الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 53 ] الفتاح المنان ، ذي الطول والفضل والإحسان ، الذي من علينا بالإيمان ، وفضل ديننا على سائر الأديان ، ومحا بحبيبه وخليله عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم عبادة الأوثان .

        التالي السابق


        ( الفتاح ) صيغة مبالغة من الفتح بمعنى القضاء ، قال تعالى : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) .

        ( المنان ) صيغة مبالغة من المن ، بمعنى الكثير الإنعام ، وسيأتي في النوع الخامس والأربعين في أثر مسلسل عن علي : أنه الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال .

        ( ذي الطول ) كما وصف تعالى بذلك نفسه في كتابه ، وفسره ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم ، بذي السعة والغنى .

        ( والفضل والإحسان الذي من علينا بالإيمان ) بأن هدانا إليه ووفقنا له .

        [ ص: 54 ] ( وفضل ديننا ) وهو الإسلام ( على سائر الأديان ) كما وردت بذلك الأحاديث المشهورة .

        ( ومحا بحبيبه وخليله عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم عبادة الأوثان ) أي الأصنام التي كان عليها كفار الجاهلية في زمن الفترة بعد عيسى عليه السلام ، وقد ذكر المصنف هنا أربع صفات من أشرف أوصافه صلى الله عليه وسلم : فالحبيب ورد في حديث الترمذي وغيره عن ابن عباس مرفوعا : " ألا وأنا حبيب الله ولا فخر " .

        وروى أحمد وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، وإن صاحبكم خليل الله " .

        وقد اختلف في تفسير الخلة واشتقاقها ، فقيل : الخليل المنقطع إلى الله بلا مرية ، وقيل المختص به ، وقيل الصفي الذي يوالي فيه ويعادي فيه ، وقيل المحتاج إليه .

        وأصل المحبة الميل ، وهي في حق الله تعالى تمكينه لعبده من السعادة والعصمة ، وتهيئة أسباب القرب ، وإفاضة الرحمة عليه ، وكشف الحجب عن قلبه ، والأكثر عن أن درجة المحبة أرفع ، وقيل بالعكس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نفى ثبوت الخلة لغير ربه ، وأثبت المحبة [ ص: 55 ] لفاطمة وابنها وأسامة وغيرهم ، وقيل هما سواء ، والعبد : من أشرف صفات المخلوق .

        أسند القشيري في رسالته عن الدقاق قال : ليس شيء أشرف من العبودية ، ولا اسم أتم للمؤمن منها ، ولذلك قال في صفته صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج - وكان أشرف أوقاته : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ( فأوحى إلى عبده ) ، ولو كان اسم أجل من العبودية لسماه به .

        وأسند عنه أيضا قال : العبودية أتم من العبادة ، فأولا عبادة وهي للعوام ، ثم عبودية وهي للخواص ، ثم عبودية وهي لخواص الخواص .

        وفي المسند وغيره من حديث أبي هريرة : أن ملكا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله أرسلني إليك ؛ أفملكا نبيا يجعلك ، أو عبدا رسولا ؟ فقال جبريل : تواضع لربك ، يا محمد ، قال : " بل عبدا رسولا " .

        [ ص: 56 ] والأشهر في معنى الرسول أنه إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه ، فإن لم يؤمر فنبي فقط ، وممن جزم به الحليمي ، وقيل : وكان معه كتاب ، أو نسخ لبعض شرع من قبله ، فإن لم يكن فنبي فقط وإن أمر بالتبليغ ، فالنبي أعم عليهما ، وقيل هما بمعنى ، وهو الأولى .

        ثم الأكثر على أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الإنس والجن دون الملائكة ، صرح بذلك الحليمي والبيهقي في الشعب والرازي والنسفي في تفسيريهما .

        ونقله المتأخرون ، منهم الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على ابن الصلاح ، والشيخ جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع ، واختار البارزي والسبكي أنه مرسل إلى الملائكة أيضا ، وهو اختياري وقد ألفت فيه كتابا ، وأما الكلام في شرح اسمه محمد فقد بسطناه في شرح الأسماء النبوية .




        الخدمات العلمية