الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
987 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان : " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ، فرددته خاسئا " متفق عليه .

التالي السابق


987 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عفريتا " ) : بكسر العين ، أي : خبيثا منكرا مبالغا في المرودة مع دهاء وخبث ، فعليت من العفر بكسر فسكون وهو الخبث ، ( " من الجن " ) : إيضاح ، وإلا فالعفريت لا يكون إلا منهم ، وهم أجسام لطيفة روحانية نارية ، أي : محضة أو الغالبة عليهم ، فهم من العناصر الأربعة قولان . ويجريان في الملائكة هل هم متمحضون من النور ، أو هو الغالب عليهم ؟ ولمزيد لطافة الجسمية أمكنهما التشكل في كل صورة ، لكن الغالب على الجن تشكلهم في الصور القبيحة ; لأن الغالب عليهم قبح التمرد والعنف والخبث ، ( " تفلت " ) ، أي : تخلص فجأة ، وقيل : خرج فلتة أي بغتة ، وزاد ابن حجر على أصول المشكاة لفظ " علي " ثم قال ، أي : من أسر سليمان عليه الصلاة والسلام الذي خرق الله له به عادة الأنبياء والملوك حتى مكنه مما أراد بهم ( " البارحة " ) : يعني : تعرض في صلاتهم الليلة الماضية ( ليقطع علي صلاتي ) ، أي : ليغلبني في كمال صلاتي ، وأراد أن يشغلني بالوسوسة فيها ، ( " فأمكنني الله منه " ) ، أي : أعطاني مكنة من أخذه وقدرة عليه أن أعاقبه بما شئت يعني جعلني غالبا عليه بإمكانه ، وإقداره إشارة إلى معنى لا حول ولا قوة إلا بالله ( فأخذته ) : قال ابن الملك : يدل على [ ص: 784 ] أن الشيطان عينه غير نجس وأن لمسه لا يبطل الصلاة ، قال ابن حجر : وقوله تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم محمول على العموم أو لا ترون صورهم الأصلية التي خلقهم الله تعالى عليها لمزيد لطفها الخارج عن قدرة أبصارنا لما غلب عليها من كثافة عنصرنا الغالب علينا ، وهو التراب ( " فأردت أن أربطه " ) : بكسر الباء وضمها على ما يفهم من القاموس ، أي : أشده ( " على سارية " ) ، أي : أسطوانة ( من سواري المسجد " ) : الظاهر أنه مسجد المدينة ( " حتى تنظروا إليه " ) : أي : إلى الشيطان في حالة المذلة نظر عبرة ، وتعلموا أن الله أعطاني ما أعطى سليمان من الحكم عليهم ، ولا تؤثر فيه قوته على التشكل المقتضية لكونه لا يقدر على إمساكه لجواز أن الله سلبه تلك القوة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل سلبه إياها لما أمسكه أبو هريرة حين كان حارسا لتمر الصدقة ، فجاء ليسرق منه فأمسكه فاحتال في خلاصه منه بتعليم آية الكرسي ، وأنها تحفظ قارئها ، فظن أبو هريرة أنه مؤمن محتاج فرق عليه ، ثم حكى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبين له أنه الشيطان وأنه صدق في ذلك وإن كان كذوبا ، فلو قدر على الانفلات من أبي هريرة بتشكله في صورة أخرى لفعله ولم يعلمه ، وبهذا يتبين تميز نبينا صلى الله عليه وسلم على سليمان عليه الصلاة والسلام ، فإن بعض أتباعه حكم في الجن ، بما لم يحكم به أتباع سليمان اهـ .

ويمكن أن يكون حين التشكل بأصل خلقته لا يقدر على التفلت بخلاف تشكله بالأشكال العارضية والله تعالى أعلم ، ( " كلكم " ) ، أي : صغاركم وكباركم ، قال ابن الملك : فيه دلالة على أن المصلي لا تبطل صلاته بخطور ما ليس من أفعالها بباله ، ( " فذكرت دعوة أخي سليمان " ) ، أي : التي استجابها الله تعالى له وهي قوله طلبا لأن يميز بخصوصية لا يشاركه فيها غيره ، كما وقع لغيره من الأنبياء لا ليفضل جميع من جاء بعده أو غيرة على ملكه ، ونفوذ حكمه في الجن والإنس والهواء أن يناله غير نبي ، ( رب هب لي ملكا ) : في التنزيل : رب اغفر لي وهب لي ملكا ولعل الحديث نقل بالمعنى لا ينبغي لأحد من بعدي ، فرددته " ) ، أي : دفعته ( " خاسئا " ) ، أي : خائبا خاسرا مهينا صاغرا ، من خسأت الكلب فخسأ ، أي : زجرته مستهينا به فانزجر وخسأ : متعد ولازم ، قال الطيبي ، أي مبعدا يقال : خسأته فخسأ ، أو يكون الخاسئ ، بمعنى الصاغر ، قال المظهر : يريد أن لو ربطه لم تستجب دعوته ، والأظهر لولا استجابة دعوته لربطه ، قال ابن الملك : إن قلت يفهم من هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام تذكر دعوة سليمان بعد أخذه ، ومن الحديث الآتي في آخر الباب أنه تذكر قبله فيتنافيان ، قلت : لا منافاة ; لأن الحديثين صدرا في وقتين ، قلت : أو يكون الأخذ الآتي بمعنى الأخذ للربط ، فإنه المنافي للدعوة فلا منافاة ، وإن قلنا بوحدة القضية ، ( متفق عليه ) : ورواه النسائي .

[ ص: 785 ]



الخدمات العلمية