العقيدة

الاعتصام

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي

دار ابن عفان

سنة النشر: 1412هـ / 1992م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزاءن

مسألة: الجزء الثاني
نعم ثم معنى آخر ينبغي أن يذكر هنا . وهو : المسألة الخامسة

وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة ، لا في جزئي من الجزئيات ، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا ، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية ، لأن الكليات تقتضي عددا من الجزئيات غير قليل ، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب .

واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي ، فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافا في فروع لا تنحصر ، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال .

ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات ، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة ، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا ، وأما الجزئي فبخلاف ذلك ، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له [ ص: 713 ] كالزلة والفلتة ، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين ، حيث قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : ثلاث يهدمن الدين : زلة العالم ، وجدال منافق بالقرآن ، وأئمة مضلون . ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ولا هدم للدين . بخلاف الكليات .

فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا بالواضحات . وهي أم الكتاب . وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته .

وقد ثبت أيضا للكفار بدع فرعية . ولكنها في الضروريات وما قاربها . كجعلهم لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ولشركائهم نصيبا، ثم فرعوا عليه أن ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله وصل إلى شركائهم . وتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم ، وترك العدل في القصاص والميراث ، والحيف في النكاح والطلاق ، وأكل مال اليتيم على نوع من الحيل ، إلى أشباه ذلك مما نبه عليه الشرع وذكره العلماء ، حتى صار التشريع ديدنا لهم ، وتغيير ملة إبراهيم عليه السلام سهلا عليهم ، فأنشأ ذلك أصلا مضافا إليهم وقاعدة رضوا بها ، وهي التشريع المطلق لا الهوى ، ولذلك لما نبههم الله تعالى على إقامة الحجة عليهم بقوله تعالى : قل آلذكرين حرم أم الأنثيين قال فيها : نبئوني بعلم إن كنتم صادقين فطالبهم بالعلم الذي شأنه أن لا يشرع إلا حقا وهو علم [ ص: 714 ] الشريعة لا غيره ، ثم قال تعالى : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا تنبيها لهم على أن هذا ليس مما شرعه في ملة إبراهيم : ثم قال : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم فثبت أن هذه الفرق إنما افترقت بحسب أمور كلية اختلفوا فيها والله أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة