فروع الفقه الحنفي

فتح القدير

كمال الدين بن عبدالواحد (ابن الهمام)

دار الفكر

سنة النشر: -
رقم الطبعة:  د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
( ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى ) لأنه تكرار الأركان ( إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ) لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة ( ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ) خلافا للشافعي رحمه الله في الركوع والرفع منه لقوله عليه الصلاة والسلام { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن : تكبيرة الافتتاح ، وتكبيرة القنوت [ ص: 310 ] وتكبيرات العيدين ، وذكر الأربع في الحج } والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء ، كذا نقل عن ابن الزبير .

الحاشية رقم: 1
( قوله لقوله صلى الله عليه وسلم ) غريب بهذا اللفظ ، وقد روى الطبراني بسنده عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن : حين يفتتح الصلاة ، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت ، وحين يقوم على المروة ، وحين يقف مع الناس عشية عرفة ، وبجمع ، والمقامين حين يرمي الجمرة } وذكره البخاري معلقا في كتابه المفرد في رفع اليدين فقال : وقال وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن : في افتتاح الصلاة ، وفي استقبال الكعبة ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفات ، وبجمع ، وفي المقامين ، وعند الجمرتين } وقال : قال شعبة : لم يسمع الحكم عن مقسم إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها ، فهو مرسل وغير محفوظ . قال : وأيضا فهم يعني : أصحابنا خالفوا هذا الحديث في تكبيرات العيدين وتكبيرة القنوت انتهى . وقال في الإمام : [ ص: 310 ] اعترض عليه بوجوه تفرد ابن أبي ليلى وترك الاحتجاج به . ورواه وكيع عنه بالوقف على ابن عباس وابن عمر ، قال الحاكم : ووكيع أثبت من كل من روى هذا عن ابن أبي ليلى ، وبرواية جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع ، وبعد رفع الرأس منه .

وقد أسنداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وبأنه روي عن الحكم قال في جميع الروايات : ترفع الأيدي وليس في شيء منها لا ترفع إلا فيها : ويستحيل أن يكون لا ترفع إلا فيها صحيحا .

وقد تواترت الأخبار بالرفع في غيرها كثيرا ، فمنها الاستسقاء ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حاصله ، وأحسنها أن الحصر غير مراد لما ذكر من ثبوت الرفع في غير المذكورة ، فإذا ثبت عند الركوع والرفع منه وجب القول به ، وقد ثبت وهو ما أخرجه الستة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر ، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك ، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود } وجوابه المعارضة بما في أبي داود والترمذي عن وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال : قال عبد الله بن مسعود : { ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يرفع يديه إلا في أول مرة } . وفي لفظ : { فكان يرفع يديه في أول مرة ثم لا يعود } . قال الترمذي حديث حسن ، وأخرجه النسائي عن ابن المبارك عن سفيان إلخ ، وما نقل عن ابن المبارك أنه قال : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود فغير ضائر بعد ما ثبت بالطريق التي ذكرنا . والقدح في عاصم بن كليب غير مقبول ، فقد وثقه ابن معين وأخرج له مسلم حديثه في الهدي وغيره عن علي ، وفي عبد الرحمن بأنه لم يسمع من علقمة باطل لأنه عن رجل مجهول ، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال : مات سنة تسع وتسعين وسنه سن إبراهيم النخعي ، وما المانع حينئذ من سماعه من علقمة والاتفاق على سماع النخعي منه ، وصرح الخطيب في كتاب المتفق والمفترق في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة ، وما قيل إن الحديث صحيح وإنما المنكر فيه على وكيع زيادة ثم لا يعود . نقل عن الدارقطني ومحمد بن نصر المروزي وابن القطان فإنما هو ظن ظنوه ولذا نسب غير هؤلاء الوهم إلى سفيان الثوري كالبخاري في كتابه في رفع اليدين . وقال ابن أبي حاتم : إنه سأل أباه عنه فقال : هذا خطأ يقال وهم فيه الثوري ، فعرفنا أنه لما روي من طرق بدون هذه الزيادة ظنوها خطأ . واختلفوا في الغالط ، وغاية الأمر أن الأصل رواه مرة بتمامه ومرة بعضه بحسب تعلق الغرض ، وبالجملة فزيادة العدل الضابط مقبولة خصوصا وقد توبع عليها ، فرواه ابن المبارك فيما قدمناه من رواية النسائي .

وأخرج الدارقطني وابن عدي عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال { صليت [ ص: 311 ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة } واعترف الدارقطني بتصويب إرسال إبراهيم إياه عن ابن مسعود ، وتضعيف ابن جابر ، وقول الحاكم فيه أحسن ما قيل فيه إنه يسرق الحديث من كل من يذاكره فممنوع . قال الشيخ في الإمام : العلم بهذه الكلية متعذر ، وأحسن من ذلك قول ابن عدي : كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة هم أفضل منه وأوثق ، وقد روى عنه من الكبار أيوب وابن عوف وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وغيرهم ، ولولا أنه في المحل الرفيع لم يرو عنه هؤلاء .

ومما يؤيد صحة هذه الزيادة رواية أبي حنيفة من غير الطريق المذكور ، وذلك أنه اجتمع مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين كما حكى ابن عيينة فقال الأوزاعي : ما بالكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه ، فقال : لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء ، فقال الأوزاعي : كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه } فقال أبو حنيفة : حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشيء من ذلك } فقال الأوزاعي : أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه وتقول حدثني حماد عن إبراهيم ؟ فقال أبو حنيفة : كان حماد أفقه من الزهري ، وكان إبراهيم أفقه من سالم ، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه ، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل صحبة فالأسود له فضل كثير ، وعبد الله ، فرجح بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد وهو المذهب المنصور عندنا .

وروى الطحاوي ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش بسند صحيح عن الأسود قال " رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود " قال : ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك ، وعارضه الحاكم برواية طاوس بن كيسان عن ابن عمر رضي الله عنهما " كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه " .

وروى الطحاوي عن أبي بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه " أن عليا رضي الله عنه رفع يديه في أول التكبير ثم لم يعد " وما في الترمذي عن علي رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم { كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد ، وإذا قام من السجدتين رفع كذلك } صححه الترمذي ، فمحمول على النسخ للاتفاق على نسخ الرفع عند السجود .

واعلم أن الآثار عن الصحابة والطرق عنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 312 ] كثيرة جدا ، والكلام فيها واسع من جهة الطحاوي وغيره ، والقدر المتحقق بعد ذلك كله ثبوت رواية كل من الأمرين عنه صلى الله عليه وسلم الرفع عند الركوع وعدمه فيحتاج إلى الترجيح لقيام التعارض ، ويترجح ما صرنا إليه بأنه قد علم بأنه كانت أقوال مباحة في الصلاة وأفعال من جنس هذا الرفع وقد علم نسخها ، فلا يبعد أن يكون هو أيضا مشمولا بالنسخ خصوصا وقد ثبت ما يعارضه ثبوتا لا مرد له ، بخلاف عدمه فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية لأنه ليس من جنس ما عهد فيه ذلك بل من جنس السكون الذي هو طريق ما أجمع على طلبه في الصلاة : أعني الخشوع ، وكذا بأفضلية الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله أبو حنيفة للأوزاعي .

وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال : ذكر عنده وائل بن حجر : أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند الركوع وعند السجود ، فقال أعرابي : لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة أرى قبلها قط : أفهو أعلم من عبد الله وأصحابه حفظ ولم يحفظوا .

وفي رواية وقد حدثني من لا أحصي عن عبد الله أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط ، وحكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله عالم بشرائع الإسلام وحدوده متفقد لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ملازم له في إقامته وأسفاره ، وقد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى ، فيكون الأخذ به عند التعارض أولى من إفراد مقابله ومن القول بسنية كل من الأمرين والله سبحانه وتعالى أعلم

السابق

|

| من 37

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة