الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الفصل الثالث : في الترجيح بين الأئمة إذا اجتمعوا :

                                                                                                                في الجواهر : من أفرد بالعلم والورع فهو أولى إذ بهما تؤدى الصلاة وتحصل الشفاعة ، فإن تعدد من جمعها ، رجح بالفضائل الشرعية والخلقية والمكانية كشرف [ ص: 254 ] النسب فإنه يبعث على صيانة المتصف به عما ينافي دينه ، ويوجب له أنفة عن ذلك . والسن ; لقوله عليه السلام : البركة في أكابركم . ولأنه أطاع الله قبل الأصاغر فيتميز بذلك . وكمال الصورة ; لأن جمال الخلق يدل على جمال الأخلاق غالبا ، وحسن اللباس فإنه يدل على شرف النفس والبعد عن النجاسات ; لكونها مستقذرات ، وكمال البنية فإنه يدل على وفور العقل ، وحسن الخلق فإنه من أعظم صفات الشرف ، وتقدم الأمير على الرعية ; لئلا تنقص حرمته في النفوس بتقديم غيره عليه فتختل المصالح العامة . والفقيه على الصالح ; لأن الفقه مقصود لصون الأركان والشروط عن المفسدات والصلاح من التتمات فإن تساووا وتشاحوا أقرع بينهم إن طلبوا الفضيلة لا الرياسة ، وفي مسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه ، وقال ابن حنبل : القارئ أولى من العالم لظاهر الحديث .

                                                                                                                وجوابه : أن أقرأهم حينئذ كان أعلمهم ، وليس ذلك محل النزاع ، ورجح مالك بالقرابة في العتبية فقال : لا يؤم عمه وإن كان أصغر منه ، ووافقه ح .

                                                                                                                تنبيه :

                                                                                                                قال صاحب الطراز : وقع في التهذيب غلط وهو قوله يؤم الأعلم إذا كان [ ص: 255 ] أحسنهم حالا ، وإنما في الكتاب إذا كانت حاله حسنة ، والفرق ظاهر بين حسن وأحسن .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                قال في الكتاب : صاحب المنزل أولى ممن حضره ، قال صاحب الطراز : وكذلك تمنع الإمامة في مسجد الإمام الراتب إلا بإذنه ; لاندراج جميع ذلك تحت الحديث المتقدم ، وينبغي لرب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه ، وأهل كل المسجد أولى بإمامته إلا أن يحضرهم الوالي ، ولا يتقدم رب الدار على من يكره إمامته ; لما في الترمذي لعن عليه السلام ثلاثة : رجلا أم قوما وهم له كارهون ، وامرأة بات زوجها عليها ساخطا ، ورجلا سمع حي على الفلاح فلم يجب . قال : ولا فرق بين كراهة جميعهم أو أكثرهم ، وأهل الفضل منهم وإن قلوا ، ولو كان صاحب الدار عبدا ، قال مالك : هو أولى فلو كانت امرأة ، قال بعض الأصحاب : تولي رجلا ; لأنه منزلها لا يتصرف فيه إلا بإذنها ، وفي الجواهر يستوي مالك الدار ومنفعتها .

                                                                                                                قاعدة :

                                                                                                                يتقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها فيتقدم للقضاء من هو أكثر يقظة بوجوه الحجاج والأحكام ، وفي الحروب من هو أعلم بمكايدها وأشد [ ص: 256 ] إقداما عليها ، وأعرف بسياسة خبرها ، وفي الزكاة من هو أعلم بنصبها وأحكامها ، وفي إمامة الحكم من هو أعلم بتدبير الأيتام ، وتنمية الأموال وقد يكون الشخص الواحد ناقصا في باب كاملا في غيره ، كالمرأة ناقصة في ولاية الحروب كاملة باعتبار الحضانة ; لأن فيها من الصبر على الطفل وتحصيل مصالحه ما ليس في الرجال فعلى هذه القاعدة قدم الفقيه على القارئ ; لأنه أعلم بإقامة أركانها ، ودرء مفسداتها ، وكذلك سائر الأوصاف التي قدمناها لها مدخل في تحصيل مصلحة الصلاة إلا الإمارة فإنا قدمنا المصلحة العامة فيها على الخاصة ، واستشكل على ذلك التقديم بالمكان نحو رب الدار والمسجد فإن المكان لا مدخل له في مصلحة الصلاة ، وليس فيه مصلحة تترك له مصلحة الصلاة ، وقد كتب عمر - رضي الله عنه - إلى عماله إن أهم أمركم عندي الصلاة ، وهي أفضل الأعمال بعد الإيمان فكانت رعايتها أولى من رعاية صاحب المنزل .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية