تفسير القرآن

تفسير الطبري

محمد بن جرير الطبري

دار المعارف

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

الكتب » تفسير الطبري » تفسير سورة هود » القول في تأويل قوله تعالى "وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض "

مسألة: الجزء الخامس عشر
[ ص: 486 ] القول في تأويل قوله تعالى : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ( 108 ) )

قال أبو جعفر : واختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأته عامة قرأة المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين : ( وأما الذين سعدوا ) ، بفتح السين .

وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة : ( وأما الذين سعدوا ) ، بضم السين ، بمعنى : رزقوا السعادة .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب .

فإن قال قائل : وكيف قيل : ( سعدوا ) ، فيما لم يسم فاعله ، ولم يقل : "أسعدوا" ، وأنت لا تقول في الخبر فيما سمي فاعله : "سعده الله" ، بل إنما تقول : "أسعده الله"؟

قيل ذلك نظير قولهم : "هو مجنون " و"محبوب" ، فيما لم يسم فاعله ، فإذا سموا فاعله قيل : "أجنه الله " ، و"أحبه" ، والعرب تفعل ذلك كثيرا . وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا .

وتأويل ذلك : وأما الذين سعدوا برحمة الله ، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت [ ص: 487 ] السموات والأرض ، يقول : أبدا ( إلا ما شاء ربك ) .

فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك .

فقال بعضهم : ( إلا ما شاء ربك ) ، من قدر ما مكثوا في النار قبل دخولهم الجنة . قالوا : وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة .

ذكر من قال ذلك :

18583 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الضحاك في قوله : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) ، قال : هو أيضا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة . يقول : خالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك . يقول : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة .

وقال آخرون : معنى ذلك : ( إلا ما شاء ربك ) ، من الزيادة على قدر مدة دوام السموات والأرض ، قالوا : وذلك هو الخلود فيها أبدا .

ذكر من قال ذلك :

18584 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب ، عن أبي مالك ، يعني ثعلبة ، عن أبي سنان : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) ، قال : ومشيئته خلودهم فيها ، ثم أتبعها فقال : ( عطاء غير مجذوذ ) .

واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع .

فقال بعضهم في ذلك معنيان :

أحدهما : أن تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله ، كقولك : "والله لأضربنك [ ص: 488 ] إلا أن أرى غير ذلك" ، وعزمك على ضربه . قال : فكذلك قال : ( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) ، ولا يشاؤه ، [ وهو أعلم ] .

قال : والقول الآخر : أن العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ، ومع ما هو أكثر منه ، كان معنى "إلا " ومعنى "الواو" سواء . فمن كان قوله : ( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ) سوى ما شاء الله من زيادة الخلود ، فيجعل "إلا" مكان "سوى" فيصلح ، وكأنه قال : "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد" . ومثله في الكلام أن تقول : لي عليك ألف إلا ألفين اللذين [ من قبل فلان" ، أفلا ترى أنه في المعنى : لي عليك ألف سوى الألفين ] ؟ قال : وهذا أحب الوجهين إلي ، لأن الله لا خلف لوعده . وقد وصل الاستثناء بقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، فدل على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطع عنهم .

وقال آخر منهم بنحو هذا القول . وقالوا : جائز فيه وجه ثالث : وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث ، وهو البرزخ ، إلى أن يصيروا إلى الجنة ، ثم هو خلود الأبد . يقول : فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ .

وقال آخر منهم : جائز أن يكون دوام السموات والأرض ، بمعنى : الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وتستثنى المشيئة من دوامها ، لأن أهل [ ص: 489 ] الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السموات والأرض في الدنيا ، لا في الجنة ، فكأنه قال : خالدين في الجنة ، وخالدين في النار ، دوام السماء ، والأرض ، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، القول الذي ذكرته عن الضحاك ، وهو ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) ، من قدر مكثهم في النار ، من لدن دخلوها إلى أن أدخلوا الجنة ، وتكون الآية معناها الخصوص ، لأن الأشهر من كلام العرب في "إلا" توجيهها إلى معنى الاستثناء ، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها ، إلا أن يكون معها دلالة تدل على خلاف ذلك . ولا دلالة في الكلام أعني في قوله : ( إلا ما شاء ربك ) تدل على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام ، فيوجه إليه .

وأما قوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، فإنه يعني : عطاء من الله غير مقطوع عنهم .

من قولهم : "جذذت الشيء أجذه جذا" ، إذا قطعته ، كما قال النابغة :


تجذ السلوقي المضاعف نسجه ويوقدن بالصفاح نار الحباحب

[ ص: 490 ]

يعني بقوله : "تجذ" : تقطع .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

18585 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( عطاء غير مجذوذ ) ، قال : غير مقطوع .

18586 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، يقول : غير منقطع .

18587 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( عطاء غير مجذوذ ) ، يقول : عطاء غير مقطوع .

18588 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( مجذوذ ) ، قال : مقطوع .

18589 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، قال : غير مقطوع .

18590 - . . . . قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18591 - . . . . قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، مثله .

18592 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج . عن [ ص: 491 ] ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

18593 - . . . . قال ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، قال : أما هذه فقد أمضاها . يقول : عطاء غير منقطع .

18594 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال ، قال ابن زيد في قوله : ( عطاء غير مجذوذ ) ، غير منزوع منهم .

السابق

|

| من 1

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة