شروح الحديث

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة وعشرون جزءا

الكتب » التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد » باب النون » نافع بن مالك أبو سهيل » الحديث الثاني جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس

مسألة: الجزء السادس عشر
425 [ ص: 157 ] حديث ثان لأبي سهيل بن مالك

مالك ، عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه ، أنه سمع طلحة بن عبيد الله ، يقول : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ، ثائر الرأس ، يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خمس صلوات في اليوم والليلة ، قال : هل علي غيرهن ؟ قالا : لا ، إلا أن تطوع ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وصيام شهر رمضان ، قال : هل علي غيره ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة ، فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : فأدبر الرجل وهو [ ص: 158 ] يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح إن صدق .

الحاشية رقم: 1
هذا حديث صحيح ، لم يختلف في إسناده ولا في متنه ، إلا أن إسماعيل بن جعفر رواه عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ، عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله ، أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر معناه سواء .

وقال في آخره : أفلح وأبيه إن صدق - أو - دخل الجنة وأبيه إن صدق وهذه لفظة إن صحت فهي منسوخة ; لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء وبغير الله ، وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتابنا هذا .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا يحيى بن أيوب ، وحدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر - قالا جميعا - : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، قال : حدثني أبو سهيل ، عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس ، فقال : يا رسول الله ، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة ؟ [ ص: 159 ] قال : الصلوات الخمس ، إلا أن تطوع شيئا ، قال : أخبرني بما افترض الله علي من الصيام ، قال : صيام شهر رمضان ، إلا أن تطوع ، قال : أخبرني بما افترض الله علي من الزكاة ، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فقال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئا غيره ، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح وأبيه إن صدق - أو - دخل الجنة وأبيه إن صدق .

قال أبو عمر : قد روي عن النبي عليه السلام معنى حديث طلحة بن عبيد الله هذا ، من حديث أنس ، ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأتم ألفاظ وأكمل معان ، وفيها ذكر الحج ، وليس ذلك في حديث طلحة بن عبيد الله ، وسنذكرها بعد في هذا الباب إن شاء الله .

وقد جاء في حديث إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبيد الله فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام وهذا يقتضي الحج مع ما في حديث طلحة .

وأما قوله في هذا الحديث : فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خمس صلوات فإن [ ص: 160 ] الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام تقتضي شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، والإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ثم الصلوات الخمس ، والزكاة ، وصوم رمضان ، والحج .

وقد مضى ما للعلماء في معنى الإسلام ، ومعنى الإيمان في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب ، ومن الأحاديث في ذلك ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان .

وذكر ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، وحيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو المعافري ، أن بكير بن الأشج حدثه عن نافع أن رجلا أتى ابن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، ما حملك على الحج عاما ، وتقيم عاما ، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه ؟ فقال : يا ابن أخي ، بني الإسلام على خمس : إيمان بالله ورسله ، والصلوات الخمس وصيام رمضان [ ص: 161 ] وأداء الزكاة وحج البيت وذكر تمام الحديث ، وعلى هذا أكثر العلماء أن أعمد الدين التي بني عليها خمس على ما في خبر ابن عمر هذا ، إلا أنه جاء عن حذيفة رحمه الله خبر يخالف ظاهره خبر ابن عمر هذا في الإسلام ، رواه شعبة وغيره عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : الإسلام ثمانية أسهم : الشهادة سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، وحج البيت سهم ، وصوم رمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له .

وقد ذكرنا فرض الجهاد وما يتعين منه على كل مكلف وما منه فرض على الكفاية ، وأنه لا يجري مجرى الصلاة والصوم - في غير هذا الموضع ، فلا معنى لإعادته .

وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فليس يجري أيضا مجرى الخمس المذكورة في حديث ابن عمر ; لقول الله عز وجل ( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ; ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك .

وروي عن ابن مسعود ، وجماعة من الصحابة والتابعين - رحمهم الله - أنهم كانوا يقولون في تأويل قول الله عز وجل ( عليكم أنفسكم ) الآية قالوا : إذا اختلفت القلوب في آخر الزمن ، وألبس الناس شيعا ، وأذيق بعضهم بأس بعض ، وكان [ ص: 162 ] الهوى متبعا ، والشح مطاعا ، وأعجب كل ذي رأي برأيه ، فحينئذ تأويل هذه الآية ، وقد قيل في تأويل الآية : لا يضركم من ضل من غير أهل دينكم - إذا أدى الجزية إليكم وهذا الاختلاف في تأويل الآية يخرجها من أن تجرى مجرى الخمس التي بني الإسلام عليها ، وقد روي عن ابن عباس أن أعمدة الإسلام ثلاثة : الشهادة ، والصلاة ، وصوم رمضان .

حدثنا أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي رحمه الله ، قال : حدثنا أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان ، قال : حدثنا علي بن سعيد ، قال : حدثنا أبو رجاء وسعيد بن حفص النجاري ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال حماد : لا أظنه إلا رفعه ، قال : عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة بني الإسلام عليها ، من ترك منهن واحدة فهو حلال الدم : شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة ، وصيام رمضان قال ابن عباس : نجده كثير المال ولا يزكي ، فلا نقول له بذلك : كافر ، ولا حلال دمه ، ونجده كثير المال ولا يحج ، فلا نراه بذاك كافرا ولا حلا دمه .

قال أبو عمر : في حديث مالك من الفقه أنه لا فرض من الصلاة إلا الخمس في اليوم والليلة ، وأنه لا فرض من الصيام إلا صوم شهر رمضان ، وفيه أن الزكاة فريضة على [ ص: 163 ] حسب سننها المعلومة ، وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا وفي سائر كتبنا ، ولم يذكر في حديث مالك الحج ، وقد قال بعض من تكلم في الموطأ من أصحابنا ومن قبله منهم : إن الحج لم يكن حينئذ مفترضا ، وأنه بعد ذلك نزل فرضه ، ومن قال هذا القول زعم أن فرض الحج على من استطاع السبيل إليه يجب في فور الاستطاعة على حسب الممكن ، وهذه مسألة ليس فيها لمالك جواب ، وقد اختلف فيها المالكيون : فطائفة منهم قالت : وجوب الحج على الفور ، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه ، وإلى هذا ذهب بعض البغداديين المتأخرين من المالكيين ، وهو قول داود ، وقالت طائفة منهم : بل ذلك على التراخي ، وعلى هذا القول أكثر المالكيين من أهل المغرب وبعض العراقيين منهم ، وإليه ذهب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خواز منداد البصري المالكي ، وله احتج في كتاب الخلاف ، وجاءت الرواية عن مالك رحمه الله أنه سئل عن المرأة تكون صرورة مستطيعة على الحج ، تستأذن زوجها في ذلك فيأبى أن يأذن لها ، هل يجبر على إذن لها ؟ قال : نعم ولكن لا يعجل عليه ، ويؤخر العام بعد العام ، وهذه الرواية عن مالك تدل على أن الحج عنده ليس على الفور ، بل على التراخي - والله أعلم .

واختلف قول أبي يوسف في هذه المسألة ، فروي عنه أنه على الفور ، وروي عنه أنه في سعة من تأخيره أعواما ، وهو قول محمد بن الحسن ، والشافعي .

[ ص: 164 ] قال الشافعي : يجوز تأخير الحج بعد الاستطاعة العام بعد العام ولم يحد ، وقال سحنون - وسئل عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر ذلك سنين كثيرة مع قدرته على ذلك - هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته ؟ قال : لا يفسق ، ولا ترد شهادته ، وإن مضى من عمره ستون سنة ، فإن زاد على الستين فسق وردت شهادته .

قال أبو عمر : لا أعلم أحدا قال : إنه يفسق وترد شهادته إذا جاوز الستين غير سحنون ، وهذا توقيت لا يجب إلا بتوقيف ممن يجب التسليم له ، وكل من قال بالتراخي في هذه المسألة لا يحد في ذلك حدا ، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلا عمن له أن يشرع - والله أعلم .

وقد اختلف في هذين الوجهين أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي ، إلا أن جمهور أصحاب الشافعي أنه على التراخي ، وهو تحصيل مذهبه .

وقال أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح - محتجا لقول الشافعي ومن تابعه على أن الحج ليس على الفور عند الاستطاعة - قال : وجه الأمر في ذلك أنا وجدنا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا يفسقون من تأخر عاما أو عامين بعد بلوغه مع استطاعته على الحج ، ولا يسقطون شهادته ، ولا يزعمون أنه قد ترك أداء الحج في وقته ، وأنه ليس كتارك الصلاة حتى خرج وقتها فيكون قاضيا لها بعد خروج وقتها ، ووجدنا هذا [ ص: 165 ] من شأنهم ليس مما يحدث في عصر دون عصر ، فعلمنا أن ذلك ميراث الخلف عن السلف ، ووجدنا فرائض كثيرة سبيلها كسبيل الحج في ذلك ، منها : قضاء الصوم ، والصلاة ، فلم نرهم ضيقوا على الحائض إذا طهرت في قضاء الصلاة في أول وقتها - ولها أن تؤخره ما دام في وقتها سعة - ولا في قضاء ما عليها من الصوم ، ولا على المسافر إذا انصرف من سفره ، وكلهم لا يؤمن عليه هجمة الموت .

وقالت عائشة : إنه ليكون علي الصوم من رمضان فما أقضيه حتى يدخل شعبان ، فتبين بذلك أن هذه أمور لم يضيقها المسلمون ، فبطل بذلك قول من شذ فضيقها ، ثم نظرنا في أمر الحج إذا أخره المرء المدة الطويلة ، كرجل ترك أن يحج خمسين سنة - وهو مستطيع في ذلك كله - فوجدنا ذلك مستنكرا لا يأمر بذلك أحد من أهل العلم ، غير أنه إذا حج بعد المدة الطويلة لم يكن قاضيا للحج كقضاء من ترك الصلاة حتى خرج وقتها ، فقلنا : الوقت ممدود بعد وإن كان قد أخر تأخيرا مستنكرا ، فإذا مات علمنا أنه قد أخر الفرض حتى فات بموته ، وصار الموت علامة لتفريطه حين فات وقت حجه ، فإن قال قائل : فمتى يكون عاصيا ؟ وبماذا عصى ؟ قلنا : أما المعصية ، فتأخيره الفرض حتى خرج وقته ، ويقع عصيانه بالحال التي عجز فيها من النهوض إلى الحج ، وبان ذلك بالموت ، وكذلك قال عمر بن الخطاب : من مات ولم يحج ، فليمت يهوديا إن شاء أو نصرانيا . فعلق [ ص: 166 ] الوقت بالموت ، أي : يموت كما يموت اليهودي والنصراني دون أن يحج ، والنصراني واليهودي يموت كافرا بكفره ، وهذا يموت عاصيا بتركه الحج مستطيعا له .

قال أبو عمر : الذي عندي في ذلك - والله أعلم - أنه إذا جاز له التأخير وكان مباحا له وهو مغيب عنه موته ، فلم يمت عاصيا إذا كانت نيته منعقدة على أداء ما وجب من ذلك عليه ، وهو كمن مات في آخر وقت صلاة لم يظن أنه يفوته كل الوقت - والله أعلم .

وقد احتج بعض الناس لسحنون بما روى في الحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : معترك أمتي من الستين إلى السبعين ، وقل من يجاوز ذلك وهذا لا حجة فيه ; لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته - لو صح الحديث - وفيه دليل على التوسعة إلى السبعين ; لأنه من الأغلب أيضا ، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته ودينه وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف - وبالله التوفيق .

[ ص: 167 ] ومما احتج به ابن خواز منداد في جواز تأخير الحج ، وأنه ليس على الفور - حديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر ، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الإسلام ، فذكر الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، والحج ، وقال في آخر الحديث : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع الحديث على نحو ما ذكره مالك من حديث طلحة بن عبيد الله في الأعرابي من أهل نجد ، إلا أنه ليس في حديث مالك ذكر الحج .

وقد روى حديث ضمام هذا عبد الله بن عباس ، وأبو هريرة وأنس بن مالك ، وفيها كلها ذكر الحج ، وحديث أنس أحسنها سياقة وأتمها ، ونحوه حديث ابن عباس ، واختلف في وقت قدومه ، فقيل : قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنة خمس ، وقيل : في سنة سبع ، وقال ابن هشام عن أبي عبيدة في سنة تسع : سنة وفد أكثر العرب .

وذكر ابن إسحاق قدوم ضمام بن ثعلبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر العام الذي قدم فيه .

وقال الواقدي : قدم ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر عام الخندق بعد انصراف الأحزاب ، فأسلم فكان أول من قدم من وفد العرب ، ويقال : أول من قدم وافدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بلال بن الحرث المزني من وفد مزينة .

[ ص: 168 ] أخبرنا عبد الوارث بن سفيان - قراءة مني عليه - قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير بن حرب ، وعبيد بن عبد الواحد البزار ، قالا : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ، عن محمد بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن الوليد بن نويفع مولى الزبير ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن عباس أن ضمام بن ثعلبة أخا بني سعد بن بكر لما أسلم سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرائض الإسلام ، فعد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس ، فلم يزد عليهن ، ثم الزكاة ، ثم صيام رمضان ، ثم حج البيت ، ثم أعلمه بما حرم الله عليه ، فلما فرغ قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وسأفعل ما أمرتني به ولا أزيد ولا أنقص ، ثم ولى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن يصدق يدخل الجنة .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، وحدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا حمزة ، حدثنا أحمد بن شعيب .

وحدثنا عبد الله ، حدثنا حمزة ، حدثنا علي بن سعيد بن بشير ، قالا : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا أبو عمارة حمزة بن الحرث بن عمير ، قال : سمعت أبي يذكر عن عبيد الله بن [ ص: 169 ] عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه ، جاءهم رجل من أهل البادية ، فقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ قالوا : هذا الأمغر المرتفق ، قال : إني سائلك فمشتد عليك في المسألة ، قال : سل عما بدا لك ، قال : أنشدك برب من قبلك ، ورب من بعدك ، آلله أرسلك ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فأنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة ؟ قال : اللهم نعم ، قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا ؟ قال : اللهم نعم ، قال : وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا ؟ قال : اللهم نعم ، قال : وأنشدك بالله ، آلله أمرك أن نحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فإني آمنت وصدقت ، وأنا ضمام بن ثعلبة .

قال أبو عمر : قوله في هذا الحديث : الأمغر المرتفق ، يريد الأبيض المتكئ ، والأمغر : هو الذي يشوب بياضه حمرة ، وأصل الأمغر : الأبيض الوجه والثوب ، وقد يكون الأحمر كناية عن الأبيض كما قال - صلى الله عليه وسلم - : بعثت إلى الأحمر والأسود يريد الأبيض والأسود ، وفي خبر ضمام هذا دليل على أن فرض الحج قد كان تقدم قبل وقت وفادته على النبي عليه السلام ، وأن ذلك قد كان اشتهر ، وانتشر في قبائل العرب ، وظهر ظهور الصلاة والزكاة التي كان يخرج فيها السعاة إليهم [ ص: 170 ] ويأخذونها منهم على مياههم ، وكظهور صوم شهر رمضان ; لأنه على ذلك كله وقفه وسأله عنه ; لتقدم علم ضمام بأن ذلك كله دينه الذي بعث به إليه يدعو ، وأنه الإسلام ومعانيه وشرائعه التي كان يقاتل من أبى منها ، وقد روى هذا الحديث أنس بن مالك ، وعبد الله بن عباس بأكمل سياقه من حديث طلحة ، ومن حديث أبي هريرة أيضا .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا شبابة ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس : قال كنا قد نهينا أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ، فجاءه رجل من أهل البادية ، فقال : يا محمد ، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : صدق ، فقال : من خلق السماوات ؟ قال : الله ، قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : الله ، قال : فمن نصب الجبال ؟ قال : الله ، قال : فبالذي خلق السماوات ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا ، قال : صدق ، قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا ، قال : صدق ، قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا الحج من استطاع إليه سبيلا ؟ قال : صدق ، قال : فبالذي خلق السماء [ ص: 171 ] وخلق الأرض ، ونصب الجبال ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم فقال : والذي بعثك بالحق ، لا أزيد عليها شيئا ولا أنقص منها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن صدق دخل الجنة .

وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ، قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : السلام عليك يا غلام بني عبد المطلب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وعليك ، فقال : إني رجل من أخوالك من بني سعد بن بكر ، وأنا رسول قومي إليك ووافدهم ، وأنا سائلك فمشتدة مسألتي إياك ، وناشدك فمشتدة مناشدتي إياك قال : قل يا أخا بني سعد ، قال : من خلقك وهو خالق من قبلك وخالق من بعدك ؟ قال : الله ، قال : فنشدتك بذلك أهو أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وأجرى بينهن الرزق ؟ قال : الله ، قال : فأنشدك بذلك أهو أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : وإنا قد وجدنا في كتابك ، وأتتنا رسلك أن نصلي في اليوم والليلة خمس صلوات لمواقيتها ، فأنشدك بذلك أهو أمرك به ؟ قال : نعم ، فإنا قد وجدنا في كتابك ، وأتتنا رسلك أن نأخذ من حواشي أموالنا فترد على فقرائنا [ ص: 172 ] فنشدتك بذلك أهو أمرك بذلك ؟ قال : نعم ، قال : ووجدنا في كتابك ، وآتتنا رسلك أن نصوم شهرا من السنة - شهر رمضان - فنشدتك بذلك آلله أمرك به ؟ قال : نعم ، ثم قال : وأما الخامسة - يعني الحج - فلست أسألك عنها ، قال : ثم قال : أما والذي بعثك بالحق ، لأعملن بها ، ولآمرن من أطاعني من قومي ، ثم رجع ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قال : والذي نفسي بيده لئن صدق ليدخلن الجنة .

قال أبو عمر : في هذه الأحاديث كلها ذكر الحج ، وهي أحاديث ثابتة حسان صحيحة ، وقوله في حديث ابن عباس : وأما الخامسة فلا أسألك عنها يعني الحج بعد أن جعلها خامسة ، ففيه دليل على أن الإسلام ودينه على خمسة أعمدة عنده ، فمنها الحج ، والمعنى في قوله ذلك : أن العرب كانت تعرف الحج ، وتحج كل عام في الأغلب ، فلم ير في ذلك ما يحتاج فيه إلى المناشدة ، وكان ذلك مما ترغب فيه العرب لأسواقها وتبررها وتحنفها ، فلم يحتج في الحج إلى ما احتاج في غيره من السؤال والمناشدة - والله أعلم ، وأظن سقوط ذكر الحج من حديث مالك - حديث طلحة بن عبيد الله ، كان على ما في حديث ابن عباس ، فلم يذكره أحد رواته فيه - والله أعلم .

ومن الدليل على جواز تأخير الحج : إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما ، وأنه إذا حج بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته ، وليس عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج [ ص: 173 ] وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان ; لمرض أو سفر فقضاه ، ولا عمن أفسد حجه فلزمه قضاءه ، فلما أجمعوا أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما كان وجب عليك ، ولم يأت بالحج وفي وقته - علمنا أن وقت الحج موسع فيه ، وأنه على التأخير والتراخي ، لا على الفور ، وبالله التوفيق .

ومما نزع به من رآه على التراخي ، ما ذكر الله في كتابه من أمر الحج في سورة الحج وهي مكية ، ومن ذلك أيضا أن قول الله عز وجل ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) في سورة آل عمران ، ونزلت في عام أحد ، وذلك سنة ثلاث من الهجرة ، ولم يحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا سنة عشر ، فإن قيل : إن مكة كانت ممنوعة منه ومن المسلمين ، قيل : قد افتتحها سنة ثمان في رمضان ، ولم يحج حجته التي لم يحج بعد فرض الحج عليه غيرها إلا في سنة عشر ، وأمر عتاب بن أسيد إذ ولاه مكة سنة ثمان أن يقيم الحج للناس ، وبعث أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - سنة تسع فأقام للناس الحج وحج هو - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر من الهجرة ، فصادف الحج في ذي الحجة ، وأخبر أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وأن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة ; إبطالا لما كانت العرب في جاهليتها عليه في تأخير الحج المنسئ الذي [ ص: 174 ] كانوا ينسئونه له عاما بعد عام ، فأنزل الله تعالى ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ) الآية .

نقلت ذلك كله الكافة ، لم يختلفوا فيه ، واستقر الحج من حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي الحجة إلى يوم القيامة إن شاء الله .

وأما قوله في حديث مالك : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح إن صدق ففيه دليل - والله أعلم - على أن من أدى فرائض الله وجبت له الجنة إذا اجتنب محارمه ; لأن الفلاح معناه البقاء في نعيم الجنة التي أكلها دائم وظلها ، وفاكهتها لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وعلى أداء فرائض الله واجتناب محارمه وعد الله المؤمنين بالجنة ، والله لا يخلف الميعاد .

كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول في خطبته : ألا إن أفضل الفضائل أداء الفرائض واجتناب المحارم .

وشكا رجل إلى سلمان الفارسي أنه لا يقدر على القيام بالليل ، فقال له : يا ابن أخي ، لا تعص الله بالنهار ، تستغن عن القيام بالليل .

[ ص: 175 ] [ ص: 176 ] وأصل الفلاح في اللغة : البقاء والدوام ، قال الشاعر :

لكل هم من الأمور سعه والمسي والصبح لا فلاح معه

أي : لا بقاء معه .

وقال لبيد : اعقلي إن كنت لما تعقلي     ولقد
أفلح من كان عقل وقال الراجز : لو كان حي مدرك الفلاح     أدركه ملاعب الرماح
أي : لو كان أحد يبقى ولا يموت لكان ذلك ملاعب الأسنة - وهو أبو البراء عامر بن مالك .

ومن المعنى الذي ذكرنا ، قول المؤذن : حي على الفلاح ، ومنه قول الله عز وجل : ( قد أفلح من تزكى ) وقوله : ( أولئك هم المفلحون ) ( .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة