العقيدة

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

دار العاصمة

سنة النشر: 1419هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

الكتب » الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية » فصل من أدلة عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم

إسلام النجاشيإسلام من أسلم من نصارى العرب
إرسال الرسل إلى جميع الطوائف الموجودة في عهدهإرساله رسولا إلى ملك مصر المقوقس ملك النصارى
فصل قتاله صلى الله عليه وسلم النصارىفصل إرسال الكتب والرسل إلى ملوك الفرس
فصل ضربه صلى الله عليه وسلم الجزية على المجوسفصل أدلة الكتاب والسنة على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم
فصل ابتداع اليهود والنصارى في دينهمفصل اجتماع المسلمين بإجماعهم وتفرق النصارى بابتداعهم
فصل النصارى بدلوا دين المسيح قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلمفصل شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها
الرد على النصارى في دعواهم أن كلام الرسول متناقضفصل معجزات محمد صلى الله عليه وسلم
فصل رد احتجاجهم ببعض الآيات على خصوصية الرسالةفصل قول من يقول أنه لم يقل أنه أرسل إلا إلى العرب
فصل الرد على النصارى في زعمهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يبشر بهفصل إبطال استدلال النصارى على صحة دينهم بما جاء عن الأنبياء السابقين
فصل رد دعوى النصارى خصوصية الإسلام لكون كتابه باللسان العربيفصل دفع ما يوهم الخصوصية لكون القرآن عربيا
فصل رد زعم النصارى عصمة الحواريين المترجمين للإنجيلفصل الرد على زعمهم الاستغناء برسل الله إليهم عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
فصل رد زعمهم بأن عدل الله يقتضي أن لا يطالبوا باتباع إنسان لم يأت إليهمفصل رد عقيدة النصارى في الصلب والفداء
فصل الرد على النصارى في دعواهم أن من في قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا تقتضي العرب وحدهمفصل توسط المسلمين بين تقصير اليهود وغلو النصارى
فصل الفرق بين ما يضاف إلى الله من صفاته وما يضاف إليه من مملوكاتهفصل إبطال دعواهم اتحاد كلمة الله بجسد المسيح
فصل رد دعواهم الفضل لهم على المسلمين بقوله تعالى وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامةفصل بيان معنى الروح القدس ودفع اعتقاد النصارى ألوهيته
فصل الرد على النصارى في احتجاجهم بآية سورة الحديد على مدح الرهبانيةفصل الرد على النصارى في احتجاجهم بأن الله مدحهم في قوله من أهل الكتاب أمة قائمة
فصل رد دعواهم تعظيم الإسلام لمعابدهمفصل رفض دعواهم وجوب التمسك بدينهم بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم
فصل رد دعوى النصارى أن الإسلام عظم الحواريينفصل بيان فساد قولهم في تفسير آية سورة البقرة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين
فصل الرد على قولهم أن القرآن يشهد لهم أنهم أنصار اللهفصل الرد عليهم في زعمهم أن الإسلام عظم إنجيلهم الذي بين أيديهم
فصل قيام الحجة على من بلغته دعوة الرسلفصل أسباب ضلال النصارى ومن على شاكلتهم
فصل الخوارق التي يضل بها الشياطين أبناء آدمفصل ما يتناوله اسم الرسل في قوله فقد كذب رسل من قبلك
فصل إثبات أن عند أهل الكتاب ما يثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلمفصل رفض دعواهم أن القرآن صدق كتبهم التي بين أيديهم
فصل رد دعواهم تناقض خبر الأنبياء السابقين مع ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلمفصل وقوع التبديل في ألفاظ التوراة والإنجيل وانقطاع سندهما
فصل الرد على النصارى في دعواهم بأن المسلمين يقولون أن التحريف وقع بعد مبعث النبي محمدفصل دعوة أهل الكتاب إلى الحكم بما في كتبهم من الألفاظ الصحيحة
فصل قياس النصارى كتبهم على القرآن قياس باطلفصل الرد على قولهم كيف يمكن تغيير كتبنا التي هي مكتوبة باثنين وسبعين لسانا
فصل الرد على قولهم إن التوراة أخذت عن العزير وهو نبي معصومفصل الرد على من قال إنه غير بعض ألفاظها بعد مبعث محمد
فصل ثبوت الاختلاف والتغيير في نسخ أهل الكتابفصل رد دعوى النصارى في أن القرآن أقرهم على ما هم عليه
فصل إلزام اليهود والنصارى بدين الإسلامفصل وجوب محاجة الظالمين من مشركين وأهل كتاب
فصل الإسلام هو دين الأنبياء جميعافصل أمر المؤمنين بقول الحق لتقوم به الحجة على المخالف
فصل نقض دعواهم أن الظلم اتصف به اليهود دون النصارىفصل المسلمون يوافقون النصارى فيما كفروا به اليهود
فصل غلو النصارى في عيسى عبد الله ورسولهفصل تطرف اليهود والنصارى وتوسط المسلمين
فصل رد دعوى النصارى أن القرآن نفى عنهم الشركفصل رد دعوى النصارى أن القرآن سوى بين جميع الأديان
فصل رد دعواهم أنه لا يليق بهم أن يتركوا كلمة الله عندهم التي عظمها القرآنفصل تكريم الإسلام للمسيح عبد الله ورسوله
فصل نسخ شرع التوراة وأن ما جاء به المسيح حقفصل شهادة كتب اليهود لعيسى بالنبوة شهادة لمحمد
فصل رفض دعوى النصارى أن محمدا لم يرسل إليهم مع تشككه فيما جاء بهفصل الله سبحانه وتعالى نفى جميع وجوه الشرك به
فصل الرسول بشر لا يعلم الغيب ولا يقول إنه ملكفصل رد دعوى النصارى أنهم هم الذين أنعم الله عليهم
فصل بيان أن تفسيرهم للتثليث تفسير باطلفصل دلائل وجود الله وحياته
فصل طرق معرفة صفات الربفصل بيان أسماء الله تعالى
فصل رد دعواهم أن الله قد سمى نفسه أبا وابنا وروح قدسفصل بيان معنى الروح في قوله وكان روح الله ترف على الماء
فصل بيان معنى قوله على لسان داود " روحك القدس لا تنزع منيفصل بيان معنى قوله على لسان داود بكلمة الله تشددت السماوات والأرض وبروح فاه جميع قواتهن
فصل بيان المعنى الصحيح لروح اللهفصل بيان المعنى الصحيح لكلمة الله
فصل إبطال استدلالهم بالتعميد على الأقانيمفصل تسميتهم لعلم الله وكلامه ابنا وتسميتهم لحياته روح القدس
فصل إبطال احتجاجهم بما ورد في القرآن على الأقانيمفصل بيان معنى تأييد المسيح بروح القدس
فصل بيان معنى قوله وكلم الله موسى تكليمافصل بيان معنى قوله فنفخنا فيه من روحنا
فصل الرد على قولهم وسائر المسلمين يقولون إن الكتاب كلام اللهفصل مناقشتهم في دعواهم أن الأقانيم صفات جوهرية تجري مجرى الأسماء
فصل إبطال تمثيلهم الصفات بشعاع الشمسفصل بيان تناقض قول النصارى في عقيدة إيمانهم
فصل تناقض قولهم لا يتبعض ولا يتجزأفصل نقض قولهم إن اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف ولهذا تجسمت كلمة الله الخالقة بعيسى
فصل تفنيد مراد النصارى بظهور الله في عيسىفصل الرد على قولهم ظهر في عيسى حلول ذاته واتحاده بالمسيح أو غيره
فصل ما تنبأت به الكتب السابقة بشأن المسيحفصل مناقشتهم فيما نقلوه عن الأنبياء حول مجيء المسيح عليه السلام وبيان وجه الدلالة فيها
فصل رأي النصارى في عدم إيمان اليهود بالمسيح بالرغم مما ذكر عندهم من النبوات عن ظهورهفصل الرد عليهم في قولهم السنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها من يدي الرسل الأطهار
فصل رد استدلالهم بما ورد في التوراة عن خلق آدم على رأيهم في المسيحفصل رد زعمهم أنه لا يلزمهم عبادة ثلاثة آلهة وأنه لا لوم عليهم في التثليث لما سبق لهم من شهادات الأنبياء
فصل إسقاط احتجاجهم بشيء من القرآن مرة أخرى على باطلهم وأن القرآن يؤخذ كلهفصل تفسيرهم لتجسم كلمة الله بالمسيح وأنه اتحاد بريء من الاختلاط ونحوه والجواب عن ذلك
فصل نقض دعواهم أن القرآن أثبت في المسيح اللاهوت والناسوتفصل نقض دعواهم بورود تسمية المسيح خالقا في القرآن
فصل بيان المعنى الصحيح لتشبيه القرآن الكريم عيسى بآدم ورد تفسيرهم لذلكفصل بيان اضطراب كلام النصارى وتفرقهم في باب طبيعة المسيح
فصل مواصلة الرد على النصارى بما قاله الحسن بن أيوب ثم بكلام ابن البطريقفصل متابعة حكاية كلام ابن البطريق عن النصارى ومناقشته في ذلك
فصل متابعة حكاية كلام ابن البطريق عن النصارى ومناقشته في ذلكفصل متابعة حكاية كلام ابن البطريق عن النصارى ومناقشته في ذلك
فصل الرد على تشبيه النصارى حلول كلمة الله في الناسوت بالكتابة في القرطاسفصل متابعة لكلام ابن البطريق والرد عليه
فصل بيان أن عامة دين النصارى ليس مأخوذا عن المسيحفصل بيان أن كل ما نقله المؤلف عن الحسن بن أيوب وابن البطريق إنما هو رد على أن في المسيح طبيعتين
فصل الجواب عن شبهة النصارى في إقرار المسلمين في الصفات وأنه لا يقتضي التشبيه والتجسيمفصل مناقشة النصارى في إطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى
فصل نقض دعواهم الاستغناء باليهودية والنصرانيةفصل بطلان استدلالهم بما يدعونه أنه من كلام الأنبياء السابقين
فصل إثبات الفضل لرسول الله ولشريعته ولأمتهفصل اشتراطهم لصحة النبوة تبشير الأنبياء بها والرد عليهم
فصل طرق العلم ببشارة الأنبياء بمحمد عليه الصلاة والسلامفصل شهادات الكتب المتقدمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وأمثلة منها
فصل بشارة من الزبور وتفسيرهافصل بشارة أخرى من الزبور
فصل بشارة ثالثة من داود عليه السلامفصل بشارة رابعة من داود عليه السلام
فصل بشارة خامسة من داود عليه السلامفصل شهادة سفر أشعيا " راكب الحمار وراكب الجمل "
فصل بشارة الكتب المتقدمة بالمسيح وبمحمد وإنذارها بالدجالفصل بشارة أشعياء بشأن مكة
فصل بشارة ثالثة من أشعياءفصل بشارة رابعة من أشعياء
فصل بشارة خامسة من أشعياءفصل بشارة سادسة من أشعياء
فصل بشارة سابعة من أشعياءفصل بشارة ثامنة من أشعياء
فصل بشارة تاسعة من أشعياءفصل بشارة محمد صلى الله عليه وسلم من حبقوق
فصل بشارة من حزقيالفصل بشارتان من دانيال عليه السلام
فصل بشارة ثالثة من دانيال عليه السلامفصل ما نقل من بشارات المسيح بمحمد والتعليق المفصل عليها
فصل براهين قرآنية مستقلة على نبوته صلى الله عليه وسلمفصل الدلائل القاطعة عند أهل مكة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم
فصل جلاء آيات النبوة وتنوعها وكثرتهافصل التحقيق في اسم المعجزة والآية والكرامة وإطلاقهن
فصل بحث في الإعجاز القرآنيفصل شخصية الرسول وشريعته وأمته ، وكرامات الصالحين منها ، كل ذلك من آياته
فصل نقل الناس لصفاته عليه السلام الدالة على كمالهفصل فضل أمة محمد على غيرها من الإيمان والعمل آية لنبوته
فصل توسط المسلمين واعتدالهم في التوحيد والعبادات والمعاملاتفصل أقسام مدعي النبوة ودلالة ذلك على صدقه عليه السلام
فصل من آيات النبوة قصة الفيل وحراسة السماءفصل من آيات النبوة ما ثبت بالقرآن أو بالتواتر
فصل إخباره عليه السلام بالكثير من الغيوب الماضية والمستقبلة ودلالتها على النبوةفصل آياته صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير
فصل من آيات النبوة تكثير الثمارفصل ست طرق كبرى للقطع بنبوة محمد عليه السلام
فصل أدلة قرآنية على مجيء الرسل بالآياتفصل من آيات الأنبياء إهلاك الله لمكذبيهم ونصره للمؤمنين بهم
فصل دلائل النبوة أخبار تحمل الترغيب والترهيبفصل من طلب آية ثانية وثالثة والحكمة من تتابع الآيات الدالة على النبوة
فصل كل ما يقال في إثبات النبوة متصل بطبيعة الخبرفصل أحوال وشواهد صدق المخبر وكذبه
مسألة: الجزء الأول
[ ص: 247 ] وكان قبل قصة نجران قد آمن به كثير من اليهود والنصارى رؤساؤهم وغير رؤسائهم لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم ، كما آمن به النجاشي ملك الحبشة ، وكان نصرانيا هو وقومه ، وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما كان أصحابه مستضعفين بمكة ، وكان الكفار يظلمونهم ويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمان بالله ورسوله ، فهاجر منهم طائفة مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وجعفر بن [ ص: 248 ] أبي طالب ، وغيرهم من الرجال والنساء إليه ، وكان ملكا عادلا ، فأرسل الكفار خلفهم رسلا بهدايا ليردهم إليهم ، فامتنع من عدله أن يسلمهم إليهم حتى يسمع كلامهم ، فلما سمع كلامهم وما أخبروه به من أمر النبي صلى الله عليه وسلم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وآواهم .

ولما سمع القرآن قال : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، ولما سألهم عن قولهم في المسيح عليه السلام قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها رجل ، فقال النجاشي لجعفر بن أبي طالب : والله ما زاد عيسى ابن مريم على ما قلت هذا العود ، فنخرت أصحابه ، فقال : وإن نخرتم ، وإن نخرتم ، وبعث ابنه وطائفة من أصحابه إلى النبي [ ص: 249 ] صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب ، وقدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر ، وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء والحفاظ كأحمد بن حنبل في المسند وابن سعد في الطبقات وأبي نعيم في الحلية وغيرهم ، وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه وهي متواترة عند العلماء .

قال أحمد : حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعيد ، عن أبيه ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن مسلم بن عبد [ ص: 250 ] الله بن شهاب الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها ، قالت : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار ( النجاشي ) أمنا على ديننا ، وعبدنا الله ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وكان أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة [ ص: 251 ] المخزومي ، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي ، وأمروهما أمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ، ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم ، قالت : فخرجا ، فقدما على النجاشي ، ونحن عنده بخير دار عند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، ثم قالا لكل بطريق منهم : إنه قد صبأ [ ص: 252 ] إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم ، فقالوا لهما : نعم ، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي ، فقبلها منهما ، ثم كلماه فقالا له : أيها الملك ، إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم ، فهم أعلا بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامنا .

[ ص: 253 ] فقالت بطارقته حوله : صدقوا أيها الملك ، قومهم أعلا بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم ، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم . قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال لا ها الله أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني .

قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ، كائن في ذلك ما هو كائن . فلما جاءوه زاد أبو نعيم وقد دعى النجاشي أساقفته [ ص: 254 ] ومعهم مصاحفهم حوله ، فلما جاءوه فسألهم ، فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ، فقال : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، نخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت : فعدد عليه أمور الإسلام ، قال : فصدقناه ، وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به [ ص: 255 ] شيئا وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟

قالت : فقال له جعفر : نعم . فقال له النجاشي : فاقرأه علي . فقرأ عليه صدرا من سورة مريم :

[ ص: 256 ] كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت ‎وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون

[ ص: 257 ] قالت أم سلمة رضي الله عنها ، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، ثم قال لعبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص : انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا ولا أكاد .

قالت أم سلمة : فلما خرج من عنده قال : عمرو بن العاص والله لآتينه غدا أعيبهم عنده ، ثم أستأصل به خضراءهم .

قالت : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - لا تفعل ; فإن لهم أرحاما ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد .

قالت : ثم غدا عليه الغد ، فقال له : أيها الملك ، إنهم يقولون في [ ص: 258 ] عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه .

قالت : فأرسل إليهم يسألهم عنه .

قالت : ولم ينزل بنا مثلها ، فاجتمع القوم ، فقال بعضهم لبعض : ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول والله فيه ما قاله الله ، وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى ابن مريم ، فقال له جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاء به نبينا : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

قالت : فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ، ثم قال : ما عدى عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال ، فقال : وإن نخرتم والله ، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم : الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لنا بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه .

[ ص: 259 ] قالت : فخرجا من عنده مقبوحين ، مردود عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .

قالت : فوالله إنا على ذلك إذ نزل به . يعني : من ينازعه في ملكه .

قالت : فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفنا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه .

وروى عبد الله بن عامر بن الزبير ، عن أبيه ، قال : لما نزل بالنجاشي عدوه من أرضه جاء المهاجرون ، فقالوا : إنا نحن نخرج إليهم ، فنقاتل معك ، وترى جزاءنا ، ونجزيك بما صنعت بنا ، فقال : ذو ينصره الله خير من الذي ينصره الناس ، يقول : الذي ينصره الله خير من الذي ينصره الناس ، فأبى ذلك عليهم .

( رجعنا إلى ) حديث أم سلمة قالت : وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت : فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟

[ ص: 260 ] قالت : فقال الزبير بن العوام : أنا .

قالت : وكان من أحدث القوم سنا ، قالت : فنفخنا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم .

قالت : ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده .

قالت : فوالله إنا لعلى ذلك متوقعين لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى ويلوح بثوبه ويقول : ألا أبشروا ، قد ظهر النجاشي ، وقد أهلك الله عدوه .

فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط .

قالت : فرجع النجاشي ، وقد أهلك الله عدوه ، ومكن له في بلاده ، واستوثق عليه أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى جمل هذه القصة أبو داود في سننه من حديث أبي موسى .

[ ص: 261 ] وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ، قال : بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهما في اثنين وخمسين رجلا من قومي ، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده ، قال جعفر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا - يعني بالإقامة - فأقيموا معنا . قال : فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا . قال : فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر فأسهم لنا منها ، وما قسم لأحد غائب عن فتح خيبر غيرنا إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم .

قال : فلما رأى ناس من الناس يقولون لنا - يعني أهل السفينة - سبقناكم لهجرة ، قال : ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زائرة ، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن [ ص: 262 ] هاجر إليه ، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها ، فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس ، فقال عمر : الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم ، فقال عمر : سبقناكم بالهجرة ، نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغضبت وقالت : يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم ، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة ، وذلك في الله تبارك وتعالى وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن كنا نؤذى ونخاف ، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك .

فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فماذا [ ص: 263 ] قلت له ؟ قالت : قلت كذا وكذا ، قال : ليس بأحق بي منكم ، وله ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان .

قالت : فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو بردة : قالت أسماء : فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني أخرجاه في الصحيحين البخاري ومسلم .

وأخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه ، [ ص: 264 ] قال : استغفروا لأخيكم .

وعنه رضي الله عنه ، قال : نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي يوم توفي ، وقال : استغفروا لأخيكم ، ثم خرج بالناس إلى المصلى ، فصفوا وراءه ، وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات . أخرجاه .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه [ ص: 265 ] أربعا . أخرجاه في الصحيحين .

السابق

|

| من 204

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة