مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

الفتاوى

مجموع فتاوى ابن تيمية

تقي الدين ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416هـ/1995م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

مسألة: الجزء الحادي عشر
[ ص: 72 ] سئل رحمه الله عن قوم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث لا سند لهم بها . فيقولون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنا من الله والمؤمنون مني يتسمون بالأهوية منه } فهل هذا صحيح أم لا ؟ ويقرءون بينهم أحاديث ويزعمون أن عمر رضي الله عنه قال : كان أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثان بحديث أبقى بينهما كأني زنجي لا أفقه . فهل يصح هذا أم لا؟

ويتحدثون عن أصحاب الصفة بأحاديث كثيرة : منها أنهم يقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدهم على الإسلام من قبل أن يبعث فوجدهم على الطريق وإنهم لم يكونوا يغزون معه حقيقة . وإنه ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة فلما فر المسلمون منهزمين ضربوا بسيوفهم في عسكر النبي صلى الله عليه وسلم . وقالوا : نحن حزب الله الغالبون وزعموا أنهم لم يقتلوا إلا منافقين في تلك المرة فهل يصح ذلك أم لا ؟

والمسئول تعيين " أصحاب الصفة " كم هم من رجل ؟ ومن كانوا من [ ص: 73 ] الصحابة رضي الله عنهم ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى لما عرج بنبيه صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه مائة ألف سر وأمره ألا يظهرها على أحد من البشر . فلما نزل إلى الأرض وجد أصحاب الصفة يتحدثون بها فقال : يا رب ; إنني لم أظهر على هذا السر أحدا فأوحى الله إليه أنهم كانوا شهودا بيني وبينك فهل لهذه الأشياء صحة أم لا ؟

الحاشية رقم: 1
فأجاب .

الحمد لله رب العالمين جميع هذه الأحاديث أكاذيب مختلقة ليتبوأ مفتريها مقعده من النار . لا خلاف بين جميع علماء المسلمين - أهل المعرفة وغيرهم - أنها مكذوبة مخلوقة ليس لشيء منها أصل ; بل من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنه كافر ; يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وليس لشيء من هذه الأحاديث أصل ألبتة . ولا توجد في كتاب ; ولا رواها قط أحد ممن يعرف الله ورسوله .

فأما " الحديث الأول " قوله : { أنا من الله والمؤمنون مني } فلا يحفظ هذا اللفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . لكن { قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : أنت مني وأنا منك } كما قال الله سبحانه : { بعضكم من بعض } أي أنتم نوع واحد . متفقون في القصد والهدى كالروحين اللتين تتفقان في صفاتهما ; وهي الجنود المجندة التي [ ص: 74 ] قال النبي صلى الله عليه وسلم { الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف } وأما أن يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى .

فهذا كفر صريح يقوله أعداء الله النصارى ومن غلا من الرافضة ; وجهال المتصوفة ومن اعتقده فهو كافر .

نعم للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب ; ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة ولا يعرفه حق المعرفة إلا من أدركه وناله ; والرب رب . والعبد عبد . ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ; ولا في مخلوقاته شيء من ذاته : وليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب تعالى به ; أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به .

وإن سمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ . فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية ; الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية .

والذي يصح منه عن الشيوخ له معان صحيحة ; ومنه ما صدر عن بعضهم في حال استيلاء حال عليه ; ألحقه تلك الساعة بالسكران الذي لا يميز ما يخرج منه من القول ثم إذا ثاب عليه عقله وتمييزه ينكر ذلك القول ; ويكفر من يقوله ; وما يخرج من القول في حال غيبة [ ص: 75 ] عقل الإنسان لا يتخذه هو ولا غيره عقيدة . ولا حكم له ; بل القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه والسكران الذي سكر بغير سبب محرم ; مثل من يسقى الخمر وهو لا يعرفها أو أوجرها حتى سكر أو أطعم البنج وهو لا يعرفه ; فكذلك .

وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال الله وعظمته وجماله أمورا عظيمة تصادف قلوبا رقيقة فتحدث غشيا وإغماء . ومنها ما يوجب الموت . ومنها ما يخل العقل .

وإن كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعتري الناقصين عنهم ; لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم وضعف المحل المورود عليه فمن اغتر بما يقولونه أو يفعلونه في تلك الحال كان ضالا مضلا .

وإنما " الأحوال الصحيحة " مثل ما دل عليه ما رواه البخاري في صحيحه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : { من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها . فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن [ ص: 76 ] قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه } .

فانظر كيف قال في تمام الحديث : { فبي يسمع وبي يبصر ولئن سألني ولئن استعاذني } فميز بين الرب وبين العبد ألا تسمع إلى قوله تعالى { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } وقال : { وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } إلى قوله { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } وقال : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } - إلى قوله - { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } .

وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يقول الله تعالى : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني فيقول : رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده } وذكر في الجوع والعري مثل ذلك .

فانظر كيف عبر في أول الحديث بلفظ [ ص: 77 ] مرضت ثم فسره في تمامه ; بأن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده فميز بين الرب والعبد والعبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله بحيث لا يريد إلا ما يريده الله أمرا به ورضا ولا يحب إلا ما يحبه الله ولا يبغض إلا ما يبغضه الله ولا يلتفت إلى عذل العاذلين ولوم اللائمين كما قال سبحانه : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } .

والكلام في مقامات العارفين طويل .

وإنما الغرض أن يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا النصارى وسلكوا سبيل أهل " الحلول والاتحاد " وكذبوا على الله ورسوله . وكذبوا الله ورسوله وبين العالمين بالله والمحبين له أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء كما اشتبه على كثير من الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبئ بمحمد بن عبد الله رسول الله حقا حتى صدقوا الكاذب وكذبوا الصادق . والله قد جعل على الحق آيات وعلامات وبراهين ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور .


الحـــواشي 1  2  3  4  
السابق

|

| من 3

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة