شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة:
4621 - عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى أقبل علينا بوجهه ، فقال : " من رأى منكم الليلة رؤيا " قال : فإن رأى أحد قصها ، فيقول ما شاء الله . فسألنا يوما فقال : " هل رأى منكم أحد رؤيا ؟ " قلنا : لا . قال : " لكني رأيت الليلة رجلين أتياني ، فأخذا بيدي ، فأخرجاني إلى أرض مقدسة ، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد ، يدخله في شدقه ، فيشقه حتى يبلغ قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم شدقه هذا ، فيعود فيصنع مثله . قلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا ، حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ، ورجل قائم على رأسه بفهر ، أو صخرة يشدخ بها رأسه ، فإذا ضربه تدهده الحجر ، فانطلق إليه ليأخذه ، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه ، وعاد رأسه كما كان ، فعاد إليه فضربه ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا ، حتى أتينا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع ، تتوقد تحته نار ، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا منها ، وإذا خمدت رجعوا فيها ، وفيها رجال ونساء عراة . فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق . فانطلقنا ، حتى أتينا على نهر من دم ، فيه رجل قائم على وسط النهر ، وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان ، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا ، حتى انتهينا إلى روضة خضراء ، فيها شجرة عظيمة ، وفي أصلها شيخ وصبيان ، وإذا رجل قريب من الشجر ، بين يديه نار يوقدها ، فصعدا بي الشجرة ، فأدخلاني دارا وسط الشجرة ، لم أر قط أحسن منها ، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان ، ثم أخرجاني منها ، فصعدا بي الشجرة ، فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل منها ، فيها شيوخ وشباب ، فقلت لهما : إنكما قد طوفتماني الليلة ، فأخبراني عما رأيت . قالا : نعم ، أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه فكذاب ، يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما ترى إلى يوم القيامة ، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار ، يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة ، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة ، والذي رأيته في النهر آكل الربا . والشيخ الذي رأيته في أصل الشجرة إبراهيم . والصبيان حوله فأولاد الناس ، والذي يوقد النار مالك خازن النار . والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين . وأما هذه الدار فدار الشهداء . وأنا جبريل وهذا ميكائيل ، فارفع رأسك ، فرفعت رأسي ، فإذا فوقي مثل السحاب - وفي رواية : مثل الربابة البيضاء قالا : ذلك منزلك . قلت : دعاني أدخل منزلي . قالا : إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك " رواه البخاري . وذكر حديث عبد الله بن عمر في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة في " باب حرم المدينة " .

الحاشية رقم: 1
4621 - ( وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - ) ، مر ذكره ( قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى ) أي : صلاة الصبح وفرغ من أوراده ( أقبل علينا بوجهه ، فقال : " من رأى منكم الليلة رؤيا ؟ ) على وزن فعلى بلا تنوين ويجوز تنوينه كما قرئ به في الشاذة : أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ، وكذا روي منونا قوله في الحديث : ومن كانت هجرته لدنيا . ( قال ) أي : الراوي ( فإن رأى أحد ) أي : رؤيا صالحة ( قصها ، فيقول ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعبيرها ( ما شاء الله ) أي : مما يلهمه في جنانه ويجريه على لسانه ( فسألنا ) أي : هو ( يوما ) أي : صباح يوم ( فقال : هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ ) يعني : على عادته - صلى الله عليه وسلم - في هذا السؤال ( قلنا : لا ) إما لا صريحا أو سكوتا ( قال : لكني رأيت الليلة ) .

قال الطيبي ، فإن قلت : ما معنى الاستدراك ؟ قلت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهمه أن يرى أحدهم رؤيا يقصها ، فلما سألهم ولم يحصل منهم تلك قال : أنتم ما رأيتم ما يهمني لكني رأيت الليلة ( رجلين ) أي : شخصين على صورة رجلين ( أتياني ، فأخذا بيدي ) بتشديد الياء ( فأخرجاني إلى أرض ) بالتنوين ( مقدسة ) ، أي مطهرة مطيبة ، قيل هي أرض الشام ( فإذا رجل جالس ورجل ) أي : وهناك رجل ( قائم بيده كلوب ) بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة ، وقد يقال له الكلاب أيضا حديدة معوجة الرأس تتعلق بالشيء مع شدة فيجذب به ، فقوله : ( من حديد ) ، للتجريد وقيل للتأكيد ( يدخله ) أي : الرجل القائم ، ذلك الكلوب ( في شدقه ) ، أي : في جانب فم الرجل الجالس . قال شارح : هو بكسر الشين المعجمة وسكون الدال المهملة طرف شفته من جانب الأذن ( فيشقه ) أي : يقطعه ( حتى يبلغ ) أي : يصل قطعه ( قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم ) أي : يبرأ ( شدقه هذا ) أي : المشقوق ، والظاهر أن يقال ذاك ، ولعله أراد هذا الثاني ، أي يلتئم شدقه هذا ، أو وقع هذا مقام ذلك في أن المراد به المذكور من الشدقين ( فيعود ) أي : الرجل القائم ( فيصنع مثله ) أي : فيصنع بالرجل الجالس مثل صنعه الأول ( قلت : ما هذا ؟ ) أي الذي رأيناه ( قالا : انطلق ) ، أي اذهب ولا تسأل ( فانطلقنا ) ، أي جميعا ( حتى أتينا ) أي : مررنا ( على رجل مضطجع على قفاه ، ورجل ) : بالرفع أي : وهناك رجل ( قائم ) : وفي نسخة السيد بجرهما ، وكذا في نسخة مقروءة على الجزري عطفا على رجل ، أي : وعلى رجل قائم ( على رأسه ) أي : رأس الرجل المضطجع ( بفهر ) : بكسر الفاء وسكون الهاء ، أي : أخذ بحجر ملء الكف على ما في النهاية ، وقيل هو الحجر مطلقا ( أو صخرة ) : وهي الحجر العظيم ، قيل أو للشك ، ويحتمل التنويع ، أي : تارة وتارة ( يشدخ ) : بفتح الدال المهملة ، أي : يكسر ويدق ( به ) أي : بذلك الحجر والباء للاستعانة ( رأسه ، فإذا ضربه ) أي : بالحجر على رأسه ( تدهده الحجر ) ، أي : تدحرج ( فانطلق إليه ) أي : فذهب الرجل إلى ذلك الحجر ( ليأخذه فلا يرجع إلى هذا ) أي : المضطجع ( حتى يلتئم رأسه ) ، أي : شدخه ( وعاد رأسه كما كان ) ، أي : رجع مثل ما كان أولا ، وهذه الجملة تأكيد لما قبلها ( فعاد إليه ) أي : فرجع متوجها إليه ( فضربه ) ، أي : فشدخه ثانيا ( فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق فانطلقنا حتى أتينا ) أي : جئنا ( إلى ثقب ) : بفتح مثلثة وسكون قاف ، وفي نسخة بنون مفتوحة في أوله ، وهو الموافق لما في المصابيح ومؤداهما واحد ، ففي القاموس الثقب النقب . وقال صاحب المغرب : الثقب الخرق النافذ [ ص: 2926 ] والثقبة بالضم مثله ، وإنما يقال : هذا فيما يقل ويصغر ، وأما نقب الحائط ونحوه بالنون ، فذلك فيما يعظم ، هذا وفي نسخة على ثقب ، بالمعنى : مررنا على ثقب ( مثل التنور ) : بالجر ( أعلاه ضيق وأسفله واسع ) ، الجملة صفة كاشفة ( تتوقد ) : بالتأنيث وجوز تذكيره ( تحته ) أي : تحت التنور ( نار ) ، وفي بعض النسخ منها - نسخة السيد - نارا بالنصب على التمييز ، أي : يتوقد ما تحته نارا ، فحذف الموصول ، وقال ابن الملك : روي بالنصب على التمييز ، وأسند يتوقد إلى ضمير الثقب . ( فإذا ارتقت ) : بقاف بين تاءين ، قال الطيبي : كذا في الحميدي ، وجامع الأصول ، وفي بعض نسخ المصابيح اقترنت ، وفي بعضها أوقدت ، والأول هو الصحيح رواية ودراية اهـ .

وفي الدراية نظر إذ المعاني مقاربة أي فإذا اشتعلت النار ، وفي نسخة : فإذا ارتفعت من الرفعة ( ارتفعوا ) أي : الناس الذين في الثقب المشبه بالتنور ( حتى كاد أن يخرجوا منها ) ، قال الطيبي : كذا في الحميدي والجامع ، أي : كاد خروجهم والخبر محذوف ، أي : كاد خروجهم يتحقق ، وفي نسخة المصابيح : يكادوا يخرجوا وحقه بثبات النون ، اللهم إلا أن يتحمل ، ويقدر أن يخرجوا تشبيها لكاد بعسى ، ثم حذف أن وترك على حاله ( وإذا خمدت ) : بفتح الخاء المعجمة والميم ويكسر ، ففي القاموس خمدت النار كنصر وسمع سكن لهبها ولم يطفأ جمرها ( رجعوا ) أي : الناس الذين كادوا أن يخرجوا ( فيها ) ، أي : في قعرها ليكون العذاب أشد ( وفيها ) أي : في تلك النار ( رجال ونساء عراة ) الجملة بيان للناس المفهوم من قوله : ارتفعوا ، وتنبيه على التغليب في الضمير وتوضيح لكشف أبدانهم ، فإنه للتهويل أوهى وللتنفير أدعى ( فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق . فانطلقنا ، حتى أتينا على نهر ) بفتح الهاء ويسكن ( من دم ، فيه رجل قائم على وسط النهر ) بسكون السين ويحرك ، والجار الثاني بيان للأول فتأمل ( وعلى شط النهر ) أي : طرفه ( رجل بين يديه حجارة ) ، بكسر الحاء جمع حجر ( فأقبل الرجل الذي في النهر ) ، أي : مريدا للخروج ( فإذا أراد أن يخرج ) أي : بالكلية ويتخلص منه ( رمى الرجل ) أي : الذي على الشط ( بحجر ) : الباء للتعدية ( في فيه ) أي : فمه ( فرده حيث كان ) ، أي : إلى مكان كان من وسط النهر ( فجعل ) أي : شرع وطفق ( كلما جاء ليخرج ) قيل أصل أفعال المقاربة أن يكون خبرها كخبر كان إلا أنه ترك الأصل والتزم كون الخبر مضارعا ، ثم نبه على الأصل المتروك بوقوعه مفردا ، كما في عسيت صائما ، وجملة من فعل ماض مقدم عليه كلما كقوله : فجعل كلما جاء ليخرج ، أي : كلما جاء قريبا إلى الشط ليخرج من النهر . ( رمى ) أي : الرجل ( في فيه بحجر فيرجع كما كان ) ، وهو عطف على فجعل ، ولعل العدول عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الحال ( فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق . فانطلقنا حتى انتهينا ) : فيه إشارة إلى حسن المقطع ، أي : حتى وصلنا في آخر الأمر ( إلى روضة خضراء ، فيها شجرة عظيمة ، وفي أصلها ) أي : تحتها المقارب إلى جذعها ( شيخ ) أي : عظيم ( وصبيان ) ، أي : ولدان كثير ( وإذا رجل قريب من الشجرة ، بين يديه نار يوقدها ) : من الإيقاد ( فصعدا ) : بكسر العين ( بي ) : بالموحدة للتعدية ( الشجرة ) ، بالنصب على نزع الخافض ، والمعنى : رفعاني على الشجرة ( فأدخلاني دارا وسط الشجرة ، لم أر قط أحسن ) أي : كمية وكيفية ( منها ) أي : من تلك الدار ( فيها رجال شيوخ وشباب ) بفتح أوله جمع شاب ( ونساء ) عطف على رجال ( وصبيان ) أي : ولدان ( ثم أخرجاني منها ) أي : من تلك الدار ( فصعدا بي الشجرة ) ، أي : الشجرة التي كانت فيها فأل للعهد الذهني ، كما في قوله تعالى :

[ ص: 2927 ] " إذ هما في الغار " ، والظاهر أن الشجرة السابقة كذلك مع احتمال بعيد أن التعريف فيها للعهد الذكري ، لكنه بحسب الظاهر خلاف التأدب مع الشيخ المفسر بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ومجمله أن الشجرتين كانتا بمنزلة السلم والمعراج للصعود في اليوم الموعود ( فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل ) أي : منها كما في نسخة . يعني : من الدار الأولى وفيه إشارة إلى أن للجنة درجات سفلية وعلوية ، وأن كل ما يكون أعلى فهو أعلى من الأدنى ( فيها ) أي : في الدار الثانية ( شيوخ وشباب ) ، ولم يذكر النساء والصبيان في هذا المقام ، إما لقلة كمالهم كمال الرجال ، أو لقلة وجود الكمال فيهن بخلاف الرجال ، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " . على ما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي ، عن أبي موسى ، ويمكن أن يكون السكوت عن بيان النساء والصبيان ; لأنهم إن وجدوا فيها فيكون بالتبعية لا بالأصالة والله أعلم . ( فقلت لهما : إنكما قد طوفتماني ) : بالموحدة وقيل بالنون ، أي : دورتماني وفرجتماني ( الليلة ) : وقد رأيت أشياء غريبة وأمورا عجيبة بطريق الإجمال ( فأخبراني عما رأيت ) أي : تفصيلا وتفسيرا ( فقالا : نعم ) . في المغني : نعم بفتح العين وكنانة تكسرها ، وبها قرأ الكسائي ، وبعضهم يبدلها هاء ، وبها قرأ ابن مسعود وهي حرف تصديق ووعد وإعلام ، فالأول بعد الخبر كقام زيد ، والثاني بعد افعل ولا تفعل ، والثالث بعد الاستفهام نحو : ( " فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا " ) ، ( " إن لنا لأجرا " ) ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام ألبتة ، بل قال : وأما نعم فعدة وتصديق ( أما الرجل الذي رأيته يشق ) : بصيغة المجهول أي : يقطع ( شدقه ) أي : طرف فمه إلى قفاه ( فكذاب ) ، أي : فهو كثير الكذب ( يحدث ) : استئناف مبين لقبح فعله ( بالكذبة ) : بفتح الكاف وسكون الذال للمرة وبكسر أولها للنوع ( فتحمل ) على بناء المفعول ، أي : فتروى وتنقل تلك الكذبة عنه ( حتى تبلغ الآفاق ) أي : حتى تنشر في أطراف الأرض ( فيصنع ) أي : لذلك ( ما ترى ) أي : ما رأيت ( إلى يوم القيامة ) أي : صنعا مستمرا ( والذي ) أي : وأما الذي ( رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن ) أي : وفقه لتعلمه ( فنام عنه بالليل ) أي لم يكن يقرأ القرآن في الليل وإنما خص به لأنه كما قال تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا ، ( ولم يعمل بما فيه بالنهار ) ، أي : ومن جملة ما فيه قوله تعالى : اتل ما أوحي إليك أي اقرأ واتبع ( يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة ) . وجملة الكلام أنه مع ما أعطي من النعم الجزيلة ، وهي علم القرآن كان غافلا عن تأويلاته ، وربما جر إلى نسيانه وهو من الكبائر ، ولم يكن عاملا بأوامره ونواهيه ، مع أنه هو المراد من نزول القرآن ، ولذا ورد معناه : إن من عمل بالقرآن فكأنه دائما يتلو القرآن ، وإن لم يقرأ ، ومن قرأ القرآن دائما ولم يعمل بما فيه فكأنه لم يقرأه أبدا .

وقال الطيبي : قوله فنام عنه ، أي : أعرض عنه . وعن هنا كما في قوله تعالى : الذين هم عن صلاتهم ساهون أي : ساهون سهو ترك لها ، وقلة التفات إليها ، وذلك فعل المنافقين والفسقة . قلت : ولذا قال بعض الصالحين : الحمد لله حيث ما قال في صلاتهم ساهون ، قال : فمعنى نام عنه بالليل : أنه لم يتله إذا كان بالليل ، ولم يتفكر فيما يجب عليه أن يأتي به ويذر من الأوامر والنواهي مثل المنافقين والفسقة ، فإذا كان حاله بالليل هذا فلا يقوم به فيعمل بالنهار بما فيه ، ويؤيد هذا التأويل ما جاء في رواية أخرى للبخاري : أما الرجل الذي يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل الذي يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة ، وأما من نام من غير أن يتجافى عنه لتقصير أو عجز ، فهو خارج من هذا الوعيد اهـ .

[ ص: 2928 ] ( والذي رأيته في الثقب ) : بتقدير : أما ، ولذا قال ( فهم الزناة ، والذي رأيته في النهر آكل الربا ) . مبتدأ وخبر ( والشيخ الذي رأيته في أصل الشجرة إبراهيم ) . جملة أخرى ( والصبيان حوله فأولاد الناس ) : بالفاء في النسخ المصححة بناء على تقدير ما في صدر الكلام ، وفي نسخة بحذفها وهو ظاهر مطابق للجمل السابقة التي تليها . قال الطيبي : الفاء في قوله : فأولاد الناس جاز دخوله على الخبر ; لأن الجملة معطوفة على مدخول ، أما في قوله : أما الرجل الذي رأيته ، وحذف الفاء في بعض المعطوفات نظرا إلى أن أما لما حذفت حذف مقتضاها وكلاهما جائزان . (والذي يوقد النار مالك خازن النار . والدار الأولى التي دخلت ) أي : أولا ( دار عامة المؤمنين ) ، أي : عوامهم أو أكثرهم ( وأما هذه الدار فدار الشهداء ) ، أي : خواص المؤمنين من الأنبياء والأولياء والعلماء لما ورد : أن مداد العلماء يرجح على دماء الشهداء ، ويمكن أن يراد بالشهداء أرباب الحضور مع المولى في غالب أحوالهم ، كما أن المراد من العامة من غالب أحوالهم الغفلة والغيبة عن الحضرة . ( وأنا جبريل وهذا ميكائيل ) ، قال السيوطي : وأفضل الملائكة جبريل - عليه الصلاة والسلام - لحديث ورد فيه على ما رواه الطبراني ( فارفع رأسك ، فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب ) أي : في غاية من الارتفاع ونهاية من الامتناع من أن يصل إليه كل أحد ، أو يطمع فيه من لم يكن له من الله مدد .

( وفي رواية : مثل الربابة ) : وهي بفتح الراء وتخفيف الموحدتين السحابة التي ركب بعضها على بعض ( البيضاء : قالا ذلك ) أي : هذا ( منزلك ) . ولعل العدول للإشارة إلى علو المنزلة ، وبعد الوصول إلى تلك المرتبة كما قيل مثل هذا في قوله تعالى : ( ذلك الكتاب ) ( قلت : دعاني ) أي : اتركاني ( أدخل ) : بالجزم ويرفع ( منزلي ) أي : الآن لأرى تفصيل ما لي ( قالا : إنه بقي لك عمر ) : بضمتين ويسكن الثاني أي : زمان من جملة العمر ( لم تستكمله ) أي : ما استكملته إلى الآن ( فلو استكملته ) : وفي نسخة : فإذا استكملته ( أتيت منزلك . رواه البخاري ) . قال النووي : فيه تنبيه على استحباب استقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه ، وعلى استحباب السؤال على الرؤيا ، وعلى مبادرة المعبر إلى تأويلها أول النهار قبل أن يتشعب ذهنه باشتغاله في معاشه في الدنيا ; ولأن عهد الرائي قريب ولم يطرأ عليه ما يشوشها ; ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله ، كالحث على خير ، والتحذير عن معصية ، وفيه إباحة الكلام في العلم وتعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ، وأن استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو غيره جائز . قلت : هو للعلم أفضل إن لم يتصور الاستقبال مع الإقبال ، وفي الخطبة متعين على كل حال ، وأما استقباله في غيرهما فمستحب لما ورد عن ابن عباس مرفوعا على ما رواه الطبراني : " أشرف المجالس ما استقبل به القبلة " .

( وذكر حديث عبد الله بن عمر في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة في باب حرمة المدينة ) .

[ ص: 2929 ]
السابق

|

| من 22

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة