شروح الحديث

تحفة الأحوذي

محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري

دار الكتب العلمية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » سنن الترمذي » كتاب العلم » باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع

مسألة:
باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع

2676 حدثنا علي بن حجر حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا حدثنا بذلك الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا حدثنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه والعرباض بن سارية يكنى أبا نجيح وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر عن عرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه
الحاشية رقم: 1
قوله : ( عن عبد الرحمن بن عمرو ) بن عبسة ( السلمي ) الشامي مقبول من الثالثة ( عن [ ص: 366 ] العرباض ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة ( بن سارية ) السلمي كنيته أبو نجيح صحابي كان من أهل الصفة ونزل حمص .

قوله : ( ذرفت ) أي دمعت ( ووجلت ) بكسر الجيم أي خافت ( إن هذه موعظة مودع ) بالإصافة فإن المودع بكسر الدال عند الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع بفتح الدال أي كأنك تودعنا بها لما رأى من مبالغته -صلى الله عليه وسلم- في الموعظة ( فماذا تعهد إلينا ) أي فبأي شيء توصينا ( وإن عبد حبشي ) أي وإن تأمر عليكم عبد حبشي كما في رواية الأربعين للنووي أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته أو لو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن ، ووقع في بعض نسخ أبي داود : وإن عبدا حبشيا بالنصب أي وإن كان المطاع عبدا حبشيا .

قال الخطابي : يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا ولم يرد بذلك أن يكون الإمام عبدا حبشيا ، وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال الأئمة من قريش وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود كقوله -صلى الله عليه وسلم- : من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ، وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدا لشخص آدمي ونظائر هذا الكلام كثيرة ( وإياكم ومحدثات الأمور إلخ ) .

وفي رواية أبي داود : وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة . قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم : والحكم فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله : كل بدعة ضلالة ، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة فقوله -صلى الله عليه وسلم- كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين ، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع ، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية ، فمن ذلك قول عمر -رضي الله عنه- في التراويح : نعمت البدعة هذه ، وروي عنه أنه قال إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة ، ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي واستمر عمل المسلمين عليه ، وروي عن ابن عمر أنه قال : هو بدعة [ ص: 367 ] ولعله أراد ما أراد أبوه في التراويح ، انتهى ملخصا . ( فمن أدرك ذلك ) أي زمن الاختلاف الكثير ( فعليه بسنتي ) أي فليلزم سنتي ( وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها قاله القاري .

وقال الشوكاني في الفتح الرباني : إن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا وأخذوا في تأويله بوجوه أكثرها متعسفة ، والذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب بحسب ما تقتضيه لغة العرب ، فالسنة هي الطريقة فكأنه قال الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين ، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته ، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شيء . وعلى كل حال كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها . وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر ، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : بم تقضي ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد قال : فبسنة رسول الله قال : فإن لم تجد قال : أجتهد رأيي قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله أو كما قال . وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به وقد أوضحت هذا في بحث مستقل . فإن قلت : إذا كان ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله " وسنة الخلفاء الراشدين ثمرة " ، قلت : ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه -صلى الله عليه وسلم- وأدرك زمن الخلفاء الراشدين أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء ، ولكنه حدث أمر لم يحدث في زمنه ففعله الخلفاء ، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون . فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي وإن كان من سننه كما تقدم ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل . وبالجملة فكثيرا ما كان -صلى الله عليه وسلم- ينسب الفعل أو الترك إليه أو إلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه ؛ لأنه محل القدوة ومكان الأسوة فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث ، ولم أقف عند تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله العظيم . انتهى كلام الشوكاني .

وقد ذكرنا كلام صاحب سبل السلام في بيان معنى هذا الحديث في باب أذان الجمعة ، وقال القاري في المرقاة قيل : هم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله تعالى عنهم- ؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- : قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد انتهى بخلافة علي كرم الله وجهه . قال بعض المحققين : وصف الراشدين بالمهديين ؛ لأنه إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح [ ص: 368 ] أن يكون هاديا لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر : وهم الصديق والفاروق وذو النورين وأبو تراب علي المرتضى -رضي الله عنهم- أجمعين ؛ لأنهم لما كانوا أفضل الصحابة وواظبوا على استمطار الرحمة من الصحابة النبوية وخصهم الله بالمراتب العلية ، والمناقب السنية ، ووطنوا أنفسهم على مشاق الأسفار ومجاهدة القتال مع الكفار .

أنعم الله عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدي إلى الرياسة الكبرى لإشاعة أحكام الدين ، وإعلاء أعلام الشرع المتين رفعا لدرجاتهم ، وازديادا لمثوباتهم ، انتهى . ( عضوا ) بفتح العين ( عليها ) أي على السنة ( بالنواجذ ) جمع ناجذة بالذال المعجمة وهي الضرس الأخير ، وقيل : هو مرادف السن وقيل هو الناب . قال الماوردي : إذا تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون منها أربعة ثنايا ، وهي أوائل ما يبدو للناظر من مقدم الفم ، ثم أربع رباعيات ، ثم أربع أنياب ، ثم أربع ضواحك ، ثم اثنا عشر أضراس ، وهي الطواحن ، ثم أربع نواجذ ، وهي أواخر الأسنان كذا نقله الأبهري ، والصحيح أن الأضراس عشرون شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ ، والله أعلم . والعض كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها فإن من أراد أن يأخذ شيئا أخذا شديدا يأخذ بأسنانه أو المحافظة على الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد ، كمن أصابه ألم لا يريد أن يظهره فيشتد بأسنانه بعضها على بعض .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره وقال : والخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، فخص اثنين ، وقال : فإن لم تجدني فأت أبا بكر فخصه ، فإذا قال أحدهم وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى . والمحدث على قسمين : محدث ليس له أصل إلا الشهرة والعمل بالإرادة فهذا باطل ، وما كان على قواعد الأصول أو مردودا إليها فليس ببدعة ولا ضلالة ، انتهى كلام المنذري .

قوله : ( حدثنا بذلك الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا : أخبرنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد إلخ ) ورواه ابن ماجه عن يحيى بن حكيم حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي [ ص: 369 ] حدثنا ثور بن يزيد إلخ ( وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر إلخ ) وصله أبو داود في سننه وحجر بن حجر هذا بضم الحاء المهملة وسكون الجيم الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام الحمصي مقبول من الثالثة

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة