شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة:
741 - وعن أبي أمامة رضي الله عنه ، قال : إن حبرا من اليهود سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي البقاع خير ؟ فسكت عنه ، وقال : ( أسكت حتى يجيء جبريل ) ، فسكت وجاء جبريل - عليه السلام - ، فسأل فقال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل . ولكن أسأل ربي تبارك وتعالى ، ثم قال جبريل : يا محمد ! إني دنوت من الله دنوا ما دنوت منه قط ، قال : ( وكيف كان يا جبريل ؟ ) ، قال : كان بيني وبينه سبعون ألف حجاب من نور ، فقال : شر البقاع أسواقها ، وخير البقاع مساجدها ، رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر .

الحاشية رقم: 1
741 - ( وعن أبي أمامة قال : إن حبرا ) : بفتح الحاء أشهر من كسرها قاله ابن الملك ، وذكر في الصحاح ) ، أن كسر الحاء أصح ، لكن المشهور في الاستعمال الفتح ليفرق بين العالم وبين ما يكتب به ، كذا في المفاتيح ، وقيل في الكسر وجهه أن العالم يكثر استعماله والله أعلم ، وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لسعة علمه ، قاله الطيبي ، أي : عالما ( من اليهود سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي البقاع ) : بكسر الباء جمع البقعة بالضم ، وهي موضع يجتمع فيه الناس مطلقا ( خير ؟ ) ، أي : أفضل يعني كثير الخير ( فسكت عنه ) ، أي : عن جوابه ( وقال ) ، أي : في نفسه لا أنه نطق به كذا قاله الطيبي ، ولا مانع من أنه نطق به ، بل هو أظهر في المرام ، وأدفع لتوهم الإلزام ، ويدل عليه الروايات الآتية ( أسكت ) : بصيغة المتكلم ، وفي نسخة بصيغة الأمر ( حتى يجيء جبريل ) ، فسكت ) ، أي : إلى مجيء جبريل ، قال الطيبي : فيه أن من استفتي عن مسألة لا يعلمها ، فعليه أن لا يعجل في الإفتاء ، ولا يستنكف عن الاستفتاء ممن هو أعلم منه ، ولا يبادر إلى الاجتهاد ما لم يضطر إليه فإن ذلك من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسنة جبريل ، ( وجاء جبريل - عليه السلام - ، فسأل ) ، أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه ، أو فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ( فقال : ما المسئول عنها ) ، أي : عن هذه المسألة ( بأعلم من السائل ) : وتقدم في حديث جبريل ما [ ص: 620 ] يتعلق بهذه العبارة ( ولكن أسأل ربي تبارك ) ، أي : تكاثر خيره وتوالى بره ( وتعالى ) ، أي : ترفع عن كل ما لا يليق بكبريائه ، فالأول إثبات للنعوت الثبوتية ، والثاني نفي للصفات السلبية ، والمعنى لكني أرجع إلى حضرة ربي أسأله عن هذه المسألة فإنه أعلم ، ( ثم قال جبريل ) ، أي : بعد رجوعه ( يا محمد ! إني دنوت ) ، أي : قربت ( من الله دنوا ) : فعول مصدر دنا ( ما دنوت منه قط ) : يعني : أذن لي أن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت منه في سائر الأوقات ، قال ابن الملك : ولعل زيادة تقربه منه في هذه المرة لتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب لأجل الحبيب تم كلامه ، أو لأنه تقرب إليه تعالى بطلب العلم ، ومن وعده تعالى أي : من تقرب إليه شبرا تقرب إليه باعا والله أعلم ، وفيه أن الملائكة يزدادون العلم والقرب من الله تعالى ، إلا أن الملك ترقيه في العلم والقرب نادر بخلاف البشر ، ( قال : ( وكيف كان ) ، أي : دنوك ( يا جبريل ! ) ، قال : كان بيني وبينه ) ، أي : بين عرشه ( سبعون ألف حجاب من نور ) : ظاهره التحديد ، واعلم أن الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس وهو الخلق ، فهم محجوبون عنه تعالى بمعاني أسمائه وصفاته وأفعاله ، وأقرب الملائكة الحافون بالعرش ، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال ، وأما الآدميون فمنهم من حجب برؤية النعم عن المنعم ، وبمشاهدة الأسباب عن المسبب ، ومنهم من حجب بالشهوات المباحة أو المحرمة ، أو بالمال والنساء والبنين وزينة الحياة الدنيا والجاه ، ومنه قول الصوفية : العلم حجاب ، قال بعض مشايخنا : لكنه نوراني ، فأفاد أن الحجب على نوعين : ظلماني وضده ، وقد أشار إليه الحديث بقوله : من نور ( فقال ) ، أي : الرب ( شر البقاع أسواقها ) : لأنها محل الغفلة والمعصية ( وخير البقاع مساجدها ) : لأنها محل الحضور والطاعة ، قال الطيبي : أجاب عن الشر والخير ، وإن كان السؤال عن الخير فقط تنبيها على بيت الرحمن وبيت الشيطان ، قلت : والأشياء تتبين بأضدادها ، ( رواه ) : كذا في أصل المصنف هنا بياض ، وألحق به ابن حبان ، عن ابن عمر ، ولذا قال الطيبي : ذكر الراوي أي المخرج ملحق ، قال ابن حجر : وفي نسخة أخرجه أحمد ، وأبو يعلى الموصلي ، والحاكم ، والحاصل أن ابن حبان أخرجه عن ابن عمر ، وأخرجه أحمد ، وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم ، وأخرجه الطبراني من حديث أنس ، وأنه حديث صحيح ، وأن من قال لم يرد تكثير الحجب في حديث صحيح يحمل كلامه على ما جاء من ذلك في حديث المعراج ، كرواية : سبعين حجابا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ، ثم حملت على رفرف أخضر يغلب ضوءه ضوء الشمس ، حتى وصلت للعرش ، وكرواية : ثم أي ، بعد انقطاع جبريل عنه ، وقوله هذا مقامي إن جاوزته احترقت ، زج بي في النور فحرق به سبعين ألف حجاب ، ليس فيها حجاب يشبه حجابا ، فهاتان ونحوهما هي التي لم تثبت بخلاف ما نحن فيه اهـ .

[ ص: 621 ] والحاصل أن الحجاب الصوري لا يتصور في حقه تعالى بخلاف النوري المعنوي ، وما أحسن قول أبي عطاء : الحق ليس بمحجوب ، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه ، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصرا وكل حاصر لشيء فهو له قاهر ، وهو القاهر فوق عباده ، ومن كلامه أيضا مما يدلك على وجود قهره سبحانه ، أن حجبك عنه بما ليس بموجود معه ، ومن كلامه أيضا : كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء ، كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء ، كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء ، كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ .

وقال السيد جمال الدين : هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره مخرجا في شيء من الكتب المعتمدة المشهورة ، ولكن رأيت في تخريج أحاديث المصابيح للسلمي أنه قال : وروى ابن حبان في صحيحه ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي البقاع شر ؟ قال : في ( لا أدري حتى أسأل جبريل ) فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل ، فجاء فقال : خير البقاع المساجد ، وشرها الأسواق .

قال ميرك شاه : ثم رأيت في الترغيب والترهيب للمنذري ، عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي البقاع خير ؟ وأي البقاع شر ؟ قال : ( لا أدري حتى أسأل جبريل ) فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل ، فجاء فقال : خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق ، رواه الطبراني في الكبير ، وابن حبان في صحيحه .

وروي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : [ أي البقاع خير ) ، قال : لا أدرى ، قال : ( فسل عن ذلك ربك ) قال : فبكى جبريل ، وقال : يا محمد ! وما لنا أن نسأله ، هو الذي يخبرنا بما يشاء ، فعرج إلى السماء ، ثم أتاه ، فقال : خير البقاع بيوت الله في الأرض قال : ( فأي البقاع شر ؟ ) فعرج إلى السماء ، ثم أتاه فقال : شر البقاع الأسواق ، رواه الطبراني في الأوسط .

وعن جبير بن مطعم أن رجلا قال : يا رسول الله أي البلدان أحب إلى الله ؟ وأي البلدان أبغض إلى الله قال : ( لا أدري حتى أسأل جبريل ) فأتاه جبريل فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد ، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق ، رواه أحمد والبزار واللفظ له ، وأبو يعلى والحاكم وقال : صحيح الإسناد اهـ .

وكلامه يدل على أن ذكر الحجب ليس في هذه الروايات ، فتصحيح ابن حجر غير صحيح على إطلاقه فتدبر ، وحاصله أن عدد السبعين غير صحيح ، لا نفس الحجاب فإنه ورد في حديث مسلم على ما مر في صدر الكتاب ، من رواية أبي موسى مرفوعا : ( حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )

[ ص: 622 ]
السابق

|

| من 64

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة