الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 43 ] أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا أعقب وصف حرمانهم الانتفاع بدلائل المشاهدات على وحدانية الله وإعراضهم عن سماع الآيات - بتفريع الإنكار لاتخاذهم أولياء من دون الله يزعمونها نافعة لهم تنصرهم تفريع الإنكار على صلة الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ، لأن حسبانهم ذلك نشأ عن كون أعينهم في غطاء وكونهم لا يستطيعون سمعا ، أي حسبوا حسبانا باطلا فلم يغن عنهم ما حسبوه شيئا ، ولأجله كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا .

وتقدم حرف الاستفهام على فاء العطف لأن للاستفهام صدر الكلام وهو كثير في أمثاله ، والخلاف شهير بين علماء العربية في أن الاستفهام مقدم من تأخير ، أو أن العطف إنما هو على ما بعد الاستفهام بعد حذف المستفهم عنه لدلالة المعطوف عليه . فيقدر هنا : أمنوا عذابي فحسبوا أن يتخذوا إلخ . . . وأول القولين أولى . وقد تقدمت نظائره منها قوله تعالى أفتطمعون أن يؤمنوا لكم في سورة البقرة .

والاستفهام إنكاري . والإنكار عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل . ونظيره قوله أحسب الناس أن يتركوا . وأن يتخذوا ساد مسد مفعولي حسب لأنه يشتمل على ما يدل على المفعولين فهو ينحل إلى مفعولين . والتقدير : أحسب الذين كفروا عبادي متخذين أولياء لهم من دوني .

والإنكار متسلط على معمول المفعول الثاني وهو أولياء المعمول ليتخذوا بقرينة ما دل عليه فعل حسب من أن هنالك [ ص: 44 ] محسوبا باطلا . وهو كونهم أولياء باعتبار ما تقتضيه حقيقة الولاية من الحماية والنصر .

وعبادي صادق على الملائكة والجن والشياطين ومن عبدوهم من الأخيار مثل عيسى - عليه السلام - ويصدق على الأصنام بطريق التغليب .

ومن دوني متعلق بأولياء إما بجعل دوني اسما بمعنى حول أي من حول عذابي ، وتأويل أولياء بمعنى أنصارا ، أي حائلين دون عذابي ومانعينهم منه . وإما بجعل دوني بمعنى غيري . أي أحسبوا أنهم يستغنون بولايتهم ؟ .

وصيغ فعل الاتخاذ بصيغة المضارع للدلالة على تجدده منهم وأنهم غير مقلعين عنه .

وجعل في الكشاف فعل يتخذوا للمستقبل . أي أحسبوا أن يتخذوا عبادي أولياء يوم القيامة كما اتخذوهم في الدنيا ؟ وهو المشار إليه بقوله وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ونظره بقوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم . وإظهار الذين كفروا دون أن يقال : أفحسبوا ، بإعادة الضمير إلى الكافرين في الآية قبلها ، لقصد استقلال الجملة بدلالتها ، وزيادة في إظهار التوبيخ لهم .

وجملة إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا مقررة لإنكار انتفاعهم بأوليائهم فأكد بأن جهنم أعدت لهم نزلا فلا محيص لهم عنها ولذلك أكد بحرف إن . [ ص: 45 ] وأعتدنا : أعددنا ، أبدل الدال الأول تاء لقرب الحرفين ، والإعداد : التهيئة ، وقد تقدم آنفا عند قوله تعالى إنا أعتدنا للظالمين نارا . وجعل المسند إليه ضمير الجلالة لإدخال الروع في ضمائر المشركين .

والنزل بضمتين : ما يعد للنزيل والضيف من القرى . وإطلاق اسم النزل على العذاب استعارة علاقتها التهكم ، كقول عمرو بن كلثوم :

قريناكم فعجلنا قراكم قبيل الصبح مرداة طحونا



التالي السابق


الخدمات العلمية