أحاديث الأحكام

نيل الأوطار

محمد بن علي الشوكاني

دار الحديث

سنة النشر: 1413هـ/1993
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء

مسألة: الجزء الرابع
[ ص: 131 ] باب الكف عن ذكر مساوئ الأموات

1519 - ( عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا } رواه أحمد والبخاري والنسائي )

1520 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا } رواه أحمد والنسائي )

الحاشية رقم: 1
حديث ابن عباس أخرجه بمعناه الطبراني في الأوسط بإسناد فيه صالح بن نبهان وهو ضعيف وأخرج نحوه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث سهل بن سعد والمغيرة قوله : ( لا تسبوا الأموات ) ظاهره النهي عن سب الأموات على العموم ، وقد خصص هذا العموم بما تقدم في حديث أنس وغيره أنه { قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير والشر : وجبت أنتم شهداء الله في أرضه } ولم ينكر عليهم " وقيل : إن اللام في الأموات عهدية والمراد بهم المسلمون ; لأن الكفار مما يتقرب إلى الله عز وجل بسبهم .

ويدل على ذلك قوله في حديث ابن عباس المذكور : { لا تسبوا أمواتنا } وقال القرطبي في الكلام على حديث " وجبت " : إنه يحتمل أجوبة الأول أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرا به فيكون من باب " ألا غيبة لفاسق " أو كان منافقا ، أو يحمل النهي على ما بعد الدفن ، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه ، أو يكون هذا النهي العام متأخرا فيكون ناسخا قال الحافظ : وهذا ضعيف وقال ابن رشيد ما محصله إن السب يكون في حق الكافر وفي حق المسلم أما في حق الكافر فيمتنع إذا تأذى به الحي المسلم وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة عليه ، وقد يجب في بعض المواضع ، وقد تكون مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ مالا بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن من بيده المال يرده إلى صاحبه

والثناء على الميت بالخير والشر من باب الشهادة لا من باب السب انتهى .

والوجه تبقية الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على الميت بالشر وجرح المجروحين من الرواة " أحياء وأمواتا لإجماع العلماء على جواز ذلك وذكر مساوئ الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم قال ابن بطال : سب الأموات يجري مجرى الغيبة ، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع ، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له ، وكذلك الميت انتهى .

ويتعقب [ ص: 132 ] بأن ذكر الرجل بما فيه حال حياته قد يكون لقصد زجره وردعه عن المعصية أو لقصد تحذير الناس منه وتنفيرهم وبعد موته قد أفضى إلى ما قدم فلا سواء ، وقد عملت عائشة رواية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي ، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه ، كما روى ذلك عنها عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة ورواه ابن حبان من وجه آخر وصححه ، والمتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات ، وسب من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات ، ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على ما قدم وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه أحموقة لا تقع لمتيقظ ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب ، ونسأل الله السلامة بالحسنات ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات ، اللهم اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم في هذه الشعاب والهضاب ، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب

قوله : ( فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) أي وصلوا إلى ما عملوا من خير وشر ، والربط بهذه العلة من مقتضيات الحمل على العموم قوله : ( فتؤذوا الأحياء ) أي فيتسبب عن سبهم أذية الأحياء من قراباتهم ، ولا يدل هذا على جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء كمن لا قرابة له أو كانوا ولكن لا يبلغهم ذلك ; لأن سب الأموات منهي عنه للعلة المتقدمة ولكونه من الغيبة التي وردت الأحاديث بتحريمها ، فإن كان سببا لأذية الأحياء فيكون محرما من جهتين وإلا كان محرما من جهة وقد أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اذكروا محاسن أمواتكم وكفوا عن مساويهم } وفي إسناده عمران بن أنس المكي وهو منكر الحديث كما قال البخاري : وقال العقيلي : لا يتابع على حديثه وقال الكرابيسي : حديثه ليس بالمعروف

وأخرج أبو داود عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه } وقد سكت أبو داود والمنذري عن الكلام على هذا الحديث

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة