العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء السابع
الوجه الثالث : أن يقال : أنتم ادعيتم أنكم أثبتم إمامته بالقرآن ، والقرآن ليس في ظاهره ما يدل على ذلك أصلا ; فإنه قال : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [ سورة المائدة : 67 ] . وهذا اللفظ عام في جميع ما أنزل إليه من ربه ، لا يدل على شيء معين .

فدعوى المدعى أن إمامة علي هي [1] مما بلغها ، أو مما [2] أمر بتبليغها ، لا تثبت بمجرد القرآن ، فإن القرآن ليس فيه دلالة على شيء معين ، فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتا بالخبر لا بالقرآن . فمن ادعى أن القرآن يدل على [ أن ] [3] إمامة علي مما أمر بتبليغه ، فقد افترى على القرآن ، فالقرآن لا يدل على ذلك عموما ولا خصوصا .

الوجه الرابع [4] : أن يقال : هذه الآية ، مع ما علم من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، تدل على نقيض ما ذكروه ، وهو أن الله لم ينزلها عليه ، ولم يأمره بها [5] ، فإنها لو كانت مما أمره الله بتبليغه ، لبلغه ; فإنه لا يعصي الله في ذلك .

[ ص: 48 ] ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها - : " من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب ، والله تعالى يقول : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) [ سورة المائدة : 67 ] .

لكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ شيئا من إمامة علي ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم .

منها : أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فلو كان له أصل لنقل ، كما نقل أمثاله من حديثه ، لا سيما مع كثرة ما ينقل من فضائل علي ، من الكذب الذي لا أصل له ، فكيف لا ينقل الحق [ الصدق ] [6] الذي قد بلغ للناس ؟ ! .

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه ، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه .

ومنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات ، وطلب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير ، فأنكر [7] ذلك عليه ، وقالوا : الإمارة لا تكون إلا في قريش ، وروى الصحابة في [ مواطن ] [8] متفرقة الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في [9] : " أن الإمامة في قريش " [10] [ ص: 49 ] ولم يرو واحد [11] منهم : لا في ذلك المجلس ولا غيره ، ما يدل على إمامة علي .

وبايع المسلمون أبا بكر ، وكان أكثر بني عبد مناف - من بني أمية وبني هاشم وغيرهم - لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب يختارون ولايته ، ولم يذكر أحد منهم هذا النص . وهكذا أجري الأمر [12] في عهد عمر وعثمان ، وفي عهده أيضا لما صارت له ولاية ، ولم يذكر [13] هو ولا أحد من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين هذا النص ، وإنما ظهر هذا النص بعد ذلك .

وأهل العلم بالحديث والسنة الذين يتولون عليا ويحبونه ، ويقولون [14] : إنه كان الخليفة بعد عثمان ، كأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة ، قد نازعهم [15] في ذلك طوائف من أهل العلم وغيرهم ، وقالوا : كان زمانه زمان فتنة واختلاف [16] بين الأمة ، لم تتفق الأمة فيه لا عليه ولا على غيره .

[ ص: 50 ] وقال طوائف من الناس كالكرامية : بل هو كان إماما ومعاوية إماما ، وجوزوا أن يكون للناس إمامان للحاجة . وهكذا قالوا في زمن ابن الزبير ويزيد ، حيث لم يجدوا الناس اتفقوا على إمام .

وأحمد بن حنبل ، مع أنه أعلم أهل زمانه بالحديث ، احتج على إمامة علي بالحديث الذي في السنن : " تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ، ثم تصير ملكا " [17] . وبعض الناس ضعف هذا الحديث ، لكن أحمد وغيره يثبتونه ، فهذا عمدتهم من النصوص على خلافة علي ، فلو ظفروا بحديث مسند أو مرسل موافق لهذا لفرحوا به .

فعلم أن ما تدعيه الرافضة من النص ، هو مما لم يسمعه أحد من أهل العلم بأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا قديما ولا حديثا .

ولهذا كان أهل العلم بالحديث يعلمون بالضرورة كذب هذا النقل ، كما يعلمون كذب غيره من المنقولات المكذوبة .

وقد جرى تحكيم الحكمين ، ومعه أكثر الناس ، فلم يكن في المسلمين من أصحابه ولا غيرهم من ذكر هذا النص ، مع كثرة شيعته ، ولا فيهم من احتج به ، في مثل هذا المقام الذي تتوفر فيه الهمم والدواعي على إظهار مثل هذا النص .

ومعلوم أنه لو كان النص معروفا عند شيعة علي - فضلا عن غيرهم - ; لكانت العادة المعروفة تقتضي أن يقول أحدهم : هذا نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خلافته ، فيجب تقديمه على معاوية .

وأبو موسى نفسه كان من خيار المسلمين ، لو [18] علم أن النبي - صلى الله [ ص: 51 ] عليه وسلم - نص عليه لم يستحل عزله ، ولو عزله لكان من أنكر عزله [19] عليه يقول : كيف تعزل من نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلافته ؟ .

وقد احتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " تقتل عمارا الفئة الباغية " وهذا الحديث خبر واحد أو اثنين أو ثلاثة ونحوهم ، وليس هذا متواترا [20] . والنص عند القائلين به متواتر ، فيا لله العجب كيف ساغ [21] عند الناس احتجاج شيعة علي بذلك الحديث ، ولم يحتج أحد منهم بالنص ؟ .

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة