مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

الكتب » التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب » سورة المائدة » قوله تعالى قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا

مسألة:
ثم قال تعالى : ( قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ) .

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أما الكلام في ( اللهم ) فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران في قوله : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ) [آل عمران : 26] فقوله : ( اللهم ) نداء ، وقوله : ( ربنا ) نداء ثان ، وأما قوله : ( تكون لنا ) صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، وفي قراءة عبد الله ( تكن ) لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع ، ومثاله قوله تعالى : ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) [مريم : 6] بالجزم والرفع ( فأرسله معي ردءا يصدقني ) [القصص : 34] بالجزم والرفع .

وأما قوله : ( عيدا لأولنا وآخرنا ) أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا ، والعيد في اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود ، فأصله هو العود ، فسمي العيد عيدا لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله : ( وآية منك ) أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة رسولك ( وارزقنا ) أي وارزقنا طعاما نأكله ( وأنت خير الرازقين ) .

المسألة الثانية : تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا : ( نريد أن نأكل منها ) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال : ( وارزقنا ) وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الرزق بقوله : ( وارزقنا ) لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرزاق فقال : ( وأنت خير الرازقين ) فقوله : ( ربنا ) ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى ، وقوله : ( أنزل علينا ) انتقال من الذات إلى الصفات ، وقوله : ( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم ، وقوله : ( وآية منك ) إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال ، وقوله : ( وارزقنا ) إشارة إلى حصة النفس ، وكل ذلك نزول من حضرة الجلال . فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون . ثم قال : ( وأنت خير الرازقين ) وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف ، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها ، اللهم اجعلنا من أهله .

[ ص: 110 ] المسألة الثالثة : في قراءة زيد ( يكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) والتأنيث بمعنى الآية .

السابق

|

| من 2

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة