فروع الفقه الظاهري

المحلى بالآثار

علي بن أحمد بن سعيد بن حزم

دار الفكر

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: اثنا عشر جزءا

الكتب » المحلى بالآثار » كتاب الوصايا » مسألة الوصية بالعتق

مسألة: الجزء الثامن
[ ص: 394 ] مسألة : ومن أوصى بعتق رقيق له لا يملك غيرهم ، أو كانوا أكثر من ثلاثة ؟ لم ينفذ من ذلك شيء إلا بالقرعة فمن خرج سهمه صح فيه العتق ، سواء مات العبد بعد الموصي وقبل القرعة ، أو عاش إلى حين القرعة .

ومن خرج سهمه كان باقيا على الرق سواء مات قبل القرعة أو عاش إليها ؟ فإن شرع السهم في بعض مملوك عتق منه ما حمل الثلث بلا استسعاء ، وعتق باقيه واستسعى للورثة في قيمة ما بقي منه بعد الثلث .

فلو سماهم بأسمائهم بدئ بالذي سمى أولا فأولا ، فإذا تم الثلث رق الباقون - فلو شرع العتق في بعض مملوك أعتق كله واستسعى للورثة فيما زاد منه على الثلث ، فلو أعتق جزءا مسمى من كل مملوك منهم باسمه أعتق ذلك الجزء - إن كان الثلث فأقل - وأعتق باقيهم ، واستسعوا فيما زاد على الثلث أو فيما زاد على ما أوصى به مما هو دون الثلث .

فإن أعتق من كل واحد منهم باسمه أو جملة أكثر من الثلث أقرع بينهم إن أجملهم فإذا تم الثلث رق الباقون إلا أن يشرع العتق في واحد منهم فيعتق ويستسعي فيما زاد على الثلث ، ويبدأ بالأول فالأول - إن سماهم بأسمائهم - فإذا تم الثلث رق الباقون ، إلا من شرع فيه العتق ، فإنه يستسعي فيما زاد منه على الثلث .

برهان صحة قولنا - : أنه إذا أعتق في وصيته الثلث من كل واحد منهم فأقل ، فإنه لم يتعد ما أمره الله تعالى إذ له أن يوصي بالثلث فينفذ قوله .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أوردناه في " كتاب العتق " من ديواننا هذا بإسناده فيمن أعتق شركا له في مملوك فإنه حر كله ويستسعي في حصة شريكه والورثة هاهنا شركاء للموصي ، فقد عتق المماليك كلهم بحكم الله تعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام ويستسعون في حصة الورثة - .

وبالله تعالى التوفيق .

وأما إذا أعتق في وصيته جميعهم وسماهم بأسمائهم ، أو أعتق في وصيته أكثر من ثلث كل واحد منهم وسماهم بأسمائهم ؟ فاليقين يدري كل مسلم أن أول من سمي منهم ، فإنه لم يجر في ذلك ، ولا خالف الحق ، بل أوصى كما أبيح له فهي وصية بر [ ص: 395 ] وتقوى ، وهكذا حتى يتم الثلث ، فوجب تنفيذ وصيته لصحتها ، وأن يستسعي المعتقون في حصص الورثة الذين هم شركاء الموصي حين وجوب الوصية ولم يعتقوا حصصهم .

وكان الموصي في وصيته فيما زاد على ثلثه مبطلا عاصيا ، مخالفا للحق إن كان عالما ، أو مخطئا مخالفا للحق فقط ، معفوا عنه إن كان غير عالم ، والباطل عدوان فقط ، أو إثم وعدوان ساقط لا يحل إنفاذه - قال تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }

فوجب إبطال ما زاد على الثلث كما ذكرنا - وبالله تعالى التوفيق .

وأما إذا أجمل في وصيته عتقهم ، أو أجمل عتق ما زاد على الثلث من كل واحد منهم في وصيته ، فبالضرورة والمشاهدة يدري كل مسلم أنه خلط الوصية بعتق من لا يجوز له أن يوصي بعتقه ، مع الوصية بعتق من لا يحل له أن يوصي بعتقه ، ولا يدري غير الله تعالى أيهم المستحق للعتق ، وأيهم لا ، فصاروا جملة فيها حق لله تعالى في أحرار ، أو في حر لا يعرف بعينه ، وفيها حق للورثة في رقيق لا يعرف بعينه ، فلا بد من القسمة ليميز حق الله تعالى من حق الورثة ، كما أمر الله عز وجل أن يعطي كل ذي حق حقه ، ولا سبيل إلى تمييز الحقوق والأنصباء في القسمة إلا بالقرعة ; فوجب الإقراع بينهم ، فأيهم خرج عليه سهم العتق علمنا أنه الذي استحق العتق بموت الموصي ، وأنه هو حق الله تعالى من تلك الجملة - مات قبل القرعة أو لم يمت - وأيهم خرج عليه سهم الرق علمنا أنه لم يوص فيه الموصي وصية جائزة ، وأنه هو حق الورثة من تلك الجملة قد ملكوه بموت الموصي - مات قبل القرعة أو لم يمت .

فإن شرع العتق في مملوك أعتق واستسعى فيما زاد منه على ما عتق بالقرعة ; لأن الورثة شركاء الموصي فيه ، وهكذا كل ما أوصى فيه بالثلث فأقل من حيوان أو عقار أو متاع .

ولا بد من تمييز حق الوصية من حق الورثة ، ولا يكون ذلك إلا بتعديل القيمة والقرعة ، وقد جاء أيضا في هذا أثر صحيح ، يؤكد ما قلنا ، ولو لم يأت لكان الحكم ما وصفنا لما ذكرنا من وجوب تمييز حق الوصية من حق الورثة - وبالله تعالى التوفيق .

روينا من طريق مسلم نا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - وابن أبي عمر ، [ ص: 396 ] كلاهما عن الثقفي - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين { أن رجلا أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين له لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، وقال له قولا شديدا } .

وقد اختلف الناس في هذا ، ونقول - : إننا لم نجد لأحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا لأحد من التابعين رحمهم الله في الوصية بالعتق ، فيما هو أكثر من الثلث شيئا ، إلا لعطاء وحده : فيمن أوصى بعتق ثلث عبد له لا مال له غيره ، فإنه يعتق كله ، ويستسعي للورثة في قيمة ثلثيه .

ومن طريق ابن أبي شيبة أنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال : من أوصى بعتق مملوك له فهو من الثلث ، فإن كان أكثر من الثلث سعى فيما زاد - وهو قولنا - وأما سائرهم فإنما وجدنا عنهم من أعتق من ثلثه عند موته ، ونحن من لا يعطي نصوص الروايات نصا مما يحرفها عن مواضعها - وقد أعاذنا الله تعالى من ذلك - والحمد لله على نعمه كثيرا .

وقد يمكن لهم في الوصية قول غير قولهم فيمن أعتق عند موته ، ومن منع من ذلك عنهم ، فقد قفا ما لا علم له به ، وأوقع نهي الله تعالى له عن ذلك ، واستسهل الكذب والقطع بالظن .

وأما نحن فلا نورد إلا ما روينا ، ولا نحكي ما لم نسمع ، ولا نخبر بما لم يبلغنا وحاش لله من هذا الرتبة المهلكة في الدنيا والآخرة ، وسنذكر الروايات التي بلغتنا في ذلك - إن شاء الله تعالى - إثر تمام هذه المسألة " في مسألة حكم المريض ومن حضره الموت في ماله " وبالله تعالى التوفيق .

فإذ الأمر كما ذكرنا فلنذكر ما وجدنا عن المتأخرين المصرحين بما قالوا في حكم الوصية بعتق أكثر من الثلث - : قال أبو حنيفة : من أوصى بعتق مماليك له لا يملك غيرهم وكانوا أكثر من الثلث أعتقوا كلهم ، واستسعوا جميعهم فيما زاد من قيمتهم على مقدار ثلث الموصي . [ ص: 397 ] وقال مالك : من أوصى بعتق جزء من عبده لم يعتق منه إلا ما أوصى بعتقه منه فقط ورق باقيه - سواء حمله الثلث كله أو قصر عنه - .

فإن لم يحمل الثلث ما أوصى بعتقه لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث مما أوصى بعتقه منه ورق سائره .

فإن أوصى بعتق عبيده أو دبرهم فإنه يعتق من كل واحد منهم ما حمله الثلث فقط ويرق سائره .

فلو دبر في صحته أو في مرضه بدئ بالأول فالأول على رتبة تدبيره لهم ، فإذا تم الثلث رق الباقون ورق باقي من لم يحمل الثلث جميعه .

وقال الشافعي : من أوصى بعتق رقيق له لا يحملهم الثلث قوموا ثم أقرع بينهم فأعتق منهم ما حمله الثلث ورق سائرهم ، ويرق باقي من لم يحمل الثلث جميعه .

قال أبو محمد : أما قول الشافعي - فاقتصر على خبر عمران بن الحصين الذي ذكرنا وترك خبر الاستسعاء ، وقد ذكرناه بإسناده في " كتاب العتق " من ديواننا هذا ولا يجوز ترك شيء من السنن الثابتة .

وأما قول مالك - فمخالف لجميع السنن الواردة في ذلك لا بحديث القرعة الذي رواه عمران أخذ ، ولا بحديث أبي هريرة ، وابن عمر ، في التقويم على من أعتق شركا له في مملوك أخذ ، والموصي شريك للورثة في العبد الذي أعتق ، وفي الاستسعاء - وهذا لا يجوز ألبتة .

وأما أبو حنيفة : فاقتصر على حديث الاستسعاء وخالف خبر عمران بن الحصين - ولا يجوز ترك شيء من السنن الثابتة .

واعتلوا في رد خبر عمران بن الحصين بأشياء فاسدة - : منها أنهم قالوا : لو كانت القرعة تستعمل كما قضى بها علي باليمن في الولد الذي ادعاه ثلاثة رجال فألحقه بالذي خرج سهمه عليه - ثم نسخ ذلك ، وأجمع المسلمون على تركه .

قال أبو محمد : وقد كذبوا ، ما نسخ ذلك قط ، وكيف يجمع المسلمون على تركه [ ص: 398 ] وقد قضى به علي رضي الله عنه باليمن ، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام وعلمه ، ومات عليه الصلاة والسلام إلى نحو ثلاثة أشهر ؟ فمن ذا الذي نسخ ذلك ؟ ولعنة الله على كل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب ومن بحضرته من الصحابة .

وما وجدنا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولا من التابعين إنكارا لفعل علي في ذلك وحكمه ، فمن أكذب من أصحاب هذه الدعاوى ؟ والعجب كله في مخالفتهم حكم علي بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ثابت صحيح وأخذهم في المسألة نفسها برواية فاسدة لا تصح ، نسبت إلى عمر رضي الله عنه من إلحاقه الولد بأبوين - والقرآن والسنة والمعقول يبطل ذلك .

وقالوا : إن من أخذ بحديث عمران بن الحصين في القرعة قد خالفه فيمن بدأ بعتق الأول فالأول في وصيته ، فكذبوا ، ما خالفنا خبر عمران لأنه ليس في خبر عمران : أنه بدأ بالوصية بأسمائهم اسما اسما ، وإنما لفظه أنه يقتضي عتقه لهم بالوصية جملة واحدة ؟ فلم نتعد لفظ الخبر إلى ما ليس فيه .

وقالوا : وجدنا حديث عمران بن الحصين مضطربا فيه ، فمرة رواه أبو قلابة عن أبي المهلب عن عمران ، ومرة رواه عن أبي زيد : أن رجلا من الأنصار ؟ قال أبو محمد : فكان ماذا ؟ وما يتعلل بهذا إلا قليل الحياء - : رواه أبو قلابة عن أبي زيد - وهو مجهول - فلم يحتج به .

ورواه عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين فأسند وثبت ، فأخذنا به .

وأي نكرة في رواية رجل من أهل العلم خبرا واحدا من عشر طرق ، منها صحيح ومنها مدخول ، وكل خبر في الأرض فإنه ينقله الثقة وغير الثقة ، فيؤخذ نقل الثقة ويترك ما عداه .

وقالوا : وجدنا معتق عبيده بالوصية قد كان مالكا لثلث جميعهم ، وإذ ذلك كذلك فقد عتق ثلث كل واحد منهم بالحق ، فلا يجوز أن يرق من وقع عليه العتق ؟ [ ص: 399 ] فقلنا : صدقتم إلا أن هذا الموصي بعتق جميعهم ، لم يعتق قط ثلث كل واحد منهم ، إنما أعتقهم جملة ، فكان فعله ذلك جامعا لباطل وحق ، فلم يمكن إنفاذ ذلك ومعرفته إلا بالقرعة ، وما وقع العتق قط على جميعهم ، لكن على بعضهم دون بعض ، فلم يكن بد من القرعة في تمييز ذلك .

ونسألهم هاهنا : عمن أوصى بجميع غنمه ، ولا مال له غيرها ، أو بجميع خيله ولا مال له غيرها ، أو بجميع عبيده في أهل الجهاد في الثغور ولا مال له غيرهم ، أينفذون ذلك برغم الورثة فينسلخوا عن الإسلام ؟ أم يبطلون وصيته فيفسقوا ؟ أم يقسمون الثلث للوصية والثلثين لورثته بالقرعة ؟ وهذا الذي أنكروا .

وقالوا : لما تساووا كلهم في السبب الموجب للعتق دون تفاضل لم يجز أن يحابي بإنفاذه بعضهم دون بعض ؟ فقلنا : كذبتم ما استووا قط في السبب الموجب للعتق ; لأن ذلك السبب هو الوصية بعتقهم ، وقد وقعت في بعضهم بحق وجب تنفيذه ، وفي بعضهم بحرام لا يحل تنفيذه - وهو ما زاد على الثلث - فلم يكن بد في تمييز ذلك من القرعة .

وقالوا : يحتمل أن يكون قول عمران { فأعتق اثنين } أي شائعين في الجميع ، كما يقول " { في كل أربعين شاة شاة } يعني شائعة في الجميع - وذكروا أخبارا لا تصح فيها - فأعتق الثلث ؟ فقلنا : جمعتم في هذا الكذب والمجاهرة به ; لأن في حديث عمران { وأرق أربعة } فبطل ما رمتم إقحامه في الخبر - وما كانت الشاة قط شائعة في الأربعين ، بل واحدة بغير عينها ، أيها أعطى مما فيه وفاء : فقد أدى ما عليه .

وقالوا : هذا قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم وليس عموم اسم يتناول ما تحته ؟ فنقول لهم : هلا قلتم هذا لأنفسكم إذ جعلتم الخطبة فرضا في الجمعة - وهو فعل لا عموم اسم - وإذ قضيتم بجواز الوضوء بالنبيذ في خبر مكذوب ثم هو فعل وليس عموم اسم - لا يحتمل قولهم هذا إلا تجوير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا كفر مجرد .

وقالوا : هذا من باب القمار ، والميسر ؟ [ ص: 400 ] قال أبو محمد : وهذا كفر مكشوف مجرد من نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالقمار ، والميسر ، ونحن براء منه وكفى ؟ قال الله تعالى : ( { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ) فنحن حكمناه عليه الصلاة والسلام فيما شجر بيننا ، ثم لم نجد في أنفسنا حرجا مما قضى وسلمنا تسليما ، وهم لم يحكموه فيما شجر بينهم ، ثم وجدوا في أنفسهم الحرج مما قضى ، ولم يسلموا تسليما - فتبا لهم وسحقا .

وقالوا : هذا من أخبار الآحاد ، ولا يجوز أن يعترض به على الأصول ؟ فقلنا : هذا أبرد مما أتيتم به ، وما علمنا في الدين أصولا إلا القرآن وبيانه ، مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء بنقل ثقة عن مثله مسندا ، أو بنقل تواتر - وأما فرقكم فضلال ودعوى كاذبة ، وإفك مطرح { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }

فبطل كل ما موهوا به - والحمد لله رب العالمين .

السابق

|

| من 2

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة