الفتاوى

مجموع فتاوى ابن تيمية

تقي الدين ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416هـ/1995م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

مسألة: الجزء الثامن
[ ص: 406 ] سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في " أفعال العباد " : هل هي قديمة أم مخلوقة حين خلق الإنسان ؟ وما الحجة على من يقول : إن سائر أفعال العباد من الحركات وغيرها من القدر الذي قدر قبل خلق السموات والأرض ؟ وفيمن لم يستثن في الأفعال الماضية كقول القائل : هذه نخلة أو شجرة زيتون قطعا لم يقل شيئا إلا ويسترجع فيه المشيئة ويسأل البسط في ذلك .

الحاشية رقم: 1
فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين . " أفعال العباد " مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام : الإمام أحمد ومن قبله وبعده حتى قال بعضهم : من قال : إن أفعال العباد غير مخلوقة ، فهو بمنزلة من قال : إن السماء والأرض غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد العطار : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة .

وكان السلف قد أظهروا ذلك لما أظهرت القدرية أن أفعال العباد غير [ ص: 407 ] مخلوقة لله وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله فبين السلف والأئمة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها .

ثم لما أظهر طائفة من المنتسبين إلى السنة أن ألفاظ العباد [ بالقرآن ] غير مخلوقة وأنكر الإمام أحمد ذلك وبدع من قاله ثم لما مات قام بعده صاحبه أبو بكر المروذي فصنف في ذلك مصنفا ذكره أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " وذكر مسألة أبي طالب لما أنكر عليه أحمد القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق والجهمية أول من قال اللفظ بالقرآن مخلوق ورواه عنه ابناه صالح وعبد الله وحنبل ابن عمه والمروذي وقوران وغيرهم من أجلاء أصحابه .

وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال : إن أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة وصنف البخاري في ذلك مصنفا كما أنهم بدعوا وجهموا من قال : إن الله لا يتكلم بصوت أو إن حروف القرآن مخلوقة . أو قالوا : إن اللفظ بالقرآن مخلوق فرد الأئمة هذه البدعة كما ذكرنا ذلك مبسوطا في غير هذا الموضع . ولم يقل قط أحد لا من أصحاب أحمد المعروفين ولا من غيرهم من العلماء المعروفين : إن أفعال العباد قديمة .

وإنما رأيت هذا [ قولا ] لبعض المتأخرين بأرض العجم وأرض مصر من المنتسبين إلى مذهب الشافعي أو أحمد فرأيت بعض المصريين يقولون : [ ص: 408 ] إن أفعال العباد من خير وشر قديمة ويقولون : ليس مرادنا بالأفعال نفس الحركات ولكن مرادنا الثواب الذي يكون عليها كما جاء في الحديث : { إن المؤمن يرى عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح } واحتجوا على ذلك بأن الأفعال من القدر والقدر سر الله وصفة من صفاته وصفاته قديمة .

واحتجوا بأن الشرائع غير مخلوقة لأنها أمر الله وكلامه والأفعال هي الشرائع فتكون قديمة . وهذا قول في غاية الفساد وهو مخالف لنصوص أئمة الإسلام كلهم ; وأحدهم الإمام أحمد فإنه نص هو وغيره من الأئمة على أن الثواب الذي يعطيه الله على قراءة القرآن مخلوق . فكيف بالثواب الذي يعطيه على سائر أعمال العباد . ولما احتج الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن مخلوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم { تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف ويأتي القرآن في صورة الرجل الشاحب } ونحو ذلك قالوا : ومن يأتي ويذهب لا يكون إلا مخلوقا أجابهم الإمام أحمد بأن الله تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإتيان بقوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } وقال : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ومع هذا فلم يكن هذا دليلا على أنه مخلوق [ ص: 409 ] بالاتفاق بل قد يقول القائل : جاء أمره وهكذا تقوله المعتزلة الذين يقولون : القرآن مخلوق يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره فلم لا يجوز أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه ؟ ويكون المراد بقوله تجيء البقرة وآل عمران بمجيء ثوابها وثوابها مخلوق .

وقد ذكر هذا المعنى غير واحد وبينوا أن المراد بقوله : { تجيء البقرة وآل عمران } أي : ثوابهما ليجيبوا الجهمية الذين احتجوا بمجيء القرآن وإتيانه على أنه مخلوق فلو كان الثواب أيضا الذي يجيء في صورة غمامة أو صورة شاب غير مخلوق لم يكن فرق بين القرآن والثواب ولا كان حاجة إلى أن يقولوا : يجيء ثوابه ؟ ولا كان جوابهم للجهمية صحيح بل كانت الجهمية تقول : أنتم تقولون إنه غير مخلوق ; وأن ثوابه غير مخلوق فلا ينفعكم هذا الجواب .

فعلم أن أئمة السنة مع الجهمية كانوا متفقين على أن ثواب قراءة القرآن مخلوق فكيف يكون ثواب سائر الأعمال ; وهذا بين فإن الثواب والعقاب هو ما وعد الله به عباده وأوعدهم به ; فالثواب هو الجنة بما فيها ; والعقاب هو النار بما فيها ; والجنة بما فيها مخلوق والنار بما فيها مخلوق وقد ذكر الإمام أحمد هذه الحجة فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فقال : ( باب : ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي رويت [ ص: 410 ] { إن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب ; فيأتي صاحبه فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول له : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أظمأت نهارك ; وأسهرت ليلك ; قال : فيأتي به الله ; فيقول : يا رب } فادعوا .

أن القرآن مخلوق ; فقلنا لهم : إن القرآن لا يجيء بمعنى أنه قد جاء : { من قرأ : { قل هو الله أحد } فله كذا وكذا } ألا ترون من قرأ : { قل هو الله أحد } لا يجيئه ; بل يجيء ثوابه ; لأنا نقرأ القرآن فنقول لا يجيء ; ولا يتغير من حال إلى حال . فبين أحمد أن الثواب هو الذي يجيء ; وهو المخلوق من العمل ; فكيف بعقوبة الأعمال الذي تتغير من حال إلى حال فإذا كان هذا ثواب { قل هو الله أحد } وهو ثواب القرآن فكيف ثواب غيره وأما احتجاج المحتج بأن الأفعال قدر الله فيقال له : لفظ " القدر " يراد به التقدير ; ويراد به المقدر .

فإن أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته ; فهذا غلط وباطل . فإن أفعال العباد ليست شيئا من صفات الله تعالى ; وإن أردت أنها مقدرة قدرها الله تعالى ; فهذا حق ، فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ; وقد ثبت في الصحيح { أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة } وكل تلك المقدورات مخلوقة . [ ص: 411 ] وثبت في الصحيحين عن { عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ; إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال : اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح } . فالرزق والأجل قدره كما قدر عمله ; ومعلوم أن الرزق الذي يأكله مخلوق مع أنه مقدر . فكذلك عمله ; وكذلك سعادته وشقاؤه ; وسعادته وشقاؤه هي ثواب العمل وعقابه ; وكل ذلك مقدر ; كما أن الرزق مقدر والمقدر مخلوق . وأما قولهم ; إن الأعمال هي الشرائع والشرائع غير مخلوقة فيقال لهم أيضا لفظ الشرع يراد به كلام الله الذي شرع به الدين ويراد به الأعمال المشروعة فإن هذه الألفاظ يراد بها المصدر ويراد بها المفعول كلفظ " الخلق " ونحوه .

فإن قلتم : إن أعمال العباد هي الشرع الذي هو كلام الله فهذا باطل ظاهر البطلان . وإن أردتم : أن الأعمال هي المشروعة بأمر الله بها فهذا حق ; لكن أمر الله غير مخلوق وأما المأمور به المكون بأمر الله أو الممتثل بأمر الله فإنه مخلوق كما أن العبد المأمور مخلوق . [ ص: 412 ]

ولفظ " الأمر " يراد به المصدر والمفعول فالمفعول مخلوق كما قال : { أتى أمر الله } وقال : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } . فهنا المراد به المأمور به ليس المراد به أمره الذي هو كلامه وهذه الآية التي احتج بها هؤلاء تضمنت الشرع وهو الأمر والقدر وقد ضل في هذا الموضع فريقان : " الجهمية " الذين يقولون : كلام الله مخلوق ويحتجون بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } . ويقولون : ما كان مقدورا فهو مخلوق . وهؤلاء " الحلولية " الضالون الذين يجعلون فعل العباد قديما بأنه أمر الله وقدره وأمره وقدره غير مخلوق . ومثار الشبهة أن اسم " القدر " و " الأمر " و " الشرع " يراد به المصدر ويراد به المفعول ففي قوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } المراد به المأمور به المقدور وهذا مخلوق وأما في قوله : { ذلك أمر الله أنزله إليكم } فأمره كلامه إذ لم ينزل إلينا الأفعال التي أمرنا بها وإنما أنزل القرآن وهذا كقوله : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } فهذا الأمر هو كلامه .

فإذا احتج الجهمي الذي يئول أمره إلى أن يجعله حالا في المخلوقات بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } قيل له المراد به المأمور به كما في قوله : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } وكما يقال عن الحوادث التي يحدثها الله هذا أمر عظيم وإذا احتج الحلولي الذي يجعل صفات الرب تقارن ذاته وتحل في [ ص: 413 ] المخلوقات بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } وقال الأفعال قدره وأمره وأمره غير مخلوق وقدره غير مخلوق .

قيل له : أمره وقدره الذي هو صفته كمشيئته وكلامه غير مخلوق فأما أمره الذي هو قدر مقدور فمخلوق فالمقدور مخلوق والمأمور به مخلوق وإن سميا أمرا وقدرا . ثم يقال لهؤلاء الضالين : هب أن المأمور به يسمى أمرا وشرعا فالمنهي عنه ليس هو مأمورا به ولا مشروعا وإنما هو مخالفة للأمر والشرع وهو منهي عنه فكيف سميتم الكفر والفسوق والعصيان شرائع وليست من الشرائع ولكن هي مما نهت عنه الشريعة ولما قال سبحانه : { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } هل دخل في هذه الشريعة الكفر والفسوق والعصيان وهل أمر الرسول باتباع ذلك وباجتنابه واتقائه .


الحـــواشي 1  2  3  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة