شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء الرابع
[ ص: 1325 ] الفصل الثالث

1875 - عن عائشة أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أينا أسرع بك لحوقا ؟ قال : " أطولكن يدا " ، فأخذوا قصبة يذرعونها ، وكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقا به زينب ، وكانت تحب الصدقة . رواه البخاري . وفي رواية مسلم ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " . قالت : وكانت يتطاولن أيتهن أطول يدا ؟ قالت : فكانت أطولنا يدا زينب ; لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق .

الحاشية رقم: 1
الفصل الثالث

1875 - ( عن عائشة - رضي الله عنها - أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ورضي عنهن ( قلن للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أينا أسرع بك لحوقا ) أي : بالموت بعدك ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة : " إنك أول أهلي لحوقا بي " فضحكت ( قال : أطولكن يدا ) أي : أكثركن صدقة وأعظمكن إحسانا ، فإن اليد تطلق ويراد بها المنة والنعمة والإحسان ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : " اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا يحبه قلبي " وكذا قول الشاطبي : -


إليك يدى منك الأيادي تمدها



( فأخذوا ) الظاهر فأخذن وعدل إلى أخذوا تعظيما كما في قوله - تعالى - وكانت من القانتين وقول الشاعر : -


وإن شئت حرمت النساء سواكم

ذكره الطيبي ، والشاهد الثاني أظهر كما لا يخفى لأن مسوغ ذلك التغليب للجنس الأشرف ولا تغليب هنا لأن الكل نسوة ( قصبة يذرعونها ) أي : ويقيسون أيديهن بها بناء على فهمهن أن المراد باليد الجارحة ( وكانت سودة أطولهن يدا ) أي : في الحس ( فعلمنا بعد ) أي : بعد هذا حين ماتت زينب أولا وكانت أكثرهن صدقة ( أنما كان ) بالفتح ( طول يدها ) بالرفع ( الصدقة ) بالنصب كذا في النسخ المصححة ، وعكس العسقلاني ، قال الطيبي : أي : فهمنا أولا ظاهره ولما فطنا بمحبتها الصدقة علمنا أنه لم يرد باليد إلا العطاء اهـ . وفيه تأمل ( وكانت ) الواو للحال ( أسرعنا لحوقا به زينب ) كذا في نسخة قال ميرك : وقع في بعض نسخ المشكاة هنا بعد قوله لحوقا به زيادة لفظ زينب ملحقا ، وليس بصحيح لأن في عامة نسخ البخاري وقع بحذفها كما صرح به الشيخ ابن حجر في شرحه اهـ . وهو يوهم أن سودة كانت أسرع لحوقا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا وهم باطل بالإجماع ، وإن كانت سودة أطولهن جارحة ، والصواب ما ذكره مسلم في صحيحه وهو المعروف عند أهل الحديث أنها زينب ، فالصحيح تقدير زينب أو وجوده ، قال الكرماني : يحتمل أن يقال : إن في الحديث اختصارا أو اكتفاءا لشهرة القصة لزينب ، أو يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها أول من يلحق به وكانت كثيرة الصدقة ، قلت : الأول هو المعتمد ؛ كذا في فتح الباري ، وأنت عرفت أن هذا اختصار محل فالأولى أن الأخيرين أحق والثالث أدق ( وكانت ) أي : زينب ( تحب الصدقة ) أي : إعطاءها ، وكانت لها صناعة واكتساب معيشة باليد وهذا معنى آخر لليد ، فأطولكن يدا بمعنى أفضلكن يدا ؛ حيث إنها تأكل من كسب يدها وتتصدق بيدها من كد يدها ( رواه البخاري وفي رواية مسلم ) أي : ( عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا ) وفيه إشارة إلى أن طول الحياة كان في حياته أفضل ، وأما بعد موته فالموت أكمل ، لهذا قال بلال : -


غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه



( قالت ) أي : عائشة ( فكانت ) أي : جماعة النساء من أمهات المؤمنين ( يتطاولن ) أي : يتقايسن أطوال أيديهن ( أيتهن ) بالضم ( أطول يدا ) قال الطيبي - رحمه الله - : النصب على أنه حال أو مفعول به ، أي : يتطاولن ناظرات أيتهن ، قيل : وجه رواية البخاري أن الحاضرات كانت بعض أزواجه ، وأن سودة توفيت قبل عائشة في سنة أربعة وخمسين ، وعائشة في سنة ثمان أو سبع وخمسين ، ووجه رواية مسلم أن الحاضرات جميعهن ، وأن زينب توفيت في سنة عشرين قبل جميع الأزواج اهـ . وفيه مناقشة لا تخفى ( قالت ) أي : عائشة ( كانت ) وفي نسخة بالواو أي : ظهرت ( أطولنا يدا ) أي : بالصدقة ( زينب ) وكانت امرأة قصيرة ؛ ذكره العسقلاني ( لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق ) أي : تدبغ الجلود بيدها ثم تبيعها وتتصدق بثمنها ، وفيه إيماء إلى أن طول اليد كناية عن قصر الطمع وكف النفس المتعدي ، قال الطيبي : تعليل بمنزلة البيان لقولها يتطاولن وأن المراد المعنوي لا الصوري .

[ ص: 1326 ]
السابق

|

| من 29

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة