوفى وأتم . واسم ( زيد ) إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : فلما قضى منها وطرا ، أي قضى الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ، فعدل عن مقتضى الظاهر للتنويه بشأن زيد . قال القرطبي قال السهيلي : كان يقال له زيد بن محمد فلما نزع عنه هذا الشرف حين نزل ( ادعوهم لآبائهم ) وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي أن سماه في القرآن ، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم نوه غاية التنويه اهـ .

والوطر : الحاجة المهمة والنهمة ، قال النابغة :


فمن يكن قد قضى من خلة وطرا فإنني منك ما قضيت أوطاري

والمعنى : فلما استتم زيد مدة معاشرة زينب فطلقها ، أي فلما لم يبق له وطر منها .

[ ص: 39 ] ومعنى زوجناكها إذنا لك بأن تتزوجها ، وكانت زينب أيما فتزوجها الرسول - عليه الصلاة والسلام - برضاها . وذكر أهل السير : أنها زوجها إياه أخوها أبو أحمد بن الضرير واسمه عبد بن جحش فلما أمره الله بتزوجها قال لزيد بن حارثة : ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب علي ، قال زيد : فجئتها فوليتها ظهري توقيرا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت : يا زينب أرسل رسول الله يذكرك . فقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ، وقامت إلى مسجدها وصلت صلاة الاستخارة فرضيت ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل فبنى بها . وكانت زينب تفخر على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول : زوجكن آباؤكن وزوجني ربي . وهذا يقتضي إن لم يتول أخوها أبو أحمد تزويجها ، فتكون هذه خصوصية للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند الذين يشترطون الولي في النكاح كالمالكية دون قول الحنفية . ولم يذكر في الروايات أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أصدقها فعده بعض أهل السير من خصوصياته - صلى الله عليه وسلم - فيكون في تزوجها خصوصيتان نبويتان .

وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه ، فلما أبطله الله بالقول إذ قال وما جعل أدعياءكم أبناءكم أكد إبطاله بالفعل حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل : إن ذاك وإن صار حلالا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال ، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعي من أفضل الناس وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والجمع بين اللام وكي توكيد للتعليل كأنه يقول : ليست العلة غير ذلك ودلت الآية على أن الأصل في الأحكام التشريعية أن تكون سواء بين النبي - صلى الله عليه وسلم - والأمة حتى يدل دليل على الخصوصية .

وجملة وكان أمر الله مفعولا تذييل لجملة زوجناكها . وأمر الله يجوز أن يراد به من إباحة تزوج من كن حلائل الأدعياء ، فهو معنى الأمر التشريعي فيه . ومعنى ( مفعولا ) أنه متبع ممتثل فلا ينزه أحد عنه ، قال تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق .

ويجوز أن يراد الأمر التكويني وهو ما علم أنه يكون وقدر أسباب كونه ، [ ص: 40 ] فيكون معنى ( مفعولا ) واقعا . والأمر من إطلاق السبب على المسبب ، والمفعول هو المسبب .

وتزوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - زينب من أمر الله بالمعنيين .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة