علوم الحديث

فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي

أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي

مكتبة السنة

سنة النشر:  1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة أجزاء

مسألة: الجزء الثالث
الثامن : الوجادة .


( 548 ) ثم الوجادة وتلك مصدر وجدته مولدا ليظهر      ( 549 ) تغاير المعنى وذاك إن تجد
بخط من عاصرت أو قبل عهد      ( 550 ) ما لم يحدثك به ولم يجز
فقل بخطه وجدت واحترز      ( 551 ) إن لم تثق بالخط قل وجدت
عنه أو اذكر قيل أو ظننت      ( 552 ) وكله منقطع والأول
قد شيب وصلا ما وقد تسهلوا      ( 553 ) فيه بعن قال وهذا دلسه
تقبح إن أوهم أن نفسه      ( 554 ) حدثه به وبعض أدى
حدثنا أخبرنا وردا      ( 555 ) وقيل في العمل إن المعظما
لم يره وبالوجوب جزما      ( 556 ) بعض المحققين وهو الأصوب
ولابن إدريس الجواز نسبوا      ( 557 ) وإن يكن بغير خطه فقل
قال ونحوها وإن لم يحصل      ( 558 ) بالنسخة الوثوق قل بلغني
والجزم يرجى حله للفطن [ ص: 23 ] القسم

( الثامن ) من أقسام أخذ الحديث ونقله ( الوجادة ) ، ( ثم ) يلي ما تقدم ( الوجادة ) بكسر الواو ، ( وتلك ) ; أي : لفظ الوجادة ( مصدر وجدته مولدا ) ; أي : غير مسموع من العرب ، بمعنى أن أهل الاصطلاح - كما أشار إليه المعافى بن زكريا النهرواني - ولدوا قولهم : وجادة . فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة ، اقتفاء للعرب في التفريق بين مصادر " وجد " للتمييز بين المعاني المختلفة .

( ليظهر تغاير المعنى وذاك ) ; أي : قسم الوجادة اصطلاحا نوعان :

حديث وغيره ; فالأول ( أن تجد بخط ) بعض ( من عاصرت ) سواء لقيته أم لا ، أو بخط بعض من ( قبل ) ممن لم تعاصره ممن ( عهد ) وجوده فيما مضى في تصنيف له أو لغيره وهو يرويه ، من الحديث المرفوع وكذا الموقوف وما أشبهه .

( ما لم يحدثك به ولم يجز ) لك روايته ( فقل ) حسبما استمر عليه العمل قديما وحديثا كما صرح به النووي فيما تورده من ذلك ما معناه ( بخطه ) أي : بخط فلان ( وجدت ) ، وكذا : وجدت بخط فلان ، ونحو ذلك : كقرأت بخط فلان ، أو في كتاب فلان بخطه قال : أنا فلان بن فلان .

وتذكر شيخه وتسوق سائر الإسناد والمتن ، أو ما وجدته بخطه ونحو ذلك ، ( واحترز ) عن الجزم ( إن لم تثق بـ ) ذاك ( الخط ) بطريقه المشروح في المكاتبة ، بل ( قل وجدت عنه ) أي : عن فلان ، أو بلغني عنه ، أو أذكر : وجدت بخط قيل : إنه خط فلان ، أو قال لي فلان : إنه خط فلان .

( أو ظننت ) أنه خط فلان أو ذكر كاتبه أنه فلان بن فلان ، ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالمستند في كونه خطه ، فإن كان بغير خطه فالتعبير عنه [ ص: 24 ] يختلف بالنظر للوثوق به وعدمه كما سيأتي في النوع الثاني قريبا .

ثم إن ما تقدم من التقييد بمن لم يجز هو الذي اقتصر عليه عياض ، وتبعه ابن الصلاح ; لأنه إنما أراد التكلم على الوجادة الخالية عن الإجازة ، أهي مستند صحيح في الرواية أو العمل ؟ وإلا فقد استعملها غير واحد من المحدثين مع الإجازة فيقال : وجدت بخط فلان وأجازه لي .

وهو - كما قاله المصنف - واضح ، وربما لا يصرح بالإجازة كقول عبد الله بن أحمد : وجدت بخط أبي : ثنا فلان . ولفظ الوجادة يشملهما ( وكله ) أي : المروي بالوجادة المجردة سواء وثقت بكونه خطه أم لا .

( منقطع ) أو معلق ، فقد قال الرشيد العطار في ( الغرر المجموعة ) له : الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرواية ، بل قد يقال : إن عده من التعليق أولى من المنقطع ومن المرسل - يعني بالنظر لثالث الأقوال في تعريفه - وإن أجاز جماعة من المتقدمين الرواية عن الوجادة في الكتب مما ليس بسماع لهم ولا إجازة كما ذكره الخطيب في ( الكفاية ) وعقد لذلك بابا وساق فيه عن ابن عمر أنه وجد في قائم سيف أبيه عمر رضي الله عنهما صحيفة فيها كذا .

وعن يحيى بن سعيد القطان قال : رأيت في كتاب عندي عتيق لسفيان [ ص: 25 ] الثوري : حدثني عبد الله بن ذكوان أبو الزناد . وذكر حديثا .

وعن يزيد بن حبيب قال : أودعني فلان كتابا ، أو كلمة تشبه هذه ، فوجدت فيه : عن الأعرج قال ، وكان يحدثنا بأشياء مما في الكتاب ولا يقول : أنا ولا ثنا في آخرين ، فالظاهر أن ذاك عمن سمعوا منه في الجملة وعرفوا حديثه مع إيرادهم له بوجدت أو رأيت ونحوهما ، مع أنه قد كره الرواية عن الصحف غير المسموعة غير واحد من السلف ، كما حكاه الخطيب أيضا ، وساق عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( إذا وجد أحدكم كتابا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه ) .

وعن وكيع قال : لا ينظر في كتاب لم يسمعه ; لا يأمن أن تعلق بقلبه منه . ونحوه عن ابن سيرين كما في القسم الذي قبله ، بل قال عياض : إنهم اتفقوا ، يعني بعد الصدر الأول ، وعليه يحمل كلام النووي الماضي على منع النقل والرواية بالوجادة المجردة ، ولذا صرح ابن كثير بأنه ليس من باب الرواية ، وإنما هو حكاية عما وجده في الكتاب .

قلت : وما وقع في أسامة بن زيد من المناقب من ( صحيح البخاري ) مما رواه عن شيخه علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة أنه قال : ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية فصاح بي قال : فقلت لسفيان : فلم تحمله عن أحد ؟ .

قال : وجدته في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى عن الزهري . وذكر الحديث . لا يخدش فيه ، فقد أخرجه البخاري في الباب نفسه متصلا من حديث الليث عن الزهري ( و ) لكن ( الأول ) وهو ما إذا وثق بأنه خطه ( قد شيب وصلا ) أي : بوصل ( ما ) حيث [ ص: 26 ] قيل فيه : وجدت بخط فلان . لما فيه من الارتباط في الجملة ، وزيادة قوة للخبر ، فإنه إذا وجد حديث في ( مسند الإمام أحمد ) مثلا وهو بخطه ، فقول القائل : وجدت بخط أحمد كذا . أقوى من قوله : قال أحمد ; لأن القول ربما يقبل الزيادة والنقص والتغيير ولا سيما عند من يجيز النقل بالمعنى بخلاف الخط .

( وقد تسهلوا ) ; أي : جماعة من المحدثين كبهز بن حكيم ، والحسن البصري ، والحكم بن مقسم ، وأبي سفيان طلحة بن نافع ، وعمرو بن شعيب ، ومخرمة بن بكير ، ووائل بن داود .

( فيه ) أي : في إيراد ما يجدونه بخط الشخص فأتوا ( بـ ) لفظ ( عن ) فلان أو نحوها ، مثل " قال " مكان " وجدت " ; إذ أكثر رواية بهز عن أبيه عن جده فيما قيل من صحيفة ، وكذا قاله شعبة في رواية أبي سفيان عن جابر ، وصالح جزرة وغيره في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وابن المديني في رواية وائل عن ولده بكر .

وصرح به الحسن البصري لما قيل له : يا أبا سعيد ، عمن هذه الأحاديث التي تحدثنا ؟ فقال : صحيفة وجدناها . والجمهور في رواية مخرمة بن بكير عن أبيه . وكذا قيل : إن الحكم عن مقسم لم يسمع من ابن عباس سوى أربعة أحاديث ، والباقي كتاب .

[ ص: 27 ] قال ابن الصلاح : ( وهذا دلسة تقبح إن أوهم ) الواجد بأن كان معاصرا له ( أن نفسه ) أي : الشخص الذي وجد المروي بخطه ( حدثه به ) أو له منه إجازة ، بخلاف ما إذا لم يوهم ، بأن لم يكن معاصرا له ( وبعض ) جازف فـ ( أدى ) ما وجده كذلك قائلا : ثنا وأنا .

قال ابن المديني : ثنا أبو الوليد الطيالسي : ثنا صاحب لنا من أهل الري ثقة يقال له : أشرس . قال : قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد ، فقدم علينا إسحاق فجعل يقول : حدثنا الزهري قال : فقلت له : أين لقيته قال : لم ألقه ، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له .

وحكاه القاضي عياض أيضا ، ولكن روي عن إسحاق بن راشد أيضا أنه قال : بعث محمد بن علي بن زيد بن علي إلى الزهري فقال : يقول لك أبو جعفر : استوص بإسحاق خيرا فإنه منا أهل البيت .

قال شيخنا : وهذا يدل على أنه لقي الزهري ، وحينئذ ; فإن كان هو الذي عناه ابن الصلاح بالبعض ، فقد ظهر الخدش فيه ولعله عنى غيره ، ومقتضى جزم غير واحد بكون شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص لم يسمع من جده ، إنما وجد كتابه فحدث منه ، مع تصريحه عنه في أحاديث قليلة بالسماع والتحديث ، إدراجه في البعض ، [ ص: 28 ] وعلى كل حال فقد ( ردا ) ذلك على فاعله ، وقال عياض : إني لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيه بذلك ولا من عده معد المسند . انتهى .

ولعل فاعله كانت له من صاحب الخط إجازة وهو ممن يرى إطلاقهما في الإجازة كما ذكره عياض ، ثم ابن الصلاح في القسم قبله .

ويستأنس له بقول أبي القاسم البلخي : إن المجوزين في هذا القسم أن يقول : أنا فلان عن فلان . احتجوا بأنه إذا وجد سماعه بخط موثوق به جاز له أن يقول : ثنا فلان ، يعني كما سيجيء في محله ، وإن لم يكن كذلك فهو أقبح تدليس قادح في الرواية .

( و ) لكونه غير متصل ( قيل في العمل ) بما تضمنه ( إن المعظما ) من المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم كما قاله عياض ( لم يره ) قياسا على المرسل والمنقطع ونحوهما مما لم يتصل ، وكان من يحتج بالمرسل ممن ذهب إلى هذا يفرق بأنه هناك في القرون الفاضلة ، وأما من يرى منهم الشهادة على الخط فقد يفرق بعدم استلزامها الاتصال .

( و ) لكن ( بالوجوب ) في العمل حيث ساغ ( جزما ) أي : قطع ( بعض المحققين ) من أصحاب الشافعي في أصول الفقه عند حصول الثقة به ، وقال : إنه لو عرض على جملة المحدثين لأتوه ; فإن معظمهم كما تقدم لا يرونه حجة .

( و ) القطع بالوجوب ( هو الأصوب ) الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة ، يعني التي قصرت الهمم فيها جدا ، وحصل التوسع فيها ، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط [ ص: 29 ] الرواية في هذا الزمان ، يعني : فلم يبق إلا مجرد وجادات ، وقال النووي : إنه الصحيح .

قلت : وقول أبي عمران الجوني : ( كنا نسمع بالصحيفة فيها علم فننتابها كما ينتاب الرجل الفقيه حتى قدم علينا ههنا آل الزبير ومعهم قوم فقهاء ) مشعر بعملهم بما فيها كالعمل بقول الفقيه .

( ولـ ) لإمام الأعظم ( ابن إدريس ) الشافعي ( الجواز نسبوا ) أي : جماعة من الفقهاء وغيرهم ، وقال به طائفة من نظار أصحابه ، قال ابن الصلاح تبعا لعياض : وهو الذي نصره الجويني واختاره غيره من أرباب التحقيق . فاجتمع في العمل ثلاثة أقوال : المنع ، الوجوب ، الجواز .

وقد استدل العماد بن كثير للعمل بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟ ) قالوا : الملائكة ، قال : ( وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ ) وذكروا الأنبياء ، قال : ( وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ ) قالوا : فنحن ، قال : ( وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ ) قالوا : فمن يا رسول الله ؟ قال : ( قوم يأتون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها ) حيث قال : فيؤخذ منه مدح من عمل [ ص: 30 ] بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة ، وقال البلقيني : وهو استنباط حسن .

قلت : وفي الإطلاق نظر ; فالوجود بمجرده لا يسوغ العمل .

( و ) أما ( إن يكن ) وهو النوع الثاني ما تجد من مصنف لبعض العلماء ممن عاصرته أولا كما بين أولا ( بغير خطه ) أي : المصنف ، مع الثقة بصحة النسخة بأن قابلها المصنف أو ثقة غيره بالأصل أو بفرع مقابل كما قرر في محله .

( فقل : قال ) فلان كذا ( ونحوها ) من ألفاظ الجزم ، كذكر فلان ، أو بخط مصنفه مع الثقة بأنه خطه فقل أيضا : وجدت بخط فلان . ونحوها كما في النوع الأول واحك كلامه ، ( وإن لم يحصل بالنسخة الوثوق ) فـ ( قل : بلغني ) عن فلان أنه ذكر كذا ، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني ، وما أشبههما من العبارات التي لا تقتضي الجزم .

( و ) لكن ( الجزم ) في المحكي لما يكون من هذا القبيل ( يرجى حله للفطن ) العالم الذي لا يخفى عليه في الغالب مواضع الأسقاط والسقط وما أحيل عن جهته ; أي : بضرب من التأويل من غيرها .

قال ابن الصلاح : وإلى هذا - فيما [ ص: 31 ] أحسب - استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس مع تسامح كثير في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر ولا تثبت ، فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنف معين وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلا : قال فلان كذا . ونحو ذلك ، والصواب ما تقدم .

قلت : ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد والتقييدات ونحو ذلك ، فإن كان بخط معروف ; فلا بأس بنقلها وعزوها إلى من هي له ، وإلا فلا يجوز اعتمادها إلا لعالم متقن ، وربما تكون تلك الحواشي بخط شخص وليست له ، أو بعضها له وبعضها لغيره فيشتبه ذلك على ناقله بحيث يعزو الكل لواحد .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة