أحاديث الأحكام

نيل الأوطار

محمد بن علي الشوكاني

دار الحديث

سنة النشر: 1413هـ/1993
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء

مسألة: الجزء السادس
باب حد القذف 2924 - ( عن عائشة قالت { : لما أنزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم } . رواه الخمسة إلا النسائي ) .

2925 - ( وعن أبي هريرة قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول { : من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال } متفق عليه ) .

[ ص: 337 ] وعن أبي الزناد أنه قال : جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في فرية ثمانين ، قال أبو الزناد : فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك ، فقال : أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا ما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين . رواه مالك في الموطأ عنه ) .

الحاشية رقم: 1
حديث عائشة حسنه الترمذي وقال : لا يعرف إلا من حديث محمد بن إسحاق . قال المنذري وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى ، انتهى . وقد عنعن ههنا ، وقد قدمنا أنه لا يحتج بعنعنته لتدليسه . وقد أشار إلى الحديث البخاري في صحيحه .

والأثر الذي رواه أبو الزناد عن عبد الله بن ربيعة أخرجه أيضا البيهقي ، ورواه أيضا الثوري في جامعه . قولها : ( لما أنزل عذري ) أي براءتي مما نسب إلي أهل الإفك . قوله تعالىوالمراد بالمنزل قوله تعالى: { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة } إلى قوله : { ورزق كريم } هكذا رواه ابن أبي حاتم والحاكم من مرسل سعيد بن المسيب ، وفي البخاري إلى قوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وعن الزهري إلى قوله تعالى: { والله غفور رحيم } . قوله : ( أمر برجلين وامرأة ) الرجلان حسان بن ثابت ومسطح ، والمرأة حمنة بنت جحش

وأخرج الحاكم في الإكليل أن من جملة من حده النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك عبد الله بن أبي رأس المنافقين . والحديث يرد على الماوردي حيث قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد قذفة عائشة ، ولا مستند له إلا توهم أن الحد إنما يثبت بالبينة أو الإقرار ، وغفل عن النص القرآني المصرح بكذبهم ، وصحة الكذب تستلزم ثبوت الحد . وقد أجمع العلماء على ثبوت حد القذف . وأجمعوا أيضا على أن حده ثمانون جلدة لنص القرآن الكريم بذلك . واختلفوا هل ينصف الحد للعبد أو لا ؟ فذهب الأكثر إلى الأول ، وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم إلى أنه لا ينصف لعموم الآية . وأجاب الأولون بأن العبد مخصص من ذلك العموم بالقياس على حد الزنى ، ويؤيده فعل أكابر الصحابة رضي الله عنهم . وقد تعقب القياس المذكور بأن حد الزنى إنما نصف في العبد لعدم أهليته للعفة وحيلولة الملك بينه وبين التحصن بخلاف الحر ، وبأن القذف حق لآدمي وهو أغلظ

واعلم أنه لا فرق بين قاذف الرجل والمرأة في وجوب حد القذف عليه . ولا يعرف في ذلك خلاف بين أهل العلم ، وقد نازع الجلال في وجوبه على قاذف الرجل ، واستدل على عدم الوجوب بما تقدم صلى الله عليه وسلم في اللعان أنه لم يحد هلال بن أمية لقذفه شريك ابن سحماء ، ولم يحد أهل الإفك إلا لعائشة فقط لا لصفوان بن المعطل ، ولو كان يجب على [ ص: 338 ] قاذف الرجل ; لحد أهل الإفك حدين . وقد أطال الكلام على ذلك في ضوء النهار ، والبسط ههنا يقود إلى تطويل يخرج عن المقصود . قوله : ( يقام عليه الحد يوم القيامة ) فيه دليل على أنه لا يحد من قذف عبده ; لأن تعليق إيقاع الحد عليه بيوم القيامة مشعر بذلك . وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحد قاذف العبد مطلقا . وحكى صاحب البحر عن داود أنه يحد . وأجاب عنه بأنه مخالف للإجماع . وذهب الجمهور أيضا إلى أنه لا يحد قاذف أم الولد إلحاقا لها بالقن . وقال مالك : يحد مطلقا . وقال محمد : يحد إن كان معها ولد ، ولعل مالكا يجعل المحصنات المذكورات في الآية هن العفائف لا الحرائر .

السابق

|

| من 1

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة