شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 32 ] الحديث الرابع والعشرون . عن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم : أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . رواه مسلم .
الحاشية رقم: 1
[ ص: 33 ] هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن زيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ، وفي آخره : قال سعيد بن عبد العزيز : كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه . وخرجه مسلم أيضا من رواية قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسقه بلفظه ، ولكنه قال : وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس ، وحديث أبي إدريس أتم . وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، من رواية شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديت ، فسلوني الهدى أهدكم ، وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أرزقكم ، وكلكم مذنب إلا من عافيت ، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني ، غفرت له ولا أبالي ، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة ، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم ، اجتمعوا في صعيد واحد ، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر ، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ، ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد ، عطائي كلام ، وعذابي كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن فيكون وهذا لفظ الترمذي ، وقال : حديث حسن . وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن إسناده ضعيف . [ ص: 34 ] وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد : هو أشرف حديث لأهل الشام . فقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " يعني : أنه منع نفسه من الظلم لعباده ، كما قال عز وجل : وما أنا بظلام للعبيد [ ق : 29 ] ، وقال : وما الله يريد ظلما للعباد [ غافر 31 ] ، وقال وما الله يريد ظلما للعالمين [ آل عمران : 108 ] ، وقال وما ربك بظلام للعبيد [ فصلت : 46 ] ، وقال : إن الله لا يظلم الناس شيئا [ يونس : 44 ] ، وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] ، وقال : [ ص: 35 ] ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [ طه : 112 ] ، والهضم : أن ينقص من جزاء حسناته ، والظلم : أن يعاقب بذنوب غيره ، ومثل هذا كثير في القرآن . وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ، ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده . وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير موضعها . وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنهم يقولون : إن الظلم مستحيل عليه ، وغيره متصور في حقه ، لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه ، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين حين سأله عن القدر . وخرج أبو داود ، وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان ، عن وهب بن خالد الحمصي ، عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول : لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم ، لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، وأنه أتى ابن مسعود ، فقال له مثل ذلك ، ثم أتى زيد بن ثابت ، فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك . وفي هذا الحديث نظر ، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم . وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم ، لقدر لهم ما يعذبهم عليه ، فيكون غير ظالم لهم حينئذ . [ ص: 36 ] وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى ، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد ، وهي خلقه وتقديره ، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده ، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته ، وهو لا يوصف بشيء منها ، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم . وقوله " وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا " يعني : أنه تعالى حرم الظلم على عباده ، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم ، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره ، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا ، وهو نوعان : أحدهما : ظلم النفس ، وأعظمه الشرك ، كما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] ، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق ، فعبده وتألهه ، فهو وضع الأشياء في غير موضعها ، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون ، كما قال عز وجل : والكافرون هم الظالمون [ البقرة : 254 ] ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر . والثاني : ظلم العبد لغيره ، وهو المذكور في هذا الحديث ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر من يوم عرفة ، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق ، وفي رواية : ثم قال : " اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ؛ إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " . وفي " الصحيحين " عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الظلم ظلمات يوم القيامة . وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : 102 ] . وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة لأخيه ، فليتحلله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه .

الحـــواشي 1  2  3  4  5  
السابق

|

| من 1

1998-2016 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة