التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين » خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد

مسألة: الجزء العاشر
خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد

بعثه عمر أميرا على سرية ، ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في " صحيح مسلم " : " اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله " . الحديث إلى آخره . فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم إلى إحدى ثلاث خلال ، فأبوا أن يقبلوا واحدة منها ، فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم ، وسبوا ذراريهم ، وغنموا أموالهم . ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح وبالغنائم ، فذكروا وروده على عمر وهو يطعم الناس ، وذهابه معه إلى منزله ؛ كنحو ما تقدم من قصة أم كلثوم بنت علي ، وطلبها الكسوة كما يكسو طلحة وغيره أزواجهم ، فقال : ألا يكفيك أن يقال : بنت علي وامرأة أمير المؤمنين ! ثم ذكر طعامه الخشن وشرابه من سلت ، ثم شرع يستعلمه عن أخبار المهاجرين ، [ ص: 180 ] وكيف طعامهم وأشعارهم ؟ وهل يأكلون اللحم الذي هو شجرتهم - ولا بقاء للعرب دون شجرتهم ؟ وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر ، فأبى أن يأخذه وأقسم على ذلك ، وأمره بأن يرده فيقسم بين الغانمين . وقد أورده ابن جرير مطولا جدا .

وقال ابن جرير وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهي آخر حجة حجها ، رضي الله عنه .

قال : وفي هذه السنة كانت وفاته . ثم ذكر صفة مقتله مطولا أيضا ، وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر " سيرة عمر " ، فليكتب من هناك إلى هنا .

وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، القرشي ، أبو حفص العدوي ، الملقب بالفاروق ، قيل : لقبه بذلك أهل الكتاب . روي ذلك عن الزهري . وأمه حنتمة بنت هشام أخت أبي جهل [ ص: 181 ] ابن هشام . أسلم عمر وعمره سبع وعشرون سنة ، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وخرج في عدة سرايا وكان أميرا على بعضها .

وهو أول من دعي أمير المؤمنين ، وأول من كتب التاريخ ، وجمع الناس على التراويح ، وأول من عس بالمدينة ، وحمل الدرة وأدب بها ، وجلد في الخمر ثمانين ، وفتح الفتوح ، ومصر الأمصار ، وجند الأجناد ، ووضع الخراج ، ودون الدواوين ، وعرض الأعطية ، واستقضى القضاة ، وكور الكور ؛ مثل السواد ، والأهواز ، والجبال ، وفارس وغيرها ، وفتح الشام كله ، والجزيرة والموصل وميافارقين ، وآمد ، وأرمينية ، ومصر ، وإسكندرية ، ومات وعساكره على بلاد الري . فتح من الشام اليرموك ، وبصرى ، ودمشق ، والأردن ، وبيسان ، وطبرية ، والجابية ، وفلسطين ، والرملة ، وعسقلان ، وغزة ، والسواحل والقدس . وفتح مصر ، وإسكندرية ، وطرابلس الغرب ، وبرقة ومن مدن الشام بعلبك ، وحمص ، وقنسرين ، وحلب وأنطاكية ، وفتح الجزيرة ، وحران ، والرها ، والرقة ، ونصيبين ، ورأس عين ، وشمشاط وعين وردة ، وديار بكر ، وديار ربيعة ، وبلاد الموصل ، وأرمينية جميعها . وبالعراق القادسية ، والحيرة ، وبهرسير ، وساباط ، ومدائن كسرى . وكورة الفرات ، ودجلة ، والأبلة ، والبصرة ، والأهواز ، وفارس ونهاوند ، وهمذان ، والري ، وقومس ، وخراسان ، وإصطخر ، وأصبهان ، والسوس ، ومرو ، ونيسابور ، وجرجان ، وأذربيجان ، وغير ذلك ، وقطعت جيوشه النهر مرارا .

[ ص: 182 ] وكان متواضعا في الله ، خشن العيش ، خشن المطعم ، شديدا في ذات الله ، يرقع الثوب بالأديم ، ويحمل القربة على كتفيه ، مع عظم هيبته ، ويركب الحمار عريا ، والبعير مخطوما بالليف ، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدا ، وكان نقش خاتمه : كفى بالموت واعظا يا عمر .

وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : أشد أمتي في دين الله عمر . وعن ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر ، وإنهما السمع والبصر . وعن عائشة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الشيطان يفرق من عمر . وقال : أرحم أمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر .

وقيل لعمر : إنك فظ . فقال : الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحما ، وملأ قلوبهم لي رعبا . وقال عمر : لا يحل لي من مال الله إلا حلتان ؛ حلة للشتاء وحلة للصيف ، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ، ثم أنا [ ص: 183 ] رجل من المسلمين . وكان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا ، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين ، واشترط عليه أن لا يركب برذونا ، ولا يأكل نقيا ، ولا يلبس رقيقا ، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات ، فإن فعل شيئا من ذلك حلت عليه العقوبة .

وقيل : إنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين ، فيقول عمر : احبس هذه احبس هذه . فيقول الرجل : والله كل ما حدثتك به حق غير ما أردتني أن أحبسه .

وقال معاوية بن أبي سفيان : أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده ، وأما عمر فأرادته فلم يردها ، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن .

وعوتب عمر فقيل له : لو أكلت طعاما طيبا ، كان أقوى لك على الحق ؟ فقال : إني تركت صاحبي على جادة فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل . وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم ، ويطوف بالأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس ، وإذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به .

وقال أنس : كان بين كتفي عمر أربع رقاع ، وإزاره مرقوع بأدم . وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة ، وأنفق في حجته ستة عشر دينارا ، وقال [ ص: 184 ] لابنه : قد أسرفنا . وكان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقي كساءه على الشجر ويستظل تحته ، وليس له خيمة ولا فسطاط .

ولما قدم الشام لفتح بيت المقدس ، كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامة ، قد طبق رجليه بين شعبتي الرحل بلا ركاب ، ووطاؤه كساء من صوف ، وهو فراشه إذا نزل وحقيبته محشوة ليفا ، وهي وسادته إذا نام ، وعليه قميص من كرابيس قد دسم وتخرق جيبه ، فلما نزل قال : ادعوا لي رأس القرية . فدعوه فقال : اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصا . فأتي بقميص كتان فقال : ما هذا ؟ فقيل : كتان . فقال : فما الكتان ؟ فأخبروه ، فنزع قميصه فغسلوه وخاطوه ثم لبسه ، فقيل له : أنت ملك العرب ، وهذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الإبل . فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل ، فلما سار جعل البرذون يهملج به ، فقال لمن معه : احبسوا ، ما كنت أظن أن الناس يركبون الشياطين ، هاتوا جملي . ثم نزل وركب الجمل .

وعن أنس قال : كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول - بيني وبينه جدار الحائط - : عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ! بخ بخ ، والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك . وقيل إنه حمل قربة على عاتقه ، فقيل له [ ص: 185 ] في ذلك فقال : إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها .

وكان يصلي بالناس العشاء ، ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر . وما مات حتى سرد الصوم ، وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت ، حتى اسود جلده ويقول : بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع . وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء ، وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه ، فيحمل صريعا إلى منزله ، فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف .

وقال طلحة بن عبيد الله : خرج عمر ليلة في سواد الليل ، فدخل بيتا ، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت ، فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟ فقالت : إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا ؛ يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى . فقلت لنفسي : ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع !

وقال أسلم مولى عمر : قدم المدينة رفقة من تجار ، فنزلوا المصلى ، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف : هل لك أن نحرسهم الليلة ؟ قال : نعم . فباتا يحرسانهم ويصليان ، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه ، فقال لأمه : اتق الله تعالى وأحسني إلى صبيك . ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه ، فعاد إلى أمه ، فقال لها مثل ذلك ، ثم عاد مكانه ، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي ، فأتى إلى أمه ، فقال لها : ويحك ! إنك أم سوء ، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء ؟ فقالت : يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك . قال : ولم ؟ [ ص: 186 ] قالت : لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم . قال : وكم عمر ابنك ؟ قالت : كذا وكذا شهرا . فقال : ويحك ! لا تعجليه عن الفطام . فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس قراءته من البكاء . قال : بؤسا لعمر ، كم قتل من أولاد المسلمين . ثم أمر مناديه ، فنادى : لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام ، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام . وكتب بذلك إلى الآفاق .

وقال أسلم : خرجت ليلة مع عمر إلى ظاهر المدينة ، فلاح لنا بيت شعر فقصدناه ، فإذا فيه امرأة تمخض وتبكي ، فسألها عمر عن حالها فقالت : أنا امرأة عربية وليس عندي شيء . فبكى عمر وعاد يهرول إلى بيته ، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب : هل لك في أجر ساقه الله إليك ؟ وأخبرها الخبر ، فقالت : نعم . فحمل على ظهره دقيقا وشحما ، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة وجاءا ، فدخلت أم كلثوم على المرأة ، وجلس عمر مع زوجها - وهو لا يعرفه - يتحدث ، فوضعت المرأة غلاما ، فقالت أم كلثوم : يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام . فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك وأخذ يعتذر إلى عمر . فقال عمر : لا بأس عليك . ثم أوصلهم بنفقة وما يصلحهم وانصرف .

وقال أسلم : خرجت ليلة مع عمر إلى حرة واقم ، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال : يا أسلم هاهنا ركب قد قصر بهم الليل ، انطلق بنا [ ص: 187 ] إليهم . فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها ، وقدر منصوبة على النار ، وصبيانها يتضاغون فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء . قالت : وعليك السلام . قال : أدنو ؟ قالت : ادن أو دع . فدنا فقال : ما بالكم ؟ قالت : قصر بنا الليل والبرد . قال : فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون ؟ قالت : من الجوع . فقال : وأي شيء على النار ؟ قالت : ماء أعللهم به حتى يناموا ، الله بيننا وبين عمر ! فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق ، فأخرج عدلا من دقيق وجراب شحم ، وقال : يا أسلم احمله على ظهري . فقلت : أنا أحمله عنك . فقال : أنت تحمل وزري يوم القيامة ! فحمله على ظهره وانطلقنا إلى المرأة ، فألقى عن ظهره وأخرج من الدقيق في القدر ، وألقى عليه من الشحم ، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة ، ثم أنزلها عن النار وقال : آتني بصحفة . فأتي بها ، فغرف فيها ، ثم جعلها بين يدي الصبيان ، وقال : كلوا . فأكلوا حتى شبعوا - والمرأة تدعو له وهي لا تعرفه - فلم يزل عندهم حتى نام الصغار ، ثم أوصلهم بنفقة وانصرف فقال : يا أسلم ، الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم .

وقيل إن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له : إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ فقال : قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا [ ص: 188 ] أطلبه . فقال : قد أتعبت الخلفاء من بعدك ! وقيل : إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال : من هذه ؟ فقالت ابنة عبد الله : هذه ابنتي . قال : فما بالها ؟ فقالت : إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى . فقال : يا عبد الله بيني وبينكم كتاب الله ، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم ، أتريدون مني أن أعطيكم ما ليس لكم فأعود خائنا !

وقال الواقدي : حدثنا أبو حرزة يعقوب بن مجاهد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي عمرو قال : قلت لعائشة : من سمى عمر الفاروق ؟ قالت : النبي ، صلى الله عليه وسلم .

أمير المؤمنين ، وأول من حياه بها المغيرة بن شعبة ، وقيل : غيره . والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري ، حدثتني أم عمرو بنت حسان الكوفية - وكان قد أتى عليها مائة وثلاثون سنة - عن أبيها ، قال : لما ولي عمر قالوا : يا خليفة خليفة رسول الله . فقال عمر : هذا أمر يطول بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم . فسمي أمير المؤمنين .

وملخص ذلك أن عمر ، رضي الله عنه ، لما فرغ من الحج سنة ثلاث [ ص: 189 ] وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله ، عز وجل وشكا إليه أنه قد كبرت سنه وضعفت قوته ، وانتشرت رعيته وخاف من التقصير ، وسأل الله أن يقبضه إليه ، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت عنه في " الصحيح " أنه كان يقول : اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك ، وموتا في بلد رسولك . فاستجاب الله له هذا الدعاء ، وجمع له بين هذين الأمرين ؛ الشهادة في المدينة النبوية . وهذا عزيز جدا ، ولكن الله لطيف لما يشاء ، تبارك وتعالى . فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل ، الرومي الدار ، وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الصبح من يوم الأربعاء ، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين ، فضربه ثلاث ضربات ، وقيل : ست ضربات . إحداهن تحت سرته قطعت الصفاق فخر من قامته ، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه ، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة ، فألقى عليه عبد الله بن عوف برنسا فانتحر نفسه ، لعنه الله ، وحمل عمر إلى منزله والدم يسيل من جرحه - وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه ، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول : نعم ، ولا حظ في الإسلام لمن تركها . ثم صلى في الوقت ، ثم سأل عمن قتله من هو ؟ فقالوا له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة . فقال : الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الإيمان ، ولم يسجد لله سجدة . ثم قال : قبحه الله ، لقد كنا [ ص: 190 ] أمرنا به معروفا .

وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ، ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد ، فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر ، وقال له : لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحا تدور بالهواء . فقال أبو لؤلؤة أما والله لأعملن لك رحا يتحدث بها الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة .

وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو عنهم راض ؛ وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم ; لكونه من قبيلته ، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه ، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيرا على طبقاتهم ومراتبهم .

ومات ، رضي الله عنه بعد ثلاث ، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين بالحجرة النبوية إلى جانب الصديق ، عن إذن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، في ذلك ، وفي ذلك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .

قال الواقدي : حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد ، عن أبيه قال : طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين فكانت ولايته عشر سنين [ ص: 191 ] وخمسة أشهر وأحدا وعشرين يوما ، وبويع لعثمان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم . قال : فذكرت ذلك لعثمان الأخنسي ، فقال : ما أراك إلا وهلت ، توفي عمر لأربع ليال بقين من ذي الحجة ، وبويع لعثمان لليلة بقيت من ذي الحجة ، فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين .

وقال أبو معشر : قتل عمر لأربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين ، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام ، وبويع عثمان بن عفان .

وقال ابن جرير : حدثت عن هشام بن محمد ، قال : قتل عمر لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام .

وقال سيف ، عن خليد بن ذفرة ومجالد قالا : استخلف عثمان لثلاث من المحرم ، فخرج فصلى بالناس صلاة العصر .

وقال علي بن محمد المدائني ، عن شريك ، عن الأعمش - أو جابر الجعفي - عن عوف بن مالك الأشجعي وعامر بن أبي محمد ، عن أشياخ من [ ص: 192 ] قومه ، وعثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، قالوا : طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة . قال : وقال غيرهم : لست بقين من ذي الحجة .

والقول الأول هو الأشهر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة