فروع الفقه الحنفي

البحر الرائق شرح كنز الدقائق

زين الدين بن إبراهيم (ابن نجيم)

دار الكتاب الإسلامي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ط2 : د.ت
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء

مسألة: الجزء الثالث
( قوله وللولي إنكاح الصغير والصغيرة والولي العصبة بترتيب الإرث ) ومالك يخالفنا في غير الأب والشافعي يخالفنا في غير الأب والجد وفي الثيب الصغيرة أيضا وجه قول مالك إن الولاية على الحرة باعتبار الحاجة ولا حاجة لانعدام الشهوة إلا أن ولاية الأب ثبتت نصا [ ص: 127 ] بخلاف القياس والجد ليس في معناه فلا يلحق به . قلنا : لا بل هو موافق للقياس ; لأن النكاح يتضمن المصالح ولا تتوفر إلا بين المتكافئين عادة ولا يتفق الكفء في كل زمان فأثبتنا الولاية في حالة الصغر بكرا كانت أو ثيبا إحرازا للكفء والقرابة داعية إلى النظر كما في الأب والجد وما فيه من القصور أظهرناه في سلب ولاية الإلزام بخلاف التصرف في المال ; لأنه يتكرر فلا يمكن تدارك الخلل وتمامه في الهداية وشروحها .

والحاصل : أن علة ثبوت الولاية على الصغيرة عند الشافعي البكارة وعندنا عدم العقل أو نقصانه ، وهذا أولى ; لأنه المؤثر في ثبوت الولاية في مالها إجماعا ، وكذا في حق الغلام في ماله ونفسه ، وكذا في حق المجنونة إجماعا ولا تأثير لكونها ثيبا أو بكرا فكذا الصغيرة وأشار المصنف إلى أن للولي إنكاح المجنون والمجنونة إذا كان الجنون مطبقا فالمراد أن للولي إنكاح غير المكلفة جبرا قال في الولوالجية الرجل إذا كان يجن ويفيق هل يثبت للغير ولاية عليه في حال جنونه ؟ إن كان يجن يوما أو يومين أو أقل من ذلك لا تثبت ; لأنه لا يمكن الاحتراز عنه وفي الخانية رجل زوج ابنه البالغ بغير إذنه فجن الابن قبل الإجازة قالوا : ينبغي للأب أن يقول أجزت النكاح على ابني ; لأن الأب يملك إنشاء النكاح عليه بعد الجنون فيملك إجازته ا هـ .

وقيد المصنف بالإنكاح ; لأن الولي إذا أقر بالنكاح على الصغيرة لم يجز إلا بشهود أو بتصديقها بعد البلوغ عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقالا : يصدق ، وكذلك لو أقر المولى على عبده والوكيل على موكله ثم الولي على من يقيم بينة الإقرار عند أبي حنيفة قالوا القاضي ينصب خصما عن الصغير حتى ينكر فتقام البينة على المنكر كما إذا أقر الأب باستيفاء بدل الكتابة من عبد ابنه الصغير لا يصدق إلا ببينة فالقاضي ينصب خصما عن الصغير فتقام عليه البينة كذا في المحيط ، وهذه المسألة على قول الإمام مخرجة من قولهم : إن من ملك الإنشاء ملك الإقرار به كالوصي والمراجع والمولى والوكيل بالبيع كذا في الجامع الصغير للصدر الشهيد مع أن صاحب المبسوط قال : وأصل كلامهم يشكل بإقرار الوصي بالاستدانة على اليتيم فإنه لا يكون صحيحا وإن كان هو يملك إنشاء الاستدانة ا هـ .

وفسر المصنف رحمه الله الولي بالعصبة وسيأتي في الفرائض أنه : ( العصبة ) من أخذ الكل إذا انفرد والباقي مع ذي سهم ، وهو عند الإطلاق منصرف إلى العصبة بنفسه وهو ذكر يتصل بلا توسط أنثى أي يتصل إلى غير المكلف ولا يقال هنا إلى الميت فلا يرد العصبة بالغير كالبنت تصير عصبة بالابن فلا ولاية لها على أمها المجنونة ، وكذا لا يرد العصبة مع الغير كالأخوات مع البنات . وأفاد بقوله بترتيب الإرث أن الأحق الابن وابنه وإن سفل ولا يتأتى إلا في المعتوهة على قولهما خلافا لمحمد كما سيأتي ثم الأب ثم الجد أبوه ثم الأخ الشقيق ثم الأب ، وذكر الكرخي أن الأخ والجد يشاركان في الولاية عندهما وعند أبي حنيفة يقدم الجد كما هو الخلاف في الميراث والأصح أن الجد أولى بالتزويج اتفاقا ، وأما الأخ لأم فليس منهم ثم ابن الشقيق ثم ابن الأخ لأب ثم العم الشقيق ثم لأب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب ثم أعمام الأب كذلك الشقيق ثم لأب ثم أبناء عم الأب الشقيق ثم أبناؤه لأب ثم عم الجد الشقيق ثم عم الجد لأب ثم أبناء عم الجد الشقيق ثم أبناؤه لأب وإن سفلوا كل هؤلاء تثبت لهم ولاية الإجبار على البنت والذكر في حال صغرهما وحال كبرهما إذا [ ص: 128 ] جنى ثم المعتق وإن كان امرأة ثم بنوه وإن سفلوا ثم عصبته من النسب على ترتيب عصبات النسب كذا في فتح القدير وغيره وفي الظهيرية والجارية بين اثنين إذا جاءت بولد فادعياه حيث يثبت النسب من كل واحد منهما ينفرد كل واحد منهما بالتزويج ، ثم إذا اجتمع في الصغير والصغيرة وليان في الدرجة على السواء فزوج أحدهما جاز ، أجاز الأول أو فسخ ، بخلاف الجارية إذا كانت بين اثنين فزوجها أحدهما لا يجوز إلا بإجازة الآخر فإن زوج كل واحد من الوليين رجلا على حدة فالأول يجوز والآخر لا يجوز وإن وقعا معا ساعة واحدة لا يجوز كلاهما ولا واحد منهما وإن كان أحدهما قبل الآخر ولا يدرى السابق من اللاحق فكذلك ; لأنه لا يجوز ; لأنه لو جاز جاز بالتحري والتحري في الفروج حرام هذا إذا كان في الدرجة سواء

وأما إذا كان أحدهما أقرب من الآخر فلا ولاية للأبعد مع الأقرب إلا إذا غاب غيبة منقطعة فنكاح الأبعد يجوز إذا وقع قبل عقد الأقرب كذا ذكره الإسبيجابي وفي المحيط وغيره وإذا زوج غير الأب والجد الصغيرة فالاحتياط أن يعقد مرتين مرة بمهر مسمى ومرة بغير تسمية لأمرين : أحدهما لو كان في التسمية نقصان لا يصح النكاح الأول فيصح النكاح الثاني بمهر المثل . والثاني لو كان الزوج حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها ينعقد الثاني وتحل وإن كان أبا أو جدا فكذلك عندهما للوجه . الثاني واختلفوا في وقت الدخول بالصغيرة ، فقيل لا يدخل بها ما لم تبلغ ، وقيل يدخل بها إذا بلغت تسع سنين

وقيل إن كانت سمينة جسيمة تطيق الجماع يدخل بها وإلا فلا ، وكذا اختلفوا في وقت ختان الصبي على الأقوال الثلاثة ، وقيل يختن إذا بلغ عشرا ا هـ .

وفي الخلاصة وأكثر المشايخ على أنه لا اعتبار للسن فيهما ، وإنما المعتبر الطاقة وفي الظهيرية صغيرة زوجها وليها من كفء ، ثم قال لست أنا بولي لا يصدق ولكن ينظر إن كانت ولايته ظاهرة جاز النكاح وإلا فلا ا هـ .

وفي الخلاصة صغيرة زوجت فذهبت إلى بيت زوجها بدون أخذ المهر فلمن هو أحق بإمساكها قبل التزويج أن يمنعها حتى يأخذ من له حق أخذ جميع المهر وغير الأب إذا زوج الصغيرة وسلمها إلى الزوج قبل قبض جميع الصداق فالتسليم فاسد وترد إلى بيتها قال رحمه الله هذا في عرفهم أما في زماننا فتسليم جميع الصداق ليس بلازم والأب إذا سلم البنت إليه قبل القبض له أن يمنعها بخلاف ما لو باع مال الصغير وسلم قبل قبض الثمن فإنه لا يسترد ا هـ .

والفرق أن حقوق النقد في الأموال راجعة إليه بخلاف النكاح ولذا ملك الإبراء عن الثمن ويضمن ولا يصح الإبراء عن المهر من الولي .

الحاشية رقم: 1
[ ص: 127 ] ( قوله : وكذا لو أقر المولى على عبده ) وفي البدائع وأجمعوا على أن المولى إذا أقر على أمته بالنكاح أنه يصدق من غير شهادة فقد فرق بين العبد والأمة ، ووجهه أن إقراره على الأمة إقرار على نفسه ; لأنه يملك منافع بضعها . ( قوله ثم المولى على من يقيم بينة الإقرار ) من استفهامية ، وقوله قالوا جواب استفهام ومنشؤه قوله قبله إن الولي لا يجوز إقراره على الصغيرة إلا بشهود ولكن لا يخفى أن البينة إنما تقام على النكاح لا على الإقرار نفسه ففي الكلام تجوز تأمل وفي حاشية الرملي قوله ثم الولي إلخ هكذا في النسخ ولا يصح ولعل العبارة ثم المدعي على من يقيم بينة مع إقرار الولي وعبارة النهر طريق سماعها أن ينصب القاضي خصما عن الصغير فينكر فتقام عليه البينة ا هـ . تأمل كلامالرملي .

قلت : وفي البدائع وصورة المسألة في موضعين : أحدهما أن تدعي امرأة نكاح الصغير أو يدعي رجل نكاح الصغيرة والأب ينكر ذلك فيقيم المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح فعند أبي حنيفة لا تقبل هذه الشهادة وعندهما تقبل ويظهر النكاح .

والثاني أن يدعي رجل نكاح الصغيرة أو امرأة نكاح الصغير بعد بلوغهما وهما ينكران ذلك فأقام المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح في حال الصغر لا تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة حتى يشهد شاهدان على نفس النكاح في حال الصغر . ا هـ .

( قوله وهو ذكر يتصل بلا توسط أنثى ) قال في النهر هو كما سيأتي في الفرائض من يأخذ المال إذا انفرد والباقي مع ذي سهم ، وهذا أولى من تعريفه بذكر يتصل بلا واسطة أنثى كما في البحر إذ المطلقة لها ولاية الإنكاح .

السابق

|

| من 38

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة