أصول الفقه

مختصر شرح الروضة

نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1407هـ / 1987م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 136 ] الثالثة : يعتبر للراوي المقبول الرواية شروط .

فالأول : الإسلام ، لاتهام الكافر في الدين . وكلام أحمد في الكافر أو الفاسق المتأول إذا لم يكن داعية ، يحتمل الخلاف ، إذ أجاز نقل الحديث عن المرجئة ، والقدرية ، واستعظم الرواية عن سعيد العوفي لجهميته . واختار أبو الخطاب قبولها من الفاسق المتأول ؛ لحصول الوازع له عن الكذب ، وهو قول الشافعي .

ب : العدالة ، لعدم الوازع للفاسق المعاند ، ولقوله تعالى : إن جاءكم فاسق بنبإ .

ج : التكليف ، إذ لا وازع للصبي والمجنون ، ولا عبادة لهما ، فإن سمع صغيرا ، وروى بالغا ، قبل : كالشهادة ، وصبيان الصحابة ، والإجماع على إحضاره مجالس السماع ، ولا فائدة له إلا ذلك .

د : الضبط حالة السماع ، إذ لا وثوق بقول من لا ضبط له .

الحاشية رقم: 1
المسألة " الثالثة : يعتبر للراوي المقبول الرواية شروط " ، لما بين جواز التعبد بخبر الواحد عقلا وسمعا ؛ وجب النظر في شروط الواحد الذي يقبل خبره :

فالأول : الإسلام ، أي : يكون الراوي مسلما لأن الكافر متهم في الدين ؛ فلا يؤتمن عليه في خبر ديني ، كالرواية ، والإخبار عن جهة القبلة ، حتى إنه لا يستدل بمحاريب الكفار ، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة ، وطهارة موضعها ، وطهارة الماء ، ووقت السحور والإفطار ، والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم [ الممتحنة : 13 ] ، و لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [ الممتحنة : 1 ] ، أي : لا تتولوهم في الدين ، وهذه الفروع من الدين . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تستضيئوا بنار المشركين ، أي : لا تأخذوا [ ص: 137 ] بآرائهم .

قوله : " وكلام أحمد في الكافر ، أو الفاسق المتأول ، إذا لم يكن داعية يحتمل الخلاف " .

يعني : أن الكافر والفاسق ، إذا كانا متأولين ؛ فأما أن يكون فسقه ، كشارب النبيذ متأولا ، ونحوه ، لم تقبل روايته ؛ لأنه لا يؤمن أن يضع الحديث على موافقة مذهبه وهواه ، كما يحكى عن الخطابية من الرافضة . وإن لم يكن داعية ؛ فكلام أحمد فيه يحتمل الخلاف ، أي : لأنه أجاز نقل الحديث عن المرجئة والقدرية ، مع أنهم كفار أو فساق ؛ فهذا يدل على الجواز .

واستعظم - يعني أحمد - الرواية عن سعيد العوفي لجهميته ، أي : لكونه [ ص: 138 ] جهميا . وهذا يدل على المنع .

قال أحمد رحمه الله : احملوا الحديث عن المرجئة . وقال : يكتب عن القدري إذا لم يكن داعية . واستعظم الرواية عن سعيد العوفي ، وقال : هو جهمي ، امتحن فأجاب .

قلت : المحدث إذا كان ناقدا بصيرا في فنه ، جاز أن يروي عن جماعة من المبتدعة ، الذين يفسقون ببدعتهم ، كعباد بن يعقوب الرواجني - بالجيم والنون - وكان غاليا في التشيع ، وحريز بن عثمان ، وكان يبغض عليا رضي الله عنه ، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق .

[ ص: 139 ] قوله : " واختار أبو الخطاب قبولها " ، أي : قبول الرواية " من الفاسق المتأول لحصول الوازع " ، أي : الكاف له من الكذب . يقال : وزعه يزعه وزعا : إذا كفه ؛ فاتزع هو : أي : كف ، وذلك لأن فسق هذا ، إنما هو في اعتقاد خصمه ، وإلا ؛ فهو يعتقد في نفسه العدالة والإسلام ، ويخطئ خصمه في خلافه ؛ فهو في الجملة معتصم بحبل التدين ؛ فلا يقدم على الكذب .

ولا يرد مثل هذا في اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار ؛ لأن هؤلاء يقطعون بخطأ المسلمين ، والمسلمون يقطعون بخطئهم ؛ فيرون الكذب ليكيدوا به الإسلام قربة ، بخلاف فسقة الملة ، فإن غالب المسائل التي يفسقون بها ليست قواطع ، كما قررته في كتاب " إبطال التحسين والتقبيح " .

وهذا - أعني قبول رواية الفاسق المتأول - قول الشافعي على ما ذكر في " المختصر " ، والاحتراز بالمتأول عن المعاند ؛ فإنه لا تقبل روايته لعناده ، وعدم الوازع له .


الحـــواشي 1  2  3  4  5  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة