الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلها مشعرة بخضوعها لله تعالى خضوعا مقارنا لوجودها ، وتقلبها آنا فآنا علم بذلك من علمه ، وجهله من جهله ، وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لما لا علم له ، وهو ما خلق الله عليه النظام الأرضي خلقا ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى ، وذلك في أشد الأعراض ملازمة للذوات ، ومطابقة لأشكالها وهو الظل .

وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى وظلالهم بالغدو والآصال في سورة الرعد .

فالجملة معطوفة على الجمل التي قبلها عطف القصة على القصة .

والاستفهام إنكاري ، أي قد رأوا ، والرؤية بصرية .

وقرأ الجمهور أولم يروا بتحتية ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف ( أولم تروا ) بالمثناة الفوقية على الخطاب على طريقة الالتفات .

و من شيء بيان للإبهام الذي في ( ما ) الموصولة ، وإنما كان بيانا باعتبار ما جرى عليه من الوصف بجملة يتفيأ ظلاله الآية .

[ ص: 169 ] والتفيؤ : تفعل من فاء الظل فيئا ، أي عاد بعد أن أزاله ضوء الشمس ، لعل أصله من ( فاء ) إذا رجع بعد مغادرة المكان ، وتفيؤ الظلال تنقلها من جهات بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها .

وتقدم ذكر الظلال عند قوله وظلالهم بالغدو والآصال في سورة الرعد .

وقوله عن اليمين والشمائل ، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود به إيضاح الحالة العجيبة للظل إذ يكون عن يمين الشخص مرة وعن شماله أخرى ، أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها .

وليس المراد خصوص اليمين والشمال ، بل كذلك الأمام والخلف ، فاختصر الكلام .

وأفرد اليمين ; لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المشرق ، وجمع الشمائل مرادا به تعدد جنس جهة الشمال بتعدد أصحابها ، كما قال فلا أقسم برب المشارق ، فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنن .

ومجيء فعل يتفيأ بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين في الفعل : إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح ، وبذلك قرأ الجمهور ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ( تتفيأ ) بفوقيتين على الوجه الآخر .

وأفرد الضمير المضاف إليه ( ظلال ) مراعاة للفظ ( شيء ) وإن كان في المعنى متعددا ، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع .

و ( سجدا ) حال من ضمير ( ظلاله ) العائد إلى ( من شيء ) فهو قيد للتفيؤ ، أي أن ذلك التفيؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه ، وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى وظلالهم بالغدو والآصال في سورة الرعد .

وجملة وهم داخرون في موضع الحال من الضمير في ظلاله ; لأنه في معنى الجمع لرجوعه إلى ما خلق الله من شيء ، وجمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء تغليبا ; لأن في جملة الخلائق العقلاء ، وهم الجنس الأهم .

[ ص: 170 ] والداخر : الخاضع الذليل ، أي ( داخرون ) لعظمة الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية