فروع الفقه الحنفي

رد المحتار على الدر المختار

محمد أمين بن عمر (ابن عابدين)

دار الكتب العلمية-

سنة النشر: 1412هـ/1992م
رقم الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
باب زكاة المال أل فيه للمعهود في حديث { هاتوا ربع عشر أموالكم } فإن المراد به غير السائمة لأن زكاتها غير مقدرة به . ( نصاب الذهب عشرون مثقالا والفضة مائتا درهم كل عشرة ) دراهم ( وزن سبعة مثاقيل ) [ ص: 296 ] والدينار عشرون قيراطا ، والدرهم أربعة عشر قيراطا ، والقيراط خمس شعيرات ، فيكون الدرهم الشرعي سبعين شعيرة والمثقال مائة شعيرة ، فهو درهم وثلاث أسباع درهم ، [ ص: 297 ] وقيل يفتى في كل بلد بوزنهم وسنحققه في متفرقات البيوع ( والمعتبر وزنهما أداء ووجوبا ) لا قيمتهما .

الحاشية رقم: 1
باب زكاة المال ( قوله : أل فيه للمعهود إلخ ) جواب عما يقال إن المال اسم لما يتمول فيتناول السوائم أيضا ، قال في النهر : وبهذا الجواب استغنى عما قيل في المال في عرفنا يتبادر إلى النقد والعروض ا هـ أقول : الجواب الأول ذكره الزيلعي وتبعه في الدرر ، والثاني ذكره في الفتح وتبعه في البحر ، ويظهر لي أنه أحسن ; لأن تبادر الذهن إلى المعهود في العرف أقرب من تبادره إلى المذكور في الحديث تأمل ( قوله : غير مقدرة به ) أي بربع العشر ( قوله : عشرون مثقالا ) فما دون ذلك لا زكاة فيه ولو كان نقصانا يسيرا يدخل بين الوزنين ; لأنه وقع الشك في كمال النصاب فلا حكم بكماله مع الشك بحر عن البدائع .

والمثقال لغة : ما يوزن به قليلا كان أو كثيرا . وعرفا ما يأتي ط ( قوله : كل عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل ) اعلم أن الدراهم كانت في عهد عمر رضي الله عنه مختلفة ، فمنها عشرة دراهم على وزن عشرة مثاقيل ، وعشرة على ستة مثاقيل ، وعشرة على خمسة مثاقيل ، فأخذ عمر رضي الله تعالى عنه من كل نوع ثلثا كي لا تظهر الخصومة في الأخذ والعطاء فثلث عشرة ثلاثة وثلث ، وثلث ستة اثنان وثلث الخمسة درهم وثلثان فالمجموع سبعة ، وإن شئت فاجمع المجموع فيكون إحدى وعشرين [ ص: 296 ] فثلث المجموع سبعة ولذا كانت الدراهم العشرة وزن سبعة ، وهذا يجري في كل شيء حتى في الزكاة ونصاب السرقة والمهر وتقدير الديات ط عن المنح ، لكن قوله تبع للدرر وثلث الخمسة درهم وثلثان صوابه مثقال وثلثان ( قوله : والدينار ) أي الذي هو المثقال كما في الزيلعي وغيره .

قال في الفتح : والظاهر أن المثقال اسم للمقدار المقدر به ، والدينار اسم للمقدر به بقيد ذهبيته . ا هـ .

وحاصله أن الدينار اسم للقطعة من الذهب المضروبة المقدرة بالمثقال ، فاتحادهما من حيث الوزن ( قوله : والدرهم أربعة عشر قيراطا ) فتكون المائتان ألفي قيراط وثمانمائة قيراط .

واعلم أن هذا هو الدرهم الشرعي ، والدرهم المتعارف ستة عشر قيراطا ، وزنه الريال الفرنجي بالدراهم المتعارفة تسعة دراهم وقيراط ، وبالدراهم الشرعية عشرة دراهم وخمسة قراريط وذلك مائة وخمسة وأربعون قيراطا ، فيكون النصاب من الريال تسعة عشر ريالا وثلاثة دراهم وثلاثة قراريط . ا هـ . ط مع بعض زيادة وتصحيح غلط وقع في عبارته فافهم ، ومقتضاه أن الدرهم المتعارف أكبر من الشرعي ، وبه صرح الإمام السروجي في الغاية بقوله درهم مصر أربع وستون حبة وهو أكبر من درهم الزكاة ، فالنصاب منه مائة وثمانون وحبتان ا هـ لكن نظر فيه صاحب الفتح بأنه أصغر لا أكبر ; لأن درهم الزكاة سبعون شعيرة ودرهم مصر لا يزيد على أربعة وستين شعيرة ; لأن ربعه مقدر بأربع خرانيب والخرنوبة أربع قمحات وسط . ا هـ .

قلت : والظاهر أن كلام السروجي مبني على تقدير القيراط بأربع حبات كما هو المعروف الآن ، فإذا كان الدرهم الشرعي أربعة عشر قيراطا يكون ستة وخمسين حبة ، فيكون الدرهم العرفي أكبر منه ، لكن المعتبر في قيراط الدرهم الشرعي خمس حبات ، بخلاف قيراط الدرهم العرفي ، قال بعض المحشين : الدرهم الآن المعروف بمكة والمدينة وأرض الحجاز هو المسمى في عرفنا بالقفلة بالقاف والفاء على وزن تمرة ، وهو ست عشرة خرنوبة ، كل خرنوبة أربع شعيرات أو أربع قمحات ; لأنا اختبرنا الشعيرة المتوسطة مع القمحة المتوسطة فوجدناهما متساويتين ، والقيراط في عرفنا الآن هو الخرنوبة ; فيكون الدرهم العرفي أربعا وستين شعيرة وهو ينقص عن الشرعي بست شعيرات ، والمثقال المعروف الآن أربع وعشرون خرنوبة فهو ست وتسعون شعيرة فينقص عن الشرعي بأربع شعيرات ، فالمائتان من الدراهم الشرعية مائتا قفلة وثمان عشرة قفلة وثلاثة أرباع قفلة ، وزكاتها خمسة دراهم عرفية وسبعة خرانيب ونصف خرنوبة ، والعشرون مثقالا الشرعية أحد وعشرون مثقالا عرفية إلا أربع خرانيب ، وزكاتها اثنتا عشرة خرنوبة ونصف خرنوبة ا هـ وما ذكره من أن المثقال العرفي ست وتسعون شعيرة موافق لما نقله الشارح في شرح الملتقى عن شرح الترتيب من أنه بمصر الآن درهم ونصف .

وذكر الرحمتي عن السيد محمد أسعد مفتي المدينة المنورة أنه وقف على عدة دنانير قديمة ، منها ما هو مضروب في خلافة بني أمية ، ومنها في خلافة بني العباس سنة ( 79 ) وفي خلافة عبد الملك بن مروان سنة ( 83 ) وفي خلافة الرشيد سنة ( 181 ) ومنها سنة ( 173 ) ومنها في زمن المأمون ودنانير أخر متقدمة ومتأخرة وكلها متساوية الوزن كل دينار درهم وربع بدراهم المدينة المنورة كل درهم منها ستة عشر قيراطا ، والقيراط أربع حبات حنطة . ا هـ .

قلت : وهذا موافق لما ذكره الشارح من كون الدينار الشرعي عشرين قيراطا ، لكن يخالفه من حيث اقتضاؤه أن القيراط أربع حبات ، والمثقال ثمانون حبة ، والمذكور في كتب الشافعية والحنابلة أن درهم الزكاة [ ص: 297 ] ستة دوانق والدانق ثمان حبات شعير وخمسا حبة ، فالدرهم خمسون حبة وخمسا حبة ، والمثقال اثنان وسبعون شعيرة معتدلة لم تقشر وقطع من طرفيها ما دق وطال وهو لم يتغير جاهلية ولا إسلاما ، ومتى نقص منه ثلاثة أعشاره كان درهما ، ومتى زيد على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالا . ا هـ . قلت : وعليه فالدرهم اثنا عشر قيراطا كل قيراط نصف دانق أربع حبات وخمس حبة ، والمثقال سبعة عشر قيراطا وحبتان وذلك ; لأن ثلاثة أسباع الدرهم على تقديرهم إحدى وعشرون حبة وثلاثة أخماس حبة ، فإذا زيد ذلك على الدرهم وهو خمسون حبة وخمسا حبة بلغ اثنتين وسبعين حبة ، وقد ذكر في سكب الأنهر أقوالا كثيرة في تحديد القيراط والدرهم بناء على اختلاف الاصطلاحات ، والمقصود تحديد الدرهم الشرعي ، وقد سمعت ما فيه من الاضطراب والمشهور عندنا ما ذكره الشارح .

ثم اعلم أن الدراهم والدنانير المتعامل بها في هذا الزمان أنواع كثيرة مختلفة الوزن والقيمة ويتعامل بها الناس عددا بدون معرفة وزنها ويخرجون زكاتها عددا أيضا لعسر ضبطها بالوزن ولا سيما لمن كان له ديون ، فإنه إن قدرها بالأثقل وزنا بلغت مقدارا ، وإن قدرها بالأخف بلغت درنه فيخرجون عن كل أربعين قرشا منها قرشا ، وعن كل مائتين خمسة وهكذا مع أن الواجب فيها الوزن كما مر ويأتي ، فينبغي أن يكون ما يخرجه من جنس القروش الثقيلة أو الذهب الثقيل حتى لا ينقص ما يخرجه بالعدد عن ربع العشر فتبرأ ذمته بيقين ، بخلاف ما إذا أخرج من الخفيف فقط أو منه ومن الثقيل فإنه قد لا يبلغ ربع عشر ماله إلا إذا كان جميع ماله من جنس الخفيف ، وغالب أصحاب الأموال عن هذا غافلون فليتنبه له ( قوله : وقيل يفتى في كل بلد بوزنهم ) جزم به في الولوالجية ، وعزاه في الخلاصة إلى ابن الفضل ، وبه أخذ السرخسي ، واختاره في المجتبى وجمع النوازل والعيون والمعراج والخانية والفتح وقال بعده إلا أني أقول ينبغي أن يقيد بما إذا كانت لا تنقص عن أقل وزن كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي ما تكون العشرة وزن خمسة ا هـ بحر ملخصا .

زاد في النهر عن السراج إلا أن كون الدرهم أربعة عشر قيراطا عليه الجم الغفير والجمهور الكثير وإطباق كتب المتقدمين والمتأخرين ( قوله وسنحققه إلخ ) الذي حققه هناك لا يتعلق بالزكاة بل بالعقود ، فإذا أطلق اسم الدرهم في العقد انصرف إلى المتعارف وكذلك إذا أطلقه الواقف ح ( قوله : والمعتبر وزنهما أداء ) أي من حيث الأداء ، يعني يعتبر أن يكون المؤدى قدر الواجب وزنا عند الإمام والثاني .

وقال زفر تعتبر القيمة . واعتبر محمد الأنفع للفقراء ، فلو أدى عن خمسة جيدة زيوفا قيمتها أربعة جيدة جاز عندهما وكره .

وقال محمد وزفر : لا يجوز حتى يؤدي الفضل ، ولو أربعة جيدة قيمتها خمسة رديئة لم يجز إلا عند زفر ; ولو كان له إبريق فضة وزنه مائتان وقيمته ثلثمائة إن أدى خمسة من عينه فلا كلام أو من غيره جاز عندهما خلافا لمحمد وزفر إلا أن يؤدي الفضل .

وأجمعوا أنه لو أدى من خلاف جنسه اعتبرت القيمة ، حتى لو أدى من الذهب ما تبلغ قيمته خمسة دراهم من غير الإناء لم يجز في قولهم لتقوم الجودة عند المقابلة بخلاف الجنس ، فإن أدى القيمة وقعت عن القدر المستحق ، كذا في المعراج نهر ( قوله : ووجوبا ) أي من حيث الوجوب ; يعني يعتبر في الوجوب أن يبلغ وزنهما نصابا نهر ، حتى لو كان له إبريق ذهب أو فضة وزنه عشرة مثاقيل أو مائة درهم وقيمته لصياغته عشرون أو مائتان لم يجب فيه شيء إجماعا قهستاني ( قوله : لا قيمتهما ) نفي لقول زفر باعتبار القيمة في الأداء ، وهذا إن لم يؤد من خلاف الجنس [ ص: 298 ] وإلا اعتبرت القيمة إجماعا كما علمت ، وكان على الشارح أن يزيد ولا الأنفع نفيا لقول محمد رحمه الله . ا هـ . ح .

السابق

|

| من 6

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة