الفقه المقارن

المجموع شرح المهذب

يحيى بن شرف النووي

مطبعة المنيرية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: أحد عشر جزءا

الكتب » المجموع شرح المهذب » كتاب الزكاة » باب قسم الصدقات » التوكيل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه

مسألة: الجزء السادس
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه . وهي الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز ; لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم : " هذا شهر زكاتكم فمن كان عنده دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله " ويجوز أن يوكل من يفرق ; لأنه حق مال فجاز أن يوكل في أدائه كدين الآدميين . ويجوز أن تدفع إلى الإمام ; لأنه نائب عن الفقراء . فجاز الدفع إليه كولي اليتيم . وفي الأفضل ثلاثة أوجه : ( أحدها ) أن الأفضل أن يفرق بنفسه . وهو ظاهر النص ; لأنه على ثقة من أدائه . وليس على ثقة من أداء غيره .

( والثاني ) أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلا كان أو جائرا ; لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف : " كيف تصنع في صدقة مالي ؟ قال : منها ما أتصدق به ، ومنها ما أدفع إلى السلطان . فقال : وفيم أنت من ذاك ؟ فقال : إنهم يشترون بها الأرض ويتزوجون بها النساء . فقال : ادفعها إليهم . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندفعها إليهم " ولأنه أعرف بالفقراء وقدر حاجاتهم . ومن أصحابنا من قال : إن كان عادلا فالدفع إليه أفضل وإن كان جائرا فتفرقته بنفسه [ ص: 135 ] أفضل . لقوله صلى الله عليه وسلم { : فمن سألها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقه فلا يعطه } ; ولأنه على ثقة من أدائه إلى العادل . وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر ; لأنه ربما صرفه في شهواته .

( فأما ) الأموال الظاهرة وهي الماشية والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان : ( قال في القديم ) : يجب دفعها إلى الإمام ، فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان ; لقوله عز وجل { : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ; ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة ، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية .

( وقال في الجديد ) : يجوز أن يفرقها بنفسه ; لأنها زكاة فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن ) .

الحاشية رقم: 1
( الشرح ) : الأثر المذكور عن عثمان صحيح ، رواه البيهقي في سننه الكبير في كتاب الزكاة في باب الدين مع الصدقة بإسناد صحيح عن الزهري عن السائب بن يزيد الصحابي أنه سمع عثمان بن عفان خطيبا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هذا شهر زكاتكم فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة " قال البيهقي : ورواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان عن شعيب ، وينكر على البيهقي هذا القول ; لأن البخاري لم يذكره في صحيحه هكذا ، وإنما ذكر عن السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزد على هذا ، ذكره في كتاب الاعتصام في ذكر المنبر ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن البخاري كما ذكرته ، ومقصود البخاري به إثبات المنبر ، وكأن البيهقي أراد أن البخاري روى أصله لا كله . والله أعلم . وأما حديث المغيرة فرواه البيهقي في السنن الكبير بإسناد فيه ضعف يسير ، وسمى في روايته مولى المغيرة فقال : هو هنيد يعني - بضم الهاء . وهو هنيد الثقفي مولى المغيرة ، وأما الحديث الآخر " فمن سئلها على حقها " فهو صحيح في صحيح البخاري ، لكن المصنف غيره هنا . وفي أول باب صدقة الإبل ، وقد سبق بيانه هناك ، وقد جاءت أحاديث وآثار في هذا المعنى ، منها عن جرير بن عبد الله قال : { جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن أناسا [ ص: 136 ] من المصدقين يأتوننا فيظلموننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرضوا مصدقيكم } رواه مسلم في صحيحه .

وعن أنس رضي الله عنه { أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله ؟ فقال : نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله : ولك أجرها ، وإثمها على من بدلها } رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده . وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال : " اجتمع عندي نفقة فيها صدقة - يعني بلغت نصاب الزكاة - فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها أو أدفعها إلى السلطان فأمروني جميعا أن أدفعها إلى السلطان ما اختلف علي منهم أحد ، وفي رواية فقلت لهم : " هذا السلطان يفعل ما ترون فأدفع إليهم زكاتي ؟ فقالوا كلهم : نعم فادفعها " رواهما الإمام سعيد بن منصور في مسنده . وعن جابر بن عتيك الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : سيأتيكم ركب مبغضون ، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن ظلموا فعليها ، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم } رواه أبو داود والبيهقي وقال : إسناده مختلف . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها " رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن .

وعن قزعة مولى زياد ابن أبيه أن ابن عمر قال : " ادفعوا إليهم وإن شربوا بها الخمر " رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن .

قال البيهقي : وروينا في هذا عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم . ومما جاء في تفريقها بنفسه ما رواه البيهقي بإسناد عن أبي سعيد المقبري واسمه كيسان قال : " جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم فقلت : يا أمير المؤمنين هذه زكاة مالي قال : وقد عتقت ؟ قلت : [ ص: 137 ] نعم ، قال : اذهب بها أنت فاقسمها " والله أعلم . وأما قول المصنف : لأنه حق مال فاحترز من الصلاة ونحوها .

( وقوله ) : لأنه مال للإمام فيه حق المطالبة احتراز من دين الآدمي .

( أما أحكام الفصل ) ففيه مسائل : ( إحداها ) قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : للمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه ، وهذا لا خلاف فيه ، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين ، والأموال الباطنة هي الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر ، وفي زكاة الفطر وجه أنها من الأموال الظاهرة ، حكاه صاحب البيان وجماعة ، ونقله صاحب الحاوي عن الأصحاب ثم اختار لنفسه أنها باطنة ، وهذا هو المذهب وبه قطع جمهور الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه وصاحب الشامل والبغوي وخلائق ، وهو ظاهر نص الشافعي ، وهو المشهور ، وبه قطع الجمهور ، ذكر أكثرهم المسألة في باب زكاة الفطر ، قال أصحابنا : وإنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة وإن كانت ظاهرة ، لكونها لا تعرف للتجارة أم لا ، فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها ، والله أعلم .

( وأما ) الأموال الظاهرة وهي الزروع والمواشي والثمار والمعادن ففي جواز تفريقها بنفسه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) وهو الجديد جوازه ، ( والقديم ) منعه ووجوب دفعها إلى الإمام أو نائبه ، وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا يجب الدفع إليه ، على هذا القول ; لأنه مع الجور نافذ الحكم ، وهذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى البغوي وغيره وجها أنه لا يجب الصرف إليه إن كان جائرا على هذا القول ، لكن يجوز . وحكى الحناطي والرافعي وجها أنه لا يجوز الدفع إلى الجائر مطلقا وبهذا الوجه جزم الماوردي في آخر باب نية الزكاة ، قال : وسواء كان جائرا في الزكاة وغيرها ، أو جائرا فيها ، يصرفها في غير مصارفها عادلا في غيرها ، وهذا الوجه ضعيف جدا بل غلط وهو مردود بما سبق من الأحاديث والآثار ، وكذا الوجه الذي حكاه البغوي ضعيف أيضا . قال أصحابنا : وعلى هذا القول القديم لو فرق بنفسه لم يجزئه ، وعليه دفعها ثانيا إلى الإمام [ ص: 138 ] أو نائبه ، قالوا : وعليه أن ينتظر بها مجيء الساعي ويؤخرها ما دام يرجوه ، فإذا أيس منه فرقها بنفسه وأجزأته ; لأنه موضع ضرورة .


الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة